# كتاب الأربعين في أصول الدين

**أبو حامد محمد بن محمد الغزالي** (ت ٥٠٥ هـ)

دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ / ١٩٨٨ م.

---

## المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله أجمعين.

«أما بعد» ولعلك تقول هذه الآيات التي أوردتها في القسم الثاني[^1] تشتمل على أصناف مختلفة من العلوم والأعمال، فهل يمكن تمييز مقاصدها وشرح جملها على وجه من التفصيل والتحصيل يمكن التفكر في كل واحدة منها على حيالها ليعلم الإنسان تفصيل أبواب السعادة في العلم والعمل، ويتيسر عليه تحصيل مفاتيحها بالمجاهدة والتفكير؟ «فأقول» نعم ذلك يمكن، فإنه ينقسم جمل مقاصدها إلى علوم وأعمال، والأعمال تنقسم إلى ظاهرة وباطنة، والباطنة تنقسم إلى تزكية وتحلية؛ فهي أربعة أقسام: علوم وأعمال ظاهرة، وأخلاق مذمومة تجب التزكية عنها، وأخلاق محمودة تجب التحلية بها. وكل قسم يرجع إلى عشرة أصول. واسم هذا القسم: كتاب الأربعين في أصول الدين. فمن شاء أن يكتبه مفرداً فليكتب فإنه يشتمل على زبدة علوم القرآن.

## القسم الأول في جمل العلوم وأصولها وهي عشرة

### الأصل الأوّل في الذات

فنقول: الحمد لله الذي تعرف إلى عباده بكتابه المنزل، على لسان نبيه المرسل، بأنه في ذاته واحد لا شريك له، فرد لا مثل له، صمد لا ضد له، متوحد لا ند له؛ وأنه قديم لا أوّل له، أزلي لا بداية له، مستمر الوجود لا آخر له، أبديّ لا نهاية له، قيوم لا انقطاع له، دائم لا انصرام له؛ لم يزل ولا يزال موصوفاً بنعوت الجلال، لا يُقضى عليه بالانقضاء والانفصال، وبتصرم الآماد وانقضاء الآجال؛ بل هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم.

### الأصل الثاني في التقديس

وأنه ليس بجسم مصور، ولا جوهر محدود مقدر، وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام، وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر، ولا بعَرَض ولا تحله الأعراض؛ بل لا يماثل موجوداً، ولا يماثله موجود، وليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء، وأنه لا يحده المقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه السموات، وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، استواء منزّهاً عن المماسّة والاستقرار، والتمكن والتحول والانتقال؛ لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته؛ وهو فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قرباً إلى العرش والسماء؛ بل هو رفيع الدرجات على العرش، كما أنه رفيع الدرجات على الثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبيد من حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد، إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام، كما لا يماثل ذاته ذات الأجسام؛ وأنه لا يحل في شيء، ولا يحل فيه شيء؛ تعالى عن أن يحويه مكان، كما تقدس عن أن يحدّه زمان؛ بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان، وهو الان على ما عليه كان. وأنه باين بصفاته من خلقه ليس في ذاته سواه، ولا في سواه ذاته. وأنه مقدس عن التغيير والانتقال، لا تحله الحوادث، ولا تعتريه العوارض، بل لا يزال في نعوت جلاله منزهاً عن الزوال، وفي صفات كماله مستغنياً عن زيادة الاستكمال. وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول، مرئيّ الذات بالأبصار، نعمة منه ولطفاً بالأبرار في دار القرار، وإتماماً للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم.

### الأصل الثالث في القدرة

وأنه حيّ قادر جبار قاهر، لا يعتريه قصور ولا عجز، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعارضه فناء ولا موت. وأنه ذو الملك والملكوت، والعزة والجبروت، له القدرة والسلطان والقهر، والخلق والأمر، والسموات مطويات بيمينه، والخلائق مقهورون في قبضته. وأنه المتفرد بالخلق والاختراع، المتوحد بالإيجاد والإبداع؛ خلق الخلق وأعمالهم، وقدّر أرزاقهم وآجالهم، لا يشذ عن قبضته مقدور، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور، لا تحصى مقدوراته ولا تتناهى معلوماته.

### الأصل الرابع في العلم

وأنه عالم بجميع المعلومات، محيط بما يجري في تخوم الأرضين إلى أعلى السموات، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويدرك حركة الذر في جوّ الهواء، ويعلم السر وأخفى، ويطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر، بعلم قديم أزلي، لم يزل موصوفاً به في أزل الآزال، لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالتحوّل والانتقال.

### الأصل الخامس في الإرادة

وأنه مريد للكائنات، مدبر للحادثات، فلا يُجْرى في الملك والملكوت قليل ولا كثير، ولا صغير ولا كبير، خير أو شر، نفع أو ضر، إيمان أو كفر، عرفان أو نكر، فوز أو خسر، زيادة أو نقصان، طاعة أو عصيان، إلا بقضائه وقدره، وحكمه ومشيئته؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر ولا فلتة خاطر؛ بل هو المبدئ المعيد، الفعّال لما يريد، لا رادّ لحكمه، ولا معقب لقضائه، ولا مَهْرَب لعبد عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته، ولا قوة له على طاعته إلا بمعونته وإرادته. لو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين، على أن يحركوا في العالم ذرة أو يُسكّنوها دون إرادته ومشيئته عجزوا عن ذلك. وأن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته، لم يزل كذلك موصوفاً بها، مريداً في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها، فوجدت في أوقاتها كما أراده في أزله، من غير تقدم ولا تأخر، بل وقعت على وفق علمه وإرادته، من غير تبدل ولا تغير. دبّر الأمور بلا ترتيب أفكار، وتربص زمان، فلذلك لا يشغله شأن عن شان.

اعلم أن هذا المقام مزلة الأقدام، ولقد زلت فيه أقدام الأكثرين، لأن تمام تحقيقه مستمدٌّ من تيّار بحر عظيم وراء التوحيد، وهم يطلبونه بالبحث والجدال؛ ولقد قال رسول الله ﷺ: «ما ضلّ قوم بعد هُدًى إلا أوتوا الجدال» ويستدلون بآيات القرآن مُؤوِّلين وليسوا من أهل التأويل، ولو نال كل واحد مقام التأويل، لمَا قال ﷺ داعياً لابن عباس - رضي الله عنهما -: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، ولما قال يعقوب ليوسف - على نبينا وعليهما السلام -: «وكذلك يَجْتَبِيكَ ربُّك ويُعلِّمُك مِن تأويل الأحاديث». قال صاحب «الكشاف» في تفسيرها: يعني معاني كتب الله، وسُنَن الأنبياء - عليهم السلام - وما غمض واشتبه على الناس من أغراضها ومقاصدها تفسرها لهم وتشرحها، وتدلهم على مُودَعات حِكَمها. وإنما زلت أقدام الأكثرين في هذا المقام، لأنهم يتبعون الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم؛ وهؤلاء ليسوا براسخين فيه، بل هم قاصرون عاجزون؛ فلقصورهم لم يطيقوا ملاحظة كُنْهِ هذا الأمر، فألجموا عما لم يطيقوا خوض غمراته بلجام المنع مع سائر القاصرين، فقيل لهم اسكتوا، فما لهذا خُلقتم ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يُسألون﴾ [الأنبياء: ٢٣] عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر، فغضب - عليه السلام - حتى احمرّ وجهه الشريف، فقال: «أبهذا أمرتم أم بهذا أُرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم، حين تنازعوا في هذا الأمر؛ عزمت عليكم، عزمت عليكم في هذا الأمر أن لا تنازعوا فيه».

وعن أبي جعفر قال: قلت ليونس بن عبيد: مررت بقوم يختصمون في القدر، فقال: لو همّتهم ذنوبهم ما اختصموا في القدر، وامتلأ مشكاة بعضهم نوراً مقتبساً من نور الله، وكان زيتهم صافياً حتى يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، فاشتعل نوراً على نور، فأشرقت أقطار الملكوت بين أيديهم بنور ربها، فأدركوا الأمور كما هي عليه؛ فقيل لهم: تأدبوا بآداب الله واسكتوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا! فلذلك أمسك عمر لما سُئل عن القدر، فقال للسائل: بحر عميق لا تَلِجْه؛ ولما كرر السؤال قال: طريق مظلم لا تسلكه؛ ولما كرر ثالثاً قال: سر الله قد خفي عليك فلا تفتشه. ومن أراد معرفة أسرار الملكوت فليلازم بابهم بالمحبة والإخلاص والصدق والإعراض عن عدائهم، والامتثال بأوامرهم والسعي فيما يرضيهم، وكذلك من أحب معرفة أسرار الربوبية، فليلازم باب الله عز وجل بالمحبة، والإخلاص، والصدق والتعظيم، والحياء والامتثال بالأوامر، والانتهاء عن المعاصي، والمجاهدة والإقبال بكنه الهمة، والتعرض لنفحاته لقوله - عليه السلام -: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرّضوا لها» والسعي فيما يرضي وإن لم يطق ذلك فعليه أن يعتقد في هذا البحث ما عليه أبو حنيفة - رحمه الله - وأصحابه، حيث قالوا: إحداث الاستطاعة في العبد فعل الله، واستعمال الاستطاعة المحدثة فعل العبد حقيقة لا مجازاً. والقدرية أنكروا قضاء الله، ورأوا الخير والشر من أنفسهم. أرادوا بذلك تنزيه الله عن الظلم وفعل القبيح، ولكنهم ضلوا إذ نسبوا العجز إلى الله تعالى في ضمن ذلك، ولم يدروا. والجبرية اعتمدوا على القضاء، ورأوا الخير والشر من الله، ولم يروا من أنفسهم فعلاً، كما لم يروا من الجمادات؛ أرادوا بذلك تنزيه الله تعالى عن العجز فضلّوا، إذ نسبوا الظلم إليه تعالى في ضمن ذلك؛ وأضلوا سفهاءهم، فكانوا يعصون الله وينسبون إلى الله، ويبرئون أنفسهم عن الذم واللوم كالشيطان حيث ﴿قال فبما أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم﴾ [الأعراف: ١٦].

> **Passage douteux** — Le texte imprimé ne précise pas à qui renvoie « leur porte » ; traduction littérale.

فالحاصل أن القدرية أثبتوا الاختيار الكلي للعبد في جميع أفعال العباد، وأنكروا قضاء الله تعالى وقدره بالكلية في الأفعال الاختيارية. والجبرية نفوا الاختيار بالكلية في أفعال العباد، واعتمدوا على القضاء والقدر؛ فينبغي للباحث معهم أن يضرْبهم، ويمزق ثيابهم وعمائمهم ويخدش وجوههم، وينتف أشعارهم وشواربهم ولحاهم، ويعتذر بما اعتذر هؤلاء السفهاء في سائر أفعالهم القبيحة الصادرة منهم. والمعتزلة أضافوا الشر فقط إلى أنفسهم، وأثبتوا لأنفسهم الاختيار الكلي تحرزاً عن نسبة القبح والظلم إلى الله، ولكن نسبوا إلى الله العجز في ضمن ذلك ولم يدروا، فتعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيراً.

وأما أهل السنة والجماعة، فتوسطوا بينهم، فلم ينفوا الاختيار عن أنفسهم بالكلية، ولم ينفوا القضاء والقدر عن الله تعالى بالكلية، بل قالوا: أفعال العباد من الله من وجه، ومن العبد من وجه. وللعبد اختيار في إيجاد أفعاله.

واعلم أن قضاء الله تعالى على أربعة أوجه: قضاء الطاعات، وقضاء المعاصي، وقضاء النعم، وقضاء الشدائد. والمذهب المستقيم في ذلك، إذا قضى للعبد الطاعة فعليه أن يستقبله بالجهد والإخلاص حتى يكرمه الله بالتوفيق والهداية لقوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. يعني الذين جاهدوا في طاعتنا وفي ديننا لنوفقنهم لذلك. وإذا قضى المعصية، فعليه أن يستقبله بالاستغفار والتوبة والندامة من صميم الفؤاد، لقوله تعالى: ﴿إن الله يحبُّ التّوابين ويحبّ المتطهّرين﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وإذا قضى النعمة، فعليه أن يستقبله بالشكر والسخاء حتى يكرمه بالزيادة، لقوله تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنّكم﴾ [إبراهيم: ٧]. وإذا قضى الشدة، فعليه أن يستقبله بالصبر والرضاء حتى يعطيه الكرامة في الدار الآخرة، لقوله تعالى: «إن الله يُحبُّ الصّابرين»[^2] وقال: ﴿إنما يُوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر: ١٠]. وذكر الفاضل الإمام مولانا علاء الدين في شرحه للمصابيح: «الفَرق بين القضاء والقدر، هو أن القضاء وجود جميع الموجودات في اللوح المحفوظ، إجمالاً لا تفصيلاً، والقدر هو تفصيل قضائه السابق بإيجادها في المواد الخارجية واحداً بعد واحد. وقيل القضاء هو الإرادة الأزلية، والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها الخاصة. ثم إن المسلمين في القدر على اختلاف: منهم من ذهب إلى أن كلّ ما يجري في العالم من الخير والشرّ والأفعال والأقوال بقضاء الله وقدره، ولا اختيار للعباد فيه، ويسمى هذا القوم جَبْرية. والجبْر هو القهر والإكراه؛ فيقولون: أجبر الله عباده على أقوالهم وأفعالهم من غير اختيار منهم فيها؛ ويزعمون أن إضافتها إليهم إضافتها إلى الجمادات؛ في مثل قولنا: دارت الرحا وجرى الميزاب. وهذا المذهب باطل؛ لأنهم قالوا هذا القول ليسقطوا من أنفسهم التكاليف، وشبهوا أنفسهم بالصبيان والمجانين في عدم جريان الخطاب بهم، فقد كفروا؛ لأن مذهبهم يُفْضي إلى إبطال الكتب والرسل. وإن قالوا ذلك لتعظيم الله وتحقير أنفسهم وعجزهم عن دفع قضاء الله، فهم مبتدعون لمخالفتهم الإجماع.

ومنهم من ذهب إلى أن كل ما يصدر عن العباد عُقَيْبَ قصدهم وإرادتهم يكون واقعاً بقدرتهم واختيارهم، ولا يتعلق بها بخصوصها قدرة الله وإرادته، ويسمّى هؤلاء قدرية لنفيهم القدر لا لإثباتهم. وهذا المذهب أيضاً باطل؛ لأنهم إن قالوا هذا القول عن اعتقاد جواز العجز عن التقدير لله تعالى، فهم كافرون، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً؛ وإن قالوا عن خطأ اجتهاداتهم وتنزيه الحق عن تقدير أفعالهم القبيحة وخلقها، فهم مبتدعون لمخالفتهم الإجماع. ومن هذه الطائفة من يقول: الخير بتقدير الله، والشر ليس بتقديره.

والمذهب الحق هو أن المؤثر مجموع القدرتين: قدرة الله وقدرة العباد، فالأفعال الصادرة عن العباد كلها بقضاء الله وقدره، ولكن للعباد اختيار، فالتقدير من الله، والكسب من العباد، وهذا المذهب وسط بين الجبر والقدر، وعليه أهل السنة والجماعة». انتهى كلامه.

وذكرنا في كتاب «المقصد الأقصى» تدبير رب الأرباب ومسبب الأسباب، أصل وضع الأسباب، ليتوجه إلى المسببات حكمُه، ونصبُه الأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تزول ولا تحول كالأرض والسموات السبع والكواكب والأفلاك، وحركاتها المتناسبة الدائمة التي لا تتغير ولا تنعدم، إلى أن يبلغ الكتاب أجله وقضاؤه، كما قال: ﴿فقضاهنّ سبعَ سمواتٍ في يومين، وأوحى في كلّ سماءٍ أمرها﴾ [فصلت: ١٢]. وتوجيهه هذه الأسباب - بحركاته المناسبة المحدودة المقدرة المحسوبة إلى مسببات الحادثة منها لحظة بعد لحظة - قدره. فالحكم هو التدبير الأول الكلي، والأمر الأزلي هو كلمح البصر. والقضاء هو الوضع الكليّ للأسباب الكلية الدائمة. والقدر هو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدّرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة المحدودة بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص؛ ولذلك لا يخرج شيء عن قضائه وقدره. ولا تفهم ذلك إلا بمثال؛ ولعلك شاهدت صندوق الساعات التي بها تتعرف أوقات الصلوات وإن لم تشاهده، فجملة ذلك أنه لا بدّ فيه من آلة على شكل أسطوانة تحوي مقداراً من الماء معلوماً، وآلة أخرى مجوفة موضوعة فيها فوق الماء، وخيط مشدود أحد طرفيه في هذه الآلة المجوفة، وطرفه الآخر في أسفل ظرف صغير موضوع فوق الآلة المجوفة، وفيه كُرَة وتحته طاس، بحيث لو سقطت الكرة وقعت في الطاس وسمع طنينها، ثم تثقب أسفل الآلة الأسطوانية ثقباً بقدر معلوم ينزل الماء منه قليلاً قليلاً، فإذا انخفض الماء انخفضت الآلة المجوفة الموضوعة على وجه الماء، فامتد الخيط المشدود بها فحرك الطرف الذي فيه الكرة تحريكاً يقربه من الانتكاس إلى أن ينتكس، فتتدحرج منه الكرة وتقع في الطاس وتطنّ، وعند انقضاء كلّ ساعة تقع واحدة؛ وإنما يتقدر الفصل بين الوقعتين بتقدير خروج الماء وانخفاضه، وذلك بتقدير سعة الثقب الذي يخرج منه الماء، ويعرف ذلك بطريق الحساب؛ فيكون نزول الماء بمقدار مقدر معلوم، بسبب تقدير سعة الثقبة بقدر معلوم، ويكون انخفاض أعلى الماء بذلك المقدار وبه يتقدر، وانخفاض الآلة المجوفة وانجرار الخيط بها المشدود، وتولد الحركة في الظرف الذي فيه الكرة؛ وكل ذلك يتقدر بتقدّر سببه، ولا يزيد لا ينقص. ويمكن أن يجعل وقوع الكرة في الطاس سبباً لحركة أخرى، وتكون الحركة الأخرى سبباً لحركة ثالثة، وهكذا إلى درجات كثيرة، حتى تتولد منها حركات عجيبة مقدرة بمقادير محدودة، وسببها الأول نزول الماء بقدر معلوم.

> **Passage douteux** — Longue phrase à la syntaxe ambiguë dans l’imprimé (« tadbîr Rabb al-arbâb… ») ; la traduction suit l’interprétation la plus probable.

فإذا تصورت هذه الصورة، فاعلم أن واضعها يحتاج إلى ثلاثة أمور: أوّلها التدبير، وهو الحكم بأنه ما الذي ينبغي أن يكون من الآلات والأسباب والحركات حتى يؤدي إلى حصول ما ينبغي أن يحصل؛ وذلك هو الحكم. والثاني إيجاد هذه الآلات التي هي الأصول، وهي الآلة الأسطوانية لتحوي الماء، والآلة المجوفة لتوضع على وجه الماء، والخيط المشدود بها، والظرف الذي فيه الكرة والطاس الذي تقع فيه الكرة؛ وذلك هو القضاء. الثالث نصب سبب يوجب حركة مقدرة محسوبة محدودة، وهو ثقب أسفل الآلة ثقبة مقدرة السّعة، ليحدث بنزول الماء منها حركة في الماء تؤدي إلى حركة وجه الماء بنزوله، ثم إلى حركة الآلة المجوفة الموضوعة على وجه الماء بنزوله، ثم إلى حركة الخيط، ثم إلى حركة الظرف الذي فيه الكرة، ثم إلى حركة الكرة، ثم إلى الصدمة بالطاس - إذا وقع - ثم إلى الطنين الحاصل منها، ثم إلى تنبيه الحاضرين واستماعهم، ثم إلى حركاتهم في الاشتغال بالصلوات والأعمال عند معرفتهم بانقضاء الساعة؛ وكل ذلك يكون بقدر معلوم ومقدار مقدر، بسبب تقدر جميعها بقدر الحركة الأولى، وهي حركة الماء.

فإذا فهمت أن هذه الآلات أصول لابد منها للحركة، وأن الحركة لابد من تقدرها ليتقدر ما يتولد منها، فكذلك فافهم حصول الحوادث المقدر التي لا يتقدم منها شيء ولا يتأخر؛ إذا جاء أجلهم،

أي حضر سببها. وكل ذلك بمقدار معلوم أن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً. فالسموات والأفلاك والكواكب والأرض والبحر والهواء، وهذه الأجسام العظام في العالم كتلك الآلات، والسبب المحرك للأفلاك والكواكب والشمس والقمر بحساب معلوم، كتلك الثقبة الموجبة لنزول الماء بقدر معلوم، وإفضاء حركة الشمس والقمر والكواكب إلى حصول الحوادث في الأرض، كإفضاء حركة الماء إلى حصول تلك الحركات المفضية إلى سقوط الكرة المعرِّفة لانقضاء الساعة. ومثال تداعي حركات السماء إلى تغيير الأرض، هو أن الشمس بحركتها إذا بلغت إلى المشرق فاستضاء العالم، وتيسر على الناس الإبصار، فيتيسر عليهم الانتشار في الاشتغال؛ فإذا بلغ المغرب تعذر عليهم ذلك، فيرجعوا إلى المساكن. وإذا قربت من وسط السماء وسامتت[^3] رؤوس أهل الأقاليم حمي الهواء واشتد القيظ وحصل نضج الفواكه، وإذا بعدت حصل الشتاء واشتد البرد، وإذا توسطت حصل الاعتدال فظهر الربيع، وأنبتت الأرض وظهرت الخضرة؛ وقس بهذه المشهورات التي تعرفها والغرائب التي لا تعرفها. فاختلاف هذه الفصول كلها مقدرة بقدر معلوم، لأنها منوطة بحركات الشمس والقمر، و﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبان﴾ [الرحمن: ٥]، أي حركتهما بحساب معلوم. فهذا هو التقدير. ووضع الأسباب الكلية هو القضاء. والتدبير الأول الذي هو كلمح البصر، هو الحكم. وكما أن حركة الآلة والخيط والكرة ليست خارجة عن مشيئة واضع الآلة، بل ذلك هو الذي أراد بوضع الآلة فكذلك كل ما يحدث في العالم من الحوادث، شرها وخيرها، نفعها وضرها، غير خارج عن مشيئة الله تعالى، بل ذلك مراد الله تعالى ولأجله دبر أسبابه. وتفهيم الأمور الإلهية بالأمثلة العرفية عسير؛ ولكن المقصود من الأمثلة التنبيه، فدع المثال وتنبه للغرض، واحذر من التمثيل والتشبيه.

### الأصل السادس في السمع والبصر

وأنه تعالى سميع بصير، يسمع ويرى: لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي، ولا يغيب عن رؤيته مرئيّ وإن دق، ولا يحجب سمعه بُعد، ولا يدفع رؤيته ظلام، يرى من غير حدقة ولا أجفان ويسمع من غير أصمخة[^4] ولا آذان. كما يعلم من غير قلب، ويبطش بغير جارحة، ويخلق بغير آلة؛ إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذات الخلق.

### الأصل السابع في الكلام

وأنه متكلم آمر ناه، واعدٌ متوعد بكلام أزلي قديم، قائم بذاته لا يشبه كلامه كلام الخلق، كما لا يشبه ذاته ذوات الخلق؛ فليس بصوت يحدث من انسلال هواء واصطكاك أجْرام، ولا حرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان. وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كتبه المنزلة على رسله. وأن القرآن مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف، محفوظ في القلوب. وأنه مع ذلك قديم قائم بذات الله تعالى، لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق. وأن موسى - عليه السلام - سمع كلام الله بغير صوت ولا حرف، كما يرى الأبرار ذات الله - سبحانه - من غير جوهر ولا شكل ولا لون ولا عَرَض. وإذا كانت له هذه الصفات، كان حيًّا عالماً قادراً مريداً سميعاً بصيراً متكلماً بالحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع والبصر والكلام، لا بمجرد الذات.

### الأصل الثامن في الأفعال

وأنه لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله، وفائض من عدله، على أحسن الوجوه وأكملها، وأتمها وأعدلها. وأنه حكيم في أفعاله، عادل في أقضيته، لا يقاس عدله بعدل العباد؛ إذ العبد يُتصوَّر منه الظلم بتصرفه في ملك غيره، ولا يُتصوَّر الظلم من الله تعالى - سبحانه - فإنه لا يصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرفه فيه ظلماً. فكل ما سواه من إنس وجن، وشيطان وملك، وسماء وأرض، وحيوان ونبات، وجوهر وعَرَض، ومدرك ومحسوس، حادث اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعاً وإنشاء، بعد أن لم يكن شيئاً؛ إذ كان في الأزل موجوداً وحده، ولم يكن معه غيره، فأحدث الخلق إظهاراً لقدرته، وتحقيقاً لما سبق من إرادته، ولما حقَّ في الأزل من كلمته، وهي قوله: «كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أُعرَف» لا لافتقاره إليه، ولا لحاجته. وأنه متفضل بالخلق والاختراع والتكليف، لا عن وجوب، ومتطول[^5] بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم، فله الفضل والإحسان والنعمة والامتنان، إذ كان قادراً على أن يصب على عباده أنواع العذاب، ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب[^6]. ولو فعل ذلك لكان منه عدلاً ولم يكن منه قبيحاً ولا ظلماً. وأنه يثيب[^7] عباده على الطاعات بحكم الكرم والعدل لا بحكم الاستحقاق واللزوم؛ إذ لا يجب عليه فعل، ولا يُتصور منه ظلم، ولا يجب لأحد عليه حق. وأن حقه في الطاعات واجب على الخلق بإيجابه على لسان أنبيائه، لا بمجرد العقل، ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة فبلّغوا أمره ونهيه، ووعده ووعيده، فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاءوا به.

### الأصل التاسع في اليوم الآخر

وأنه يفرق بالموت بين الأرواح والأجسام، ثم يعيدها إليها عند الحشر والنشور، فيبعث مَن في القبور ويُحصِّل ما في الصدور[^8]. فيرى كل مكلَّف ما عمله من خير أو شر مُحْضَراً[^9]، ويصادف دقيق ذلك وجليّه مسطَّراً في كتاب، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. ويعرف كل واحد مقدار عمله، خيره وشره بمعيار صادق، يُعبَّر عنه بالميزان، وإن كان لا يُساوي ميزان الأعمال ميزان الأجسام الثقال، كما لا يساوي الاصطرلاب الذي هو ميزان المواقيت، والمسطرة التي هي ميزان المقادير، والعَروض الذي هو ميزان الأشعار، سائر الموازين، ثم يحاسبهم على أفعالهم وأقوالهم، وسرائرهم وضمائرهم، ونياتهم وعقائدهم، مما أبدوه أو أخفوه، فإنهم يتفاوتون فيه إلى مناقَش في الحساب، وإلى مُسامَح فيه، وإلى مَن يدخل الجنة بغير حساب. وأنهم يساقون إلى الصراط، وهو جسر ممدود بين منازل الأشقياء ومنازل السعداء، أحدُّ من السّيف، وأدقّ من الشَّعر، يخفّ عليه من استوى في الدنيا على الصراط المستقيم الذي يوازيه في الخفاء والدقة، ويتعثر به من عَدل عن سَواء السبيل المستقيم إلا من عُفي عنه بحكم الكرم. وأنهم عند ذلك يسألون، فيسأل من شاء من الأنبياء عن تبليغ الرسالة، ومن شاء من الكفار عن تكذيب المرسلين، ومن شاء من المبتدعة عن السنّة، ومن شاء من المسلمين عن أعمالهم، فيسأل الصادقين عن صدقهم، والمنافقين عن نفاقهم. ثم يساق السعداء إلى الرحمن وفداً، والمجرمون إلى جهنم وِرْداً[^10]. ثم يأمر بإخراج الموحِّدين من النار بعد الانتقام، حتى لا يبقى في النار من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، ويخرج بعضهم قبل تمام العقوبة والانتقام، بشفاعة الأنبياء والعلماء والشهداء، ومن له رتبة الشفاعة. ثم يستقر أهل السعادة في الجنة مُنعَّمين أبد الآبدين، ممتعين بالنظر إلى وجه الله تعالى. ويستقر أهل الشقاوة في النار مردّدين تحت أنواع العذاب، مبعدين عن النظر بالحِجَاب إلى وجه الله تعالى، ذي الجلال والإكرام.

### الأصل العاشر في النبوة

وأنه تعالى خلق الملائكة وبعث الأنبياء، وأيَّدهم بالمعجزات. وأن الملائكة كلهم عباده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون[^11]. يسبحون الليل والنهار لا يَفْترون. وأن الأنبياء رسله إلى خلقه، وينتهي إليهم وحيه بواسطة الملائكة فينطقون عن وحي يُوحَى لا عن الهوى، وأنه بعث النبيَّ الأميَّ القرشيَّ محمد المصطفى ﷺ برسالته إلى كافة العرب والعجم، والجن والإنس، فنسخ بشرعه الشرائع، وجعله سيد البشر، ومنحه كمال الإيمان بشهادة التوحيد، وهو قوله: «لا إله إلا الله» ما لم يقترن بها شهادة الرسول، وهو قوله: «محمد رسول الله». وألزم الخلق تصديقه في جميع ما أخبر به عنه، في أمر الدنيا والآخرة، وألزمهم اتّباعه والاقتداء به فقال: ﴿وما آتاكم الرسولُ فخذُوه وما نهاكم عنه فانتهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فلم يغادر شيئاً يقرّبهم من الله سبحانه، إلا أمرهم به ودلهم على سبيله، ولا شيئاً يقربهم إلى النار، ويبعدهم عن الله تعالى إلا نهاهم عنه، وعرَّفهم طريقه. وأن ذلك أمور لا يُرشد إليها مجرد العقل والرأي والذكاء، بل هي أسرار يكاشف بها من حظيرة القدس قلوب الأنبياء.

والحمد لله على ما أرشد وهدى، وأظهر من أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، والصلاة والسلام على محمد المصطفى، خاتم الأنبياء وعلى آله وأصحابه، وسلم كثيراً. آمين يا رب العالمين.

### خاتمة في التنبيه على الكتب التي تطلب فيها حقيقة هذه العقيدة

اعلم أن ما ذكرناه هو الحاصل من علوم القرآن، أعني جمل ما يتعلق منها بالله واليوم الآخر؛ وهي ترجمة العقيدة التي لا بد أن ينطوي عليها قلب كل مسلم، بمعنى أنه يعتقده ويصدق به تصديقاً جزماً. ووراء هذه العقيدة الظاهرة رُتبتان: إحداهما معرفة أدلة هذه العقيدة الظاهرة من غير خوض على أسرارها، والثانية معرفة أسرارها ولباب معانيها وحقيقة ظواهرها. والرتبتان جميعاً ليستا واجبتين على جميع العوام، أعني أن نجاتهم في الآخرة غير موقوفة عليهما، ولا فوزهم موقوف عليهما، وإنما الموقوف عليهما كمال السعادة. وأعني بالنجاة الخلاص من العذاب، وأعني بالفوز الحصول على أصل النعيم، وأعني بالسعادة نيل غايات النعيم. فالسلطان إذا استولى على بلدة وفتحها عنوة، فالذي لم يقتله ولم يعذبه فهو ناج وإن أخرجه عن البلدة، والذي لم يعذبه ومع ذلك مكّنه من المقام في بلدته مع أهله وأسباب معيشته فهو مع ذلك فائز بالنجاة. والذي خلع عليه وأشركه في ملكه واستخلفه في مملكته وإمارته فهو مع النجاة والفوز سعيد، ثم زيادة درجات السعادات لا تنحصر. واعلم أن الخلق في الآخرة ينقسمون إلى هذه الأصناف، بل إلى أصناف أكثر منها، وقد شرحنا ما أمكن من شرحها في كتاب التوبة فاطلبه فيه.

والرتبة الأولى من الرتبتين: وهي معرفة أدلة هذه العقيدة، وقد أودعناها الرسالة القدسية في قدر عشرين ورقة، وهي أحد فصول كتاب قواعد العقائد من كتاب الإحياء. وأما أدلتها مع زيادة تحقيق وزيادة تأنق في إيراد الأسئلة والإشكالات، فقد أودعناها في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد في مقدار مائة ورقة، فهو كتاب مفرد برأسه، يحوي لباب علم المتكلمين، ولكنه أبلغ في التحقيق، وأقرب إلى قرع أبواب المعرفة من الكلام الرسمي الذي يصادف في كتب المتكلمين. وكل ذلك يرجع إلى الاعتقاد لا إلى المعرفة؛ فإن المتكلم لا يفارق العامي إلا في كونه عارفاً، وكون العامي معتقداً، بل هو أيضاً معتقد عرف مع اعتقاده أدلة الاعتقاد، ليؤكد الاعتقاد ويستمره، ويحرسه عن تشويش المبتدعة. ولا تُنْحَلُ عقيدة الاعتقاد إلى انشراح المعرفة، فإن أردت أن تستنشق شيئاً من روائح المعرفة صادفت منها مقداراً يسيراً مثبوتاً في كتاب الصبر والشكر، وكتاب المحبة وباب التوحيد، من أول كتاب التوكل وجملة ذلك من كتاب الإحياء، وتصادف منها قدراً صالحاً يعرفك كيفية قرع باب المعرفة في كتاب المقصد الأقصى في معاني أسماء الله الحسنى، لا سيما في الأسماء المشتقة من الأفعال. وإن أردت صريح المعرفة بحقائق هذه العقيدة من غير مجمجة ولا مراقبة، فلا تصادفه إلا في بعض كتبنا المضنون بها على غير أهلها، وإياك أن تغتر وتحدث نفسك بأهليته، فتشرئب لطلبه، فتُستهدف للمشافهة بصريح الرد؛ إلا أن تجمع ثلاث خصال: إحداها الاستقلال في العلوم الظاهرة ونيل رتبة الإمامة فيها. والثانية انقلاع القلب عن الدنيا بالكلية بعد محو الأخلاق الذميمة، حتى لا يبقى فيك تعطش إلا إلى الحق، ولا اهتمام إلا به، ولا شغل إلا فيه، ولا تعريج إلا عليه. والثالثة أن يكون قد أتيح لك السعادة في أصل الفطرة، بقريحة صافية، وفطنة بليغة، لا تكلّ عن درك غوامض العلوم ومشكلاتها على سبيل البديهة والمبادرة؛ فإن البليد إذا أتعب خاطره وأكد نفسه، ربما أدرك بعض الغوامض أيضاً، ولكن يدرك منها شيئاً يسيراً في مدة طويلة. فلن يصلح لاقتباس المعرفة الحقيقية، إلا قلب صاف كأنه مرآة مجلوّة؛ وإنما يصير كذلك بقوة الفطرة وصحة القصد، ثم بإزالة كدورات الدنيا عن وجهه، فإنه الرَّين[^12] والطبع يمنع الله به القلوب عن معرفته. و﴿أن الله يَحُول بين المرء وقلبه﴾ [الأنفال: ٢٤].

> **Passage douteux** — « mathbûtan » est probablement une coquille de l’imprimé pour « mabthûthan » (répandue) ; texte gardé, traduit par « consignée ». Mot mal lisible sur le scan : lu « majmaja » (faux-fuyant).

## القسم الثاني في الأعمال الظاهرة وهي عشرة أصول

### الأصل الأول في الصلاة

قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وقال النبي عليه السلام: «الصلاةُ عماد الدين». واعلم أنك في صلاتك مناجٍ ربك، فانظر كيف تصلي، وحافظ فيها على ثلاثة أمور لتكون من جملة المحافظين على الصلاة والمقيمين لها:

#### [المحافظة الأولى]

فإن الله تعالى إنما يأمر بالإقامة ويقول: ﴿أقِم الصلاة﴾ [الإسراء: ٧٨] و﴿أقِيمُوا الصلاة﴾ [الأنعام: ٧٢] وليس يقول صل أو صلوا. ويثني على المحافظين على الصلاة فيقول: ﴿والذين يُؤمنون بالآخرة يُؤمنون به، وهم على صَلاتِهم يُحافظون﴾ [الأنعام: ٩٢] الأول المحافظة على الطهارة، بأن يُسْبِغ[^13] الوضوء قبل الصلاة، وإسباغها أن يأتي بجميع سُنَنها وأذكارها المروية عند كل وظيفة منها، ويحتاط أيضاً في طهارة ثيابه، وطهارة بدنه، وطهارة الماء الذي يتوضأ به احتياطاً لا ينفتح عليه باب الوسواس، فإن الشيطان يوسوسه في الطهارة فيضيع أكثر أوقات العبادة.

واعلم أن المقصود من طهارة الثوب - وهو القشر الخارج - ثم من طهارة البدن - وهو القشر القريب - ثم طهارة القلب - وهو اللب الباطن -. وطهارة القلب عن نجاسات الأخلاق المذمومة، أهم طهارة كما سنذكرها في القسم الثالث؛ لكن لا يبعد أن يكون لطهارة الظاهر أيضاً تأثير في إشراق نورها على القلب؛ فإنك إذا أسبغت الوضوء، واستشعرت نظافة ظاهرك، صادفت في قلبك انشراحاً وصفاءً كنت لا تصادفه من قبل، وذلك لسر العلاقة التي بين عالم الشهادة وعالم الملكوت؛ فإن ظاهر البدن من عالم الشهادة، والقلب من عالم الملكوت بأصل فطرته، وإنما هبوطه إلى عالم الشهادة كالغريب عن جبلّته[^14]. وكما تنحدر من معارف القلب آثار إلى الجوارح، فكذلك يرتفع من أحوال الجوارح أنوار إلى القلب، ولذلك أمروا بالصلاة مع أنها حركات الجوارح التي هي من عالم الشهادة، ولذلك جعلها رسول الله ﷺ في الدنيا ومن الدنيا، وقال: «حُبِّب إليّ من دنياكم ثلاث...»[^15]. الحديث. فلا يستبعد أن يفيض من طهارة الظاهر أثر على الباطن؛ ففي بدائع صنع الله أمور أعجب من هذا، إذ قد عرف بالتجربة، أن المُجامع في حال المباشرة، لو أدمن النظر إلى بياض مشرق أو حمرة قانية حتى غلبت تلك الصورة على نفسه، مال لون المولود إلى ذلك اللون الذي غلب عليه، وأن الجنين أول ما يتحرك في البطن، تميل صورته إلى الحسن، إن كانت الأم مشاهدة في تلك الحالة لصورة حسنة، بحيث غلبت تلك الصورة على نفسها. ولذلك أمر رسول الله ﷺ المباشر عند مباشرته أن يحضر في قلبه إرادة إصلاح المولود، ويدعو الله بذلك فيقول: «اللهم جنّبنا الشيطان وجنب الشيطان عما رزقتنا» حتى يفيض الله سبحانه مبادئ الصلاح على الروح التي يخلقها عند إلقاء البذر في محل الحرث بواسطة الصلاح الغالب على قلب الحارث، كما يفيض الله النور بواسطة المرآة المحاذية للشمس على بعض الأجسام المحاذية للمرآة. وها نحن الآن نقرع باباً عظيماً من معرفة عجائب صنع الله في الملك والملكوت، وإلى قريب منه يرجع سر الشفاعة في الآخرة فلنجاوزه؛ فغرضنا الآن ذكر الأعمال دون المعارف. وقد أشممناك شيئاً يسيراً من أسرار الطهارة الظاهرة، فإن كنت لا تصادف بعد الطهارة وإسباغ الوضوء شيئاً من الصفاء الذي وصفناه، فاعلم أن الدرن الذي عرض على قلبك من كدورات شهوات الدنيا وشواغلها، اقتضى كلال[^16] حس القلب فصار لا يحس باللطائف والأشياء الخفية اللطيفة، ولم يبق في قوته إلا إدراك الجليات إن بقي.

فاشتغل بجلاء قلبك وتصفيته، فذلك أوجب عليك من كل ما أنت فيه!

#### المحافظة الثانية

أن تحافظ على سنن الصلاة وأعمالها الظاهرة، وأذكارها وتسبيحاتها، حتى تأتي فيها بجميع السنن والآداب والهيئات، كما جمعناها في كتاب بداية الهداية، فإن لكل واحد منها سرًّا، وله تأثير في القلب كما نبهنا عليه في تأثير الطهارة، بل أشدّ وأبلغ، وشرح ذلك يطول. وأنت إذا أتيت بذلك انتفعت به وإن لم تعلم أسراره، كما ينتفع شارب الدواء بشربه، وإن لم يعرف طبائع أخلاطه ووجوه مناسبته لمرضه.

واعلم أن الصلاة صورة صوّرها ربّ الأرباب، كما صور الحيوان مثلاً؛ فروحها النية والإخلاص وحضور القلب، وبدنها الأعمال، وأعضاؤها الأصلية الأركان، وأعضاؤها الكمالية الأبعاض[^17]، فالإخلاص والنية فيها يجري مجرى الروح، والقيام والقعود يجري مجرى البدن، والركوع والسجود يجري مجرى الرأس واليد والرجل، وإكمال الركوع والسجود والطمأنينة وتحسين الهيئة يجري مجرى حسن الأعضاء وحسن أشكالها وألوانها، والأذكار والتسبيحات المودعة فيها تجري مجرى آلات الحس المودعة في الرأس والأعضاء كالعينين والأذنين وغيرهما، ومعرفة معاني الأذكار وحضور القلب عندها يجري مجرى قوة الحس المودعة في آلات الحسّ كقوة السمع وقوة البصر والشم والذوق واللمس في معادنها.

واعلم أن تقرّبك بالصلاة، كتقرب بعض خدم السلطان بإهداء وصيفة إلى السلطان. واعلم أن فقد النية والإخلاص من الصلاة كفقد الروح من الوصيفة، والمهدي للجيفة الميتة مستهزيء بالسلطان، فيستحق سفك الدم، وفقد الركوع والسجود يجري مجرى فَقْدِ الأعضاء، وفقد الأذكار يجري مجرى فقد العينين من الوصيفة، وجدْع الأنف والأذنين وعدم حضور القلب في غفلته عن معرفة معاني القرآن والأذكار كفقد السمع والبصر مع بقاء جرم الحدقة والأذن. ولا يخفى عليك أن من أهدى وصيفة بهذه الصفة، كيف يكون حاله عند السلطان؟. واعلم أن قول الفقيه في الصلاة الناقصة ألفاظها وسننها أنها صحيحة، كقول الطبيب في الوصيفة المقطوعة أطرافها أنها حية وليست بميتة، فإن كان ذلك كافياً في التقرب بها إلى السلطان ونيل الكرامة منه، فاعلم ان الصلاة الناقصة صالحة أيضاً للتقرب بها إلى الله سبحانه ونيل الكرامة، وإن أوشك أن يُرَدَّ ذلك على المهدي ويُزْجر، فلا يبعد مثل ذلك في الصلاة، فإنها قد تُرَدّ على المصلي كالخرقة الخَلِقَة[^18] كما ورد في الخبر. واعلم أن أصل الصلاة التعظيم والاحترام، وإهمال آداب الصلاة يناقض التعظيم والاحترام.

#### المحافظة الثالثة

أن تحافظ على روح الصلاة، وهي الإخلاص وحضور القلب في جملة الصلاة، واتصاف القلب في الحال بمعانيها؛ فلا تسجد ولا تركع إلا وقلبك خاشع متواضع على موافقة ظاهرك، فإن المراد خضوع القلب لا خضوع البدن؛ ولا تقل «الله أكبر» وفي قلبك شيء أكبر من الله تعالى؛ ولا تقل «وجهت وجهي» إلا وقلبك متوجه بكل وجهه إلى الله ومعرض عن غيره؛ ولا تقل: «الحمد لله» إلا وقلبك طافح بشكر نعمه عليك فرح به مستبشر؛ ولا تقل «وإياك نستعين» إلا وأنت مستشعر ضعفك وعجزك، وأنه ليس إليك ولا إلى غيرك من الأمر شيء. وكذلك في جميع الأذكار والأعمال، وشرح ذلك يطول، وقد شرحناه في كتاب الإحياء.

فجاهد نفسك في أن تردّ قلبك إلى الصلاة حتى لا تغفل من أولها إلى آخرها، فإنه لا يكتب للرجل من صلاته إلا ما عقل منها. فإن تعذر عليك الإحضار ـ وما أراك إلا كذلك ـ فانظر، فإن كان قدر الغفلة مقدار ركعتين، فلا تُعِدِ الصلاة، ولكن افهم أن النوافل[^19] جوابر الفرائض، فتنفّل بمقدار أن يحضر القلب فيها في مقدار ركعتين، فكلما زادت الغفلة، زد في النوافل حتى يحضر قلبك مثلاً في عشر ركعات بمقدار أربع ركعات وهو قدر فرضك، فمن رحمة الله عليك أن قبل منك جُبْران الفرائض بالنَّوافل. فهذه أصول المحافظة على الصلاة.

### الأصل الثاني في الزكاة والصدقة

قال الله سبحانه: ﴿مَثَلُ الذينَ يُنْفِقُونَ أَموالَهم في سَبيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبتتْ سَبْعَ سَنابلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مائةُ حَبَّة، واللَّهُ يضاعِفُ لِمَن يشاء﴾ [البقرة: ٢٦١]. وقال رسول الله ﷺ: «هلك الأكثرون إلا من قال بالمال هكذا وهكذا». فاعلم أن إنفاق المال في الخيرات أحد أركان الدين؛ وإنما سر التكليف به بعدما يرتبط به من مصالح البلاد والعباد، وسد الخَلَّات[^20] والفاقات، فإن المال محبوب الخلق، وهم مأمورون بحب الله، ويدعون الحب بنفس الإيمان، فجعل بذل المال معياراً لحبهم، وامتحاناً لصدقهم في دعواهم؛ فإن المحبوبات كلها تُبذل لأجل المحبوب الأغلب حبّه على القلب، فانقسم الخلق فيه إلى ثلاث طبقات:

> **Passage douteux** — L’imprimé porte « thalâb » : coquille corrigée en « thalâth » (trois).

#### الطبقة الأولى

الأقوياء؛ وهم الذين أنفقوا جميع ما ملكوا ولم يدخروا لأنفسهم شيئاً، فهؤلاء صدقوا ما عاهدوا الله عليه من الحب، كما فعل أبو بكر الصديق، إذ جاء بماله كله، فقال رسول الله ﷺ: «ماذا أبقيت لنفسك»؟ فقال: «الله ورسوله». وقال لعمر ـ رضي الله عنه ـ: «ماذا أبقيت لنفسك»؟ قال «مثله» أي مثل ما أتيت به. فقال ﷺ: «بينكما مثل ما بين كلمتيكما».

#### الطبقة الثانية

المتوسطون؛ وهم الذين لم يقدروا على إخلاء اليد عن المال دفعة واحدة، ولكن أمسكوه لا للتنعم، بل للإنفاق عند ظهور محتاج إليه، فهم يقنعون في حق أنفسهم بما يقوّيهم على العبادة، وإذا عرض محتاج بادروا إلى سد خَلّته وحاجته، ولم يقتصروا على قدر الواجب من الزكاة. وإنما غرضهم الأظهر في الإمساك ترصد الحاجات.

#### الطبقة الثالثة

الضعفاء؛ وهم المقتصرون على أداء الزكاة الواجبة، فلا يزيدون عليها ولا ينقصون منها.

فهذه درجاتهم؛ وبذل كل واحد على مقدار حبه لله. وما أراك تقدر على الدرجة الأولى والثانية، ولكن اجتهد حتى تجاوز الدرجة الثالثة إلى أواخر طبقات المقتصدين المتوسطين، فتزيد على الواجب ولو شيئاً يسيراً، فإن مجرد الواجب حدّ البخلاء. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إن يَسْئَلْكُموها فَيُحْفِكُم تَبْخَلُوا﴾ [محمد: ٣٧]. أي يستقصي عليكم فتبخلوا. فاجتهد أن لا ينقضي عليك وقت إلا وتتصدق بشيء وراء الواجب، ولو بكسرة خبز، فترتفع بذلك عن درجة البخلاء. فإن لم تملك شيئاً فليست الصدقة كلها في المال، لكن كل كلمة طيبة، وشفاعة ومعونة في حاجة، وعيادة مريض، وتشييع جنازة، وفي الجملة أن تبذل شيئاً مما تقدر عليه من جاه ونفس وكلام، لتطييب قلب مسلم، فيكتب جميع ذلك لك صدقة.

وحافظ في زكاتك وصلاتك وصدقتك على خمسة أمور:

#### الأول

الإسرار؛ فإن في الخبر أن صدقة السر تطفيء غضب الرب. والذي يتصدق بيمينه بحيث لا تعلم شماله هو أحد السبعة الذين يظلّهم الله، يوم لا ظل إلا ظله؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وإن تُخْفوها وتُؤْتوها الفُقَراءَ فهو خيرٌ لكم﴾ [البقرة: ٢٧١]. وبذلك تتخلص عن الرياء، فإنه غالب على النفس وهو مهلك، ينقلب في القلب ـ إذا وضع الإنسان في قبره ـ في صورة حية، أي يؤلم إيلام الحيّة؛ والبخل ينقلب في صورة عقرب. والمقصود في كل الإنفاق الخلاص من رذيلة البخل، فإذا امتزج به الرياء، كان كأنه جعل العقرب غذاء الحية، فما تخلص من العقرب ولكن زاد في قوة الحية، إذ كل صفة من الصفات المهلكات في القلب إنما غذاؤها وقُوتها في إجابتها إلى مقتضاها.

#### الثاني

أن تحذر من المنّ؛ وحقيقته أن ترى نفسك محسناً إلى الفقير متفضلاً عليه، وعلامته أن تتوقع منه شكراً أو تستنكر تقصيره في حقك وممالأته عدوك استنكاراً يزيد على ما كان قبل الصدقة؛ فذلك يدل على أنك رأيت لنفسك عليه فضلاً؛ وعلاجه أن تعرف أنه المحسن إليك بقبول حق الله منك؛ فإن من أسرار الزكاة تطهير القلب، وتزكيته عن رذيلة البخل وخبث الشح؛ ولذلك كانت الزكاة مطهرة إذ بها حصلت الطهارة، فكأنها غسالة نجاسة؛ ولذلك ترفع رسول الله ﷺ وأهل بيته من أخذ الزكاة، وقال عليه السلام: «إنها أوساخ أموال الناس»، وإذا أخذ الفقير منك ما هو طُهْرة لك فله الفضل عليك. أرأيت لو كان فَصّاد أفصدك مجاناً وأخرج من باطنك الدم الذي تخشى ضرره في الحياة الدنيا أكان الفضل لك أم له؟ فالذي يُخرج من باطنك رذيلة البخل وضررها في الحياة الآخرة أولى بأن تراه متفضلاً.

#### الثالث

أن تخرجه من أطيب أموالك وأجودها؛ قال الله تعالى: ﴿ويَجْعلون لله ما يَكْرهون﴾ [النحل: ٦٢]. وقال الله: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخبيثَ منه تُنْفقون ولستم بآخذيه﴾ [البقرة: ٢٦٧]. الآية. وقال ﷺ: «إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب» يعني الحلال، فإن المقصود من هذا إظهار درجة الحب، والإنسان يؤثر الأحب إليه الأنفَس دون الأخَسّ.

#### الرابع

أن تعطي بوجه طلق مستبشر، وأنت به فرحان غير مستكره؛ قال رسول الله ﷺ: «سبق درهم ماية ألف» وإنما أراد ما يعطيه عن بشاشة وطيبة نفس من أنفس ماله وأجوده، فذلك أفضل من مائة ألف مع الكراهة.

#### الخامس

أن تتخير لصدقتك محلاً تزكو به الصدقة؛ وهو المتقي العالم الذي يستعين بها على طاعة الله عز وجل وتقواه، أو الصالح المعيل ذو الرحم.

فإن لم تجتمع هذه الأوصاف، فتزكو للصدقة بآحادها أيضاً. ورعاية الصلاح أصل الأمور، فما الدنيا إلا البُلْغة[^21] للعباد وزاد لهم إلى المعاد، فليصرف إلى المسافرين إليه المتخذين هذه الدار منزلاً من منازل الطريق. قال رسول الله ﷺ: «لا تأكل إلا طعام تقيّ، ولا يأكل طعامك إلا تقيّ».

### الأصل الثالث في الصيام

قال رسول الله ﷺ: «يقول الله سبحانه: كل حسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به». وقال عليه السلام: «لكل شيء باب وباب العبادة الصوم». وإنما كان الصوم مخصوصاً بهذه الخواص لأمرين: أحدهما أنه يرجع إلى كفّ، وهو عمل سرّ لا يطلع عليه أحد غير الله تعالى لا كالصلاة والزكاة وغيرهما. والثاني أنه قهر لعدو الله؛ فإن الشيطان هو العدو، ولن يقوى العدو إلا بواسطة الشهوات، والجوع يكسر جميع الشهوات التي هي آلة الشيطان، فلذلك قال عليه السلام: «إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاري الشيطان بالجوع»، وهو سرّ قوله ﷺ «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنان، وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين، ونادى مناد: يا باغي الخير هلمّ ويا باغي الشر أقصر».

واعلم أن الصوم، بالإضافة إلى مقداره، على ثلاث درجات، وبالإضافة إلى أسراره، على ثلاث درجات. أما درجات مقداره: فأقلها الاقتصار على شهر رمضان، وأعلاها صوم داود عليه السلام، وهو أن تصوم يوماً وتفطر يوماً؛ ففي الخبر الصحيح، أن ذلك أفضل من صوم الدهر، وأنه أفضل الصيام. وسرّه أن من صام الدهر صار الصوم له عادة، فلا يحس بوقعه في نفسه بالانكسار، وفي قلبه بالصفاء، وفي شهواته بالضعف، فإن النفس إنما تتأثر بما يَرِدُ عليها لا بما مَرَنَت[^22] عليه، فلا يبعد هذا، فإن الأطباء أيضاً ينهون عن اعتياد شرب الدواء، وقالوا: «من تعود ذلك لم ينتفع به إذا مرض، إذ يألفه مزاجه فلا يتأثر به».

واعلم أن طب القلوب قريب من طب الأبدان، وهو سر قوله ﷺ لعبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ لما كان يسأله عن الصوم، فقال عليه السلام: «صم يوماً وأفطر يوماً». فقال: «أريد أفضل من ذلك». فقال عليه السلام: «لا أفضل من ذلك» ـ ولذلك لما قيل لرسول الله ﷺ: «إن فلاناً صام الدهر»، فقال عليه السلام: «لا صام ولا أفطر». كما قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ لرجل كان يقرأ القرآن بهَذْرَمة[^23] : «إن هذا ما قرأ القرآن ولا سكت».

وأما الدرجة المتوسطة فهو أن تصوم ثلث الدهر. ومهما صمت الاثنين والخميس وأضفت إليه رمضان، فقد صمت من السنة أربعة أشهر وأربعة أيام، وهو زيادة على الثلث؛ لكن لا بد أن ينكسر يوم من أيام التشريق، وترجع الزيادة إلى ثلاثة أيام؛ ويتصور أن ينكسر في العيدين يومان فتكون ثلاثة أيام، فترجع الزيادة إلى يوم واحد، فتأمل حسابه تعرفه. فلا ينبغي أن ينقص من هذا القدر صومك، فإنه خفيف على النفس، وثوابه جزيل.

وأما درجات أسراره فثلاث: أدناها أن يقتصر على الكفّ عن المفطرات، ولا يكف جوارحه عن المكاره؛ وذلك صوم العموم وهو قناعتهم بالاسم. الثانية: أن تضيف إليه كف الجوارح، فتحفظ اللسان عن الغيبة والعين عن النظر بالزينة وكذا سائر الأعضاء. الثالثة: أن تضيف إليه صيانة القلب عن الفكر والوسواس، وتجعله مقصوراً على ذكر الله عز وجل، وذلك صوم خصوص الخصوص وهو الكمال.

ثم للصيام خاتمة بها يكمل، وهو أن يفطر على طعام حلال لا على شُبْهة، وأن لا يستكثر من أكل الحلال بحيث يتدارك ما فاته ضَحْوة، فيكون قد جمع بين أكلتين دفعة واحدة، فتثقل معدته وتقوى شهوته، ويبطل سرّ الصوم وفائدته، ويُفضي إلى التكاسل عن التهجّد، وربما لم يستيقظ قبل الصبح؛ وكلّ ذلك خُسران وربما لا توازيه فائدة الصوم.

### الأصل الرابع في الحج

قال الله تعالى: ﴿ولِلَّهِ على النَّاسِ حِجُّ البيتِ من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. وقال ﷺ: «من مات ولم يحج، فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً» وقال ﷺ «بني الإسلام على خمس...». الحديث[^24]. وللحج أعمال ظاهرة ذكرناها في كتاب الإحياء. وننبهك الآن على آداب دقيقة، وأسرار باطنة:

أما الآداب فسبعة:

#### الأول

أن ترتاد للطريق رفيقاً صالحاً ونفقة طيبة حلالاً، فالزاد الحلال ينوّر القلب، والرفيق الصالح يذكر الخير ويزجر عن الشر.

#### الثاني

أن يخلي يده عن مال التجارة كيلا يتشعب فكره، وينقسم خاطره ولا يصفو للزيارة قصده.

#### الثالث

أن يوسع في الطريق بالطعام ويطيّب الكلام مع الرفقاء والمكاري.

#### الرابع

أن يترك الرَّفَث[^25] والجدال والتحدّث بالفضول في أمر الدنيا، بل يقصر لسانه ـ بعد مهمات حاجاته ـ على الذكر وتلاوة القرآن.

#### الخامس

أن يركب راحلة دون المحمل، ويكون رث الهيئة أشعث أغبر، غير متزين، بل على هيئة المساكين، حتى لا يكتب في جملة المُترفين.

#### السادس

أن ينزل عن الدابة أحياناً ترفيهاً للدابة وتطييباً لقلب المكاري، وتخفيفاً للأعضاء بالتحرك، ولا يحمّل الدابة ما لا تطيق، بل يرفق بها ما أمكن.

#### السابع

أن يكون طيب النفس بما أنفق من نفقة، وبما أصابه من تعب وخسران، وأن يرى ذلك من آثار قبول الحج فيحتسب الثواب عليه.

وأما أسراره فكثيرة نرمز منها إلى فَنَّين: أحدهما أنه وُضع بدلاً عن الرَّهبانية التي كانت في الملل كما ورد به الخبر؛ فجعل الله سبحانه الحج رهبانية لأمة محمد ﷺ. فشرف البيت العتيق، وأضافه إلى نفسه، ونصبه مقصداً لعباده وجعل ما حواليه حرماً لبيته تفخيماً لأمره، وجعل عرفات كالميدان على فناء حرمه، وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره، ووضعه على أمثال الملوك ليقصده الزوار من كل فج عميق، ضعفاء غُبْراً[^26]، متواضعين لرب العالمين، خضوعاً لجلاله، واستكانة لعزته، مع الاعتراف بتنزهه عن أن يكتنفه بيت، أو يحويه مكان، ليكون ذلك أبلغ في رقهم وعبوديتهم. ولذلك كلفهم أعمالاً غريبة لا تناسب الطبع والعقل، ليكون إقدامهم بحكم محض العبودية، وامتثال الأمر من غير معاونة باعث آخر. وهذا سر عظيم في الاستعباد، ولذلك قال ﷺ: «لبّيك بحَجّة حقًّا وتعبّداً ورقًّا».

#### الفن الثاني

أن هذا السَّفَر وضع على مثال سَفَر الآخرة، فليتذكر المريد بكل عمل من أعماله أمراً من أمور الآخرة موازياً له، فإن فيه تذكرة للمتذكر، وعبرة للمعتبر المستبصر. فتذكر من أول سفرك عند وداعك أهلك، وداعَ الأهل في سكرات الموت، ومن مفارقةِ الوطن الخروجَ من الدنيا، ومن ركوب الجمل ركوب الجنازة، ومن الالتفاف في أثواب الإحرام الالتفافَ في أثواب الكفن، ومن دخولِ البادية إلى الميقات ما بين الخروج من الدنيا إلى ميقات القيامة، ومن هول قُطّاع الطريق سؤال منكر ونكير، ومن سباع البوادي.

عقارب القبر وديدانه، ومن انفرادك عن أهلك وأقاربك، وحشة القبر ووحدته، ومن التلبية، إجابة داعي الله عز وجل عند البعث، وكذلك في سائر الأعمال، فإن في كل عمل سرًّا وتحته رمزاً، يتنبه له كل عبد بقدر استعداده للتنبه، بصفاء قلبه، وقصور همه على مهمات الدين.

### الأصل الخامس في قراءة القرآن

قال رسول الله ﷺ: «أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن». وقال عليه السلام: «لو كان القرآن في إهاب[^27] ما مسَّته النار». وقال عليه السلام: «ما من شفيع أفضل منزلة عند الله يوم القيامة من القرآن. لا نبيٌّ ولا ملك ولا غيره». وقال عليه السلام: «يقول الله سبحانه: من شغله قراءة القرآن عن دعائي ومسألتي أعطيته أفضل ثواب الشاكرين».

واعلم أن لقراءة القرآن آداباً ظاهرة وأسراراً باطنة، أما الآداب الظاهرة فثلاثة:

**الأول**: أن تقرأه باحترام وتعظيم، ولن تلزم الحرمة قلبك ما لم تلزم هيئة الحرمة ظاهرك، وقد عرفت كيفية علاقة القلب بالجوارح ووجه ارتفاع الأنوار منها إليه. وهيئة الحرمة أن تجلس وأنت على الطهارة ساكناً مطرقاً مستقبل القبلة غير متكىء ولا متربع ولا نائم، كما تجلس بين يدي المقرىء، وتقرأه بترتيل وتفخيم وتؤدة[^28] حرفاً حرفاً من غير هذرمة[^29]. قال ابن عباس - رضي الله عنه -: «لأن أقرأ «إذا زلزلت» و«القارعة» أتدبّرهما أحب إلي من أن أقرأ «البقرة» و«آل عمران» تهذيراً».

**الثاني**: أن تتشوف في بعض الأوقات إلى أقصى درجات الفضل فيه، وذلك بأن تقرأه في الصلاة قائماً، خصوصاً في المسجد، وبالليل، لأن القلب في الليل أصفى لأنه أفرغ. فإنك وإن خلوت بالنهار فتردّد الخلق وحركاتهم في أشغالهم، تُحرّك باطنك، وتشغلك، خصوصاً وإن كنت تتوقع أن تطلب شغلاً من الأعمال والأشغال. وكيفما قرأته، ولو مضطجعاً من غير طهارة، فلا تخلو عن الفضل، فإن الله تعالى أثنى على الجميع، وقال: ﴿الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم﴾ [آل عمران: ١٩١] الآية. ولكن ما ذكرناه في زيادة الفضل؛ فإن كنت من مريدي الآخرة، فلا يسهل عليك ترك الفضل، وقد قال علي - رضوان الله عليه -: «مَن قرأ القرآن وهو قائم في الصلاة، فله بكل حرف مائة حسنة، ومن قرأ القرآن في غير صلاة، وهو على طهارة، فخمس وعشرون حسنة، ومن قرأه على غير وضوء، فعشر حسنات».

**الثالث**: في مقدار القراءة، وله ثلاث درجات: أدناها أن يختم في الشهر مرة، وأقصاها أن يختم في ثلاثة أيام مرة. وقال ﷺ: «من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه» وأعدلها أن يختم في الأسبوع مرة. وأما الختم في كل يوم فغير مستحب. وإياك أن تتصرف بعقلك فتقول: ما كان خيراً ونافعاً فكلما كان أكثر كان أنفع. فإن عقلك لا يهتدي إلى أسرار الأمور الإلهية، وإنما تتلقاها قوة النبوة، فعليك بالاتّباع فإن خواص الأمور لا تدرك بالقياس. أوما ترى كيف نوديت إلى الصلاة ونهيت عنها جميع النهار وأمرت بتركها بعد الصبح وبعد العصر وعند الطلوع وعند الغروب والزوال؟ وذلك ينتهي إلى قدر ثلث النهار. وكيف وأثر الفساد ظاهر على قياسك هذا! فإنه كقول القائل: الدواء نافع للمريض، فكلما كان أكثر كان أنفع. وأنت تعلم أن كثرة الدواء ربما يقتل.

وأما الأسرار الباطنة فخمسة:

**الأول**: أن تستشعر في أول قراءتك عظمة الكلام باستشعار تعظيم المتكلم، فتحضر في قلبك العرش والكرسي، والسموات والأرض وما بينهما، من الملائكة والجن، والإنس والحيوانات، والنباتات والمعادن. وتتذكر أن الخالق لجميعها واحد، وأن الكل في قبضة قدرته، متردد بين فضله ورحمته، وأنك تريد أن تقرأ كلامه وتنظر به إلى صفة ذاته، وتطالع جمال علمه وحكمته، وتعلم أنه لا يمس ظاهر المصحف إلا المطهَّرون بظواهرهم، وهو محجوب عن غيرهم، فكذلك حقيقة معناه وباطنه، محجوب عن باطن القلب، إلا إذا كان مطهراً من كل رجس وخبث من خبائث الباطن. وبمثل هذا التعظيم كان عكرمة، إذا نشر المصحف ربما غشي عليه، ويقول: «هذا كلام ربّي، هذا كلام ربي».

واعلم أنه لولا أن أنوار كلامه العزيز وعظمته غشيت بكسوة الحروف لما أطاقت القوة البشرية سماعه لعظمته وسلطانه وسبحات نوره، ولولا تثبيت الله عز وجل موسى - عليه السلام - لما أطاق سماعه مجرداً عن كسوة الحروف والأصوات، كما لم يطق الجبل مبادىء تجليه حتى صار دكاً دكّاً.

**الثاني**: أن تقرأ بتدبر معانيه إن كنت من أهله، وكل ما يجري لسانك به في غفلة فأعِدْه، ولا تعده من عملك لأن الترتيل في الظاهر للتمكن من التدبر. قال علي - عليه السلام -: «لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا في قراءة لا تدبُّر فيها». وإياك أن تصير مشغوفاً بعدد الختمات على نفسك فلأنْ تردد آيةً واحدةً ليلةً تتدبّرها خير لك من ختمتين، فقد قرأ رسول الله ﷺ «بسم الله الرحمن الرحيم» فرددها عشرين مرة». وقال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: «قام رسول الله ﷺ بنا ليلة، فقام بآية يردّدها: ﴿إنْ تعذّبهم فإنّهم عبادُك﴾ وقام تميم الداري ليلة بقوله سبحانه: ﴿أم حَسب الذين اجترحوا السيئات...﴾ الآية، وقام سعيد بن جبير ليلة بقوله: ﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾». ولعل الأليق بك ما قاله بعض العارفين إذ قال: «لي في كل جمعة ختمة، ولي في كل شهر ختمة، وفي كل سنة ختمة، ولي ختمة منذ ثلاثين سنة، ما فرغت منها بعد». وذلك بحسب درجات التدبر، فإن القلب في بعض الأوقات لا يحتمل التدبر الطويل، فليكن للتدبر الطويل ختمة خاصة.

**الثالث**: أن تجتني في تدبّرك ثمار المعرفة من أغصانها، وتقتبسها من أوطانها، ولا تطلب الترياق من حيث تطلب منه الجواهر، ولا الجواهر من حيث يطلب منه المسك والعود، فإن لكل ثمرة غصناً، ولكل جوهر معدناً، وإنما يتيسر لك هذا بأن تعرف الأصناف العشرة التي حصرنا فيها أقسام القرآن، وهي عشرة معادن: فما يتعلق من القرآن بالله تعالى وبصفاته وأفعاله، فاقتبس منه معرفة الجلال والعظمة، وما يتعلق بالإرشاد إلى الصراط المستقيم فاقتبس منه معرفة الرحمة والعطف والحكمة، وما يتعلق بإهلاك الأعداء فاقتبس منه معرفة العزّة والاستغناء والقهر والتجبر، وما يتعلق بأحوال الأنبياء، فاقتبس منه معرفة اللطف والنعمة والفضل والكرم، وكذلك في كل صنف ما يليق به. فلا تنظرنّ إليه بعين واحدة، وشرح ذلك يطول.

**الرابع**: أن تتخلى عن موانع الفهم وهي الأكنّة[^30] التي تمنع من الفهم. قال الله عز وجلّ: ﴿وجَعَلنا على قلوبهم أكنّة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً...﴾ [الأنعام: ٢٥، الإسراء: ٤٦] الآية. وقال رسول الله ﷺ: «لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء».

واعلم أن معاني القرآن من جملة الملكوت، وإنما حروفها من عالم الشهادة، والأكنّة التي يبتلى بها المتقي المتعطش إلى الحقّ نوعان: إما ما ابتلي به ضعيف الإيمان من حجاب الشك والجحود، وإما ما ابتلي به المنهمك في الدنيا من حجاب الشهوات المستغرقة للقلب. فذلك جليّ لا يخفى كونه مانعاً من فهم لطائف القرآن واقتباس أنواره، فبها حجب أكثر الخلق. وأما العباد المتجرّدون لطريق الله عزّ وجل، فيحجبون بنوعين آخرين، أحدهما: الوسواس الصارف للقلب إلى التفكر في النية كيف كانت في الابتداء هل بقيت الآن، وهل هو مخلص في الحال؟ هذا إن كان في الصلاة؛ أو الوسواس الصارف للهمّ إلى تصحيح مخارج الحروف والتشكك فيها وإعادتها لأجل ذلك، وهذا يجري في الصلاة وغيرها، فكيف يطالع أسرار الملكوت قلب محجوب مصروف إلى مطالعة الشفتين وكيفية انطباقهما، واللسان والحنك وكيفية انسلال الهواء من اصطكاكهما؟ وهو معنى تقطيع الحروف وتصحيحها.

**النوع الثاني**: التقليد لظواهر معاني القرآن والجمود عليها، وذلك حجاب عظيم عن الفهم، ولست أعني به التقليد الباطل، كتقليد المبتدع، بل التقليد الحق أيضاً. فإن الحق الذي كلف الخلق اعتقاده له درجات، وله مبدأ ظاهر، وهو كالقشر والمثال وله غور باطن وهو كاللُّباب. قال رسول الله ﷺ: «إن للقرآن ظاهراً وباطناً، وحدّاً ومطلعاً». فالجامد على الظاهر الظانّ أنه ليس وراءه مرقى يرتقي إليه، كيف يتصور أن تنكشف له الأسرار، فقد كلف الخلق مثلاً أن يعتقدوا أن الله تعالى يرى، ولكن للرؤية ظاهر وسرّ، فمن اعتقد أن رؤية الله تعالى مناسبة للرؤية التي يألفها الإنسان في هذا العالم، كيف يتصور أن يطّلع على سرّ قوله تعالى: ﴿لن تراني﴾ وكيف يفهم أن ذلك ممتنع في هذه الحياة الدنيا بهذه العين الموقوفة على ملاحظة الجهات والأقطار، وكيف يدرك قوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]، مع قوله: ﴿وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. ويكفيك هذا المثال الواحد، فلسنا نكشف لك أكثر من هذا، ولسنا نقصد في هذا الأصل إلا التلويحات لمبادىء الأسرار تشويقاً للمستعدين لها.

**الخامس**: أن لا تقتصر على اقتباس الأنوار، بل تضيف إليها اقتباس الأحوال والآثار، وذلك أن لا تقرأ آية إلا وأن تصير بصفتها، فتكون لك بحسب كل فهم حال ووجد، فعند ذكر الرحمة، وعند المغفرة، تستبشر كأنك تطير من الفرح، وعند ذكر الغضب وشدة العقاب، تتضاءل كأنك تموت من الفزع، وعند ذكر الله وأسمائه وعظمته، تتطأطأ وتتصاغر حتى كأنك تنمحق من مشاهدة الجلال، وعند ذكر الكفار ما يستحيل عليه من ولد وصاحبة، تنكسر وتغض صوتك كأنك تنطمس من الحياء، وكذلك في كل صنف من الأصناف العشرة، وذلك أيضاً يطول. وليظهر أثر ذلك على جوارحك من بكاء عند الحزن، وعرق جبين عند الحياء، واقشعرار الجلد، وارتعاد الفرائص عند الهيبة والجلال، وانبساط في الأعضاء واللسان والصوت عند الاستبشار، وانقباض فيها عند الاستشعار، فإذا فعلت ذلك، اشترك في نيل حظ القرآن جميع أعضائك، وفاضت آثار القرآن على عوالمك الثلاثة، أعني: عالم الملكوت، وعالم الجبروت، وعالم الشهادة.

واعلم أن محض أنوار المعرفة تفيض من عالم الملكوت إلى سرّ القلب، لأنه أيضاً من الملكوت، وأما آثارها من الخشية والخوف والسرور والهيبة وسائر الأحوال، فإنها تهبط من عالم الجبروت، ومهبطها الصدر الذي هو عالم الجبروت، وهو عالم آخر من عوالمك، كنينا عنه بالصدر كما كنينا عن الأول بالقلب، لأن عالم الجبروت بين عالم الملكوت وعالم الشهادة، كما أن الصدر بين القلب والجوارح. وأما البكاء والشهيق والاقشعرار وارتعاد الفرائص، فتنزل من عالم الشهادة، ومهبطها الجوارح، لأنها من عالم الشهادة، وما أراك تفهم من القلب غير اللحم الصنوبري الشكل، ومن الصدر غير العظم المحيط به، فإنك لا تدرك من كل شيء إلا غلافه وقشره، وما أبعدك عن درك الحقائق، فإن هذا يوجد للبهائم والميت، ولا تنزل عليه أنوار المعارف والعلوم ولا آثارها من الخشية والهيبة والسرور، فإن أردت أن تستنشق شيئاً من روائح هذه الأسرار - وما أراك تريد - فقد أخذ الشيطان بمخنقك بحبال الشهوات، فعليك بباب التوحيد من أول كتاب التوكل إن أردته.

واعلم أن القرآن كالشمس، وفيضان أسرار المعارف منه على القلب كفيضان أنوار الشمس على الأرض، وسريان آثار الخوف والخشية والهيبة وسائر الأحوال منه على الصدر كسريان حرارة الشمس في باطن الأرض، تابعاً لإشراق الأنوار؛ فإن الخشية أثر نور المعرفة، و﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]، فانتشار الحركات والتغيرات إلى الجوارح من البكاء والعرق والاقشعرار والارتعاد، منبعث من آثار الخشية، وسائر الأحوال، كحركة أجزاء الأرض بتصاعد الأبخرة والأدخنة منها، بتصعيد حرارة الشمس، فالحركة تبع الحرارة، والحرارة تبع النور، والنور تبع وقوع المحاذاة بين الأرض والشمس. فاجتهد بأن تحاذي بوجه قلبك شطر شمس القرآن، وتستضيء بأنواره. كذلك فإن لم تطق ذلك فأصغ إلى النداء الوارد من جانب الطُّور الأيمن، فإن آنست من جوانبه ناراً، فخذ منه قبساً وأشعل منه سراجاً، فإن كان زيتك صافياً يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، فإذا مسته النار انبعث منه الضياء، ووجدت على النار هدى، وقام في حقك مقام الشمس المنتشرة الإشراق والضياء.

> **Passage douteux** — Phrase boiteuse dans l’imprimé ; traduite telle quelle.

### الأصل السادس: ذكر الله عز وجل في كل حال

قال الله سبحانه: ﴿واذكروا الله كثيراً لعلّكم تفلحون﴾ [الأنفال: ٤٥، الجمعة: ١٠]، وقال لنبيه ﷺ: ﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً﴾ [المزمل: ٨]، وقال ﷺ: «لذِكْرُ الله بالغداة والعشي أفضل من حطم السيوف في سبيل الله ومن إعطاء المال سَخاءً»، وقال ﷺ: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الورق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربون أعناقكم؟» قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ فقال: «ذكر الله». وقال ﷺ: «سبق المفردون سبق المفردون»، فقيل: ومن هم يا رسول الله؟ فقال: «المستهترون بذكر الله، وضَع ذكرُ الله عنهم أوزارهم فوردوا القيامة خفافاً».

واعلم أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن الذكر أفضل الأعمال؛ ولكن له أيضاً قشور ثلاثة، بعضها أقرب إلى اللب من بعض، وله لب وراء القشور الثلاثة. وإنما فضّل القشور لكونها طريقاً إليه؛ فالقشر الأعلى منه ذكر اللسان فقط. والثاني القلب إذ كان القلب يحتاج إلى موافقته حتى يحضر مع الذكر، ولو ترك وطبعه لاسترسل في أودية الأفكار. والثالث أن يستمكن الذكر من القلب ويستولي عليه، بحيث يحتاج إلى تكلف في صرفه عنه إلى غيره، كما احتيج في الثاني إلى تكلف في قراره معه ودوامه عليه، والرابع - وهو اللباب - أن يستمكن المذكور من القلب، وينمحي الذكر ويخفى، وهو اللُّباب المطلوب؛ وذلك بأن لا يلتفت إلى الذكر ولا إلى القلب، بل يستغرق المذكور جملته؛ ومهما ظهر له في أثناء ذلك التفات إلى الذكر، فذلك حجاب شاغل. وهذه الحالة التي يعبر عنها العارفون بالفناء، وذلك بأن يفنى عن نفسه حتى لا يحس بشيء من ظواهر جوارحه، ولا من الأشياء الخارجة عنه، ولا من العوارض الباطنة فيه، بل يغيب عن جميع ذلك ويغيب عنه جميع ذلك، ذاهباً إلى ربه أولاً، ثم ذاهباً فيه آخراً، وإن خطر له في أثناء ذلك أنه فني عن نفسه بالكلية فذلك شوب[^31] وكدورة؛ بل الكمال في أن يفنى عن نفسه ويفنى عن الفناء أيضاً، فإن الفناء عن الفناء غاية الفناء، وهذا قد يظنه الفقيه الرسمي، أنه طامّات[^32] غير معقولة، وليس كذلك، بل هذه الحالة لهم - بالإضافة إلى محبوبهم - كحالتك في أكثر الأحوال بالإضافة إلى محبوبك من جاه أو مال أو معشوق، فإنك قد تصير مستغرقاً لشدة الغضب بالفكر في عدوك، ولشدة التفكر في معشوقك، حتى لا يكون فيك متسع لشيء أصلاً، فتخاطب فلا تفهم، ويجتاز بين يديك غيرك فلا تراه وعيناك مفتوحتان، ويتكلم عندك فلا تسمع وما بأذنيك صمم، وأنت في هذا الاستغراق غافل عن كل شيء وعن الاستغراق أيضاً، فإن الملتفت إلى الاستغراق مُعرِضٌ عن المستغرق به. وإنما سمّوا هذه الحالة فناء، وإن كان الشخص والظل باقيين، لأن الأشخاص والأظلال بل سائر المحسوسات ليس لها حقيقة الوجود، بل الوجود الحقيقي لعالم الأمر والملكوت، والقلب من عالم الأمر؛ قال الله تعالى: ﴿قل الروحُ مِن أمرِ ربّي﴾ [الإسراء: ٨٥]. والقوالب من عالم الخلق، وأعني بالقلب[^33] اللطيفة الذاكرة العارفة التي هي مهبط الأنوار الإلهية دون القلب الظاهر، فإن ذلك من عوالم الخلق، فلا يفهم من هذا إشارة إلى قدم الروح وحدوث القالب بل هما جميعاً حادثان. وإنما أعني بالخلق ما تقع عليه المساحة والتقدير، وهي الأجسام وصفاتها. وأعني بعالم الأمر ما لا يتطرق إليه التقدير. والعالم الجسماني ليس له وجود حقيقي، بل هو من ذلك العالم كالظل من الأجسام، وليس لظل الإنسان حقيقة الإنسان، وليس للشخص حقيقة الوجود، بل هو ظل الحقيقة، والكل من صنع الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدوّ والآصال﴾ [الرعد: ١٥]. وسجود عالم الأمر طَوع لله، وسجود الظلال كره، وتحته سرّ بل أسرار، تحرك أوائلها سلسلة المجانين الحمقى، فضلاً عن أواخرها؛ فلنتجاوزها، فقد أفهمناك ما أرادوه بالفناء. فدع عنك الغيبة والتكذيب بما لم تحط بعلمه كما قال تعالى: ﴿بَل كذّبوا بما لَم يُحِيطوا بعِلْمِه﴾ [يونس: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿وإذْ لم يَهْتدوا فسيقولون هذا إفْكٌ قَديم﴾ [الأحقاف: ١١].

> **Passage douteux** — Leçon jugée suspecte par l’éditeur lui-même (voir sa note) ; gardée telle qu’imprimée.

فإذا فهم الفناء في المذكور فاعلم أنه أول الطريق، وهو الذهاب إلى الله عز وجل، وإنما الهُدى بعده؛ أعني بالهُدى هُدى الله، كما قال الخليل - صلوات الله عليه -: ﴿إني ذاهبٌ إلى ربّي سيهدين﴾ [الصافات: ٩٩]. فأول الأمر ذهاب إلى الله، ثم ذهاب في الله، وذلك هو الفناء والاستغراق به. ولكن هذا الاستغراق أولاً يكون كبرق خاطف قلّ ما يثبت ويدوم. فإن دام ذلك صارت عادة راسخة وهيئة ثابتة، عرج به إلى العالم الأعلى وطالع الوجود الحقيقي الأصفى، وانطبع له نقش الملكوت، وتجلى له قدس اللاهوت، وأول ما يتمثل له من ذلك العالم: جواهر الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء في صورة جميلة، يفيض إليه بواسطتها بعض الحقائق - وذلك في البداية إلى أن تعلو درجته عن المثال، فيكافح بصريح الحق في كل شيء، فإذا رد إلى هذا العالم المجازي الذي هو كالظلال، نظر إلى الخلق نظر مترحّم عليهم، لحرمانهم من مطالعة جمال حظيرة القدس، وتعجب منهم في قناعتهم بالظلال، وانخداعهم بعالم الغرور وعالم الخيال، فيكون معهم حاضراً بشخصه، غائباً بقلبه، متعجباً هو من حضورهم، ويتعجبون هم من غيبته. فهذه ثمرة لباب الذكر، وإنما مبدؤها ذكر اللسان، ثم ذكر القلب تكلفاً، ثم ذكر القلب طبعاً، ثم استيلاء المذكور وانمحاء الذكر، وهذا سرّ قوله ﷺ: «من أحبّ أن يرتفع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله عز وجل»، بل سرّ قوله: «يفضل الذكر الخفي على الذكر الذي تسمعه الحَفَظة سبعين ضعفاً».

واعلم أن كل ذكر يَشعر به قلبك، تسمعه الحفظة، فإن شعورهم يقارن شعورك، وفيه سر، حتى إذا غاب ذكرك عن شعورك بذهابك في المذكور بالكلية، فيغيب ذكرك عن شعور الحفظة. وما دام القلب يشعر بالذكر، ويلتفت إليه، فهو معرض عن الله عز وجل، وغير منفكّ عن شرك خفيّ حتى يصير مستغرقاً بالواحد الحقّ؛ فذلك هو التوحيد.

وكذلك القول في المعرفة، فمن طلب المعرفة للمعرفة فقد قال بالثاني، ومن وجدها، كمثل أن لا يجدها بل يجد المعروف بها، فهو الذي استمكن من حقيقة الوصال، وحل بحبوحة حظيرة القدس. فإن قلت: فلم اختصت هذه المكاشفات بحال الفناء؟ فاعلم أن هذه قصة يطول فيها نظر الناظر، وذلك إذا تأملت لم تقصّر عن أن تُدرك كون الحواس وعوارض النفس وشهواتها، جاذبة إلى هذا العالم المحسوس، وهو عالم الزور والغرور، ولذلك يكشف صريح الحق بالموت، لبطلان سلطان الحواس والخيالات المولية بوجه القلب إلى عالم السفل؛ فإن قصّر عنك سلطان الحواس بالنوم، طولعت بشيء من الغيب على قدر استعدادك وقبولك وهمّتك، ولكن بمثال يحتاج إلى التعبير. وما عندي أنك لم تصادف من نفسك رؤيا صادقة اطّلعت بها على أمر مستقبل، لكن الخيال لا يفتر في النوم وإن ركدت الحواس؛ فلذلك يضعف الاطلاع ولا يخلو من شوب المثال.

وأما الفناء، فعبارة عن حالة تركد فيها الحواس ولا تشتغل، ويسكن فيها الخيال ولا يُشوّش؛ فإن بقيت في الخيال بقية مغلوبة، لم يؤثر إلا في محاكاة ما يتجلى من عالم القدس، حتى يتمثل الأنبياء والملائكة والأرواح المقدسة في قوالب الخيال.

فهذه أمور نبهت عليها لتكون متشوقاً إلى أن تصير من أهل الذوق لها، فإن لم تكن، فمن أهل العلم بها، فإن لم تكن، فمن أهل الإيمان بها، و ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة: ١١]. وإياك أن تكون من المنكرين لها، فتلقى العذاب الشديد، إذا كوشفت بالحق عند سكرات الموت الذي كنت منه تحيد، وقيل لك: ﴿لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد﴾ [ق: ٢٢].

واعلم أن الإيمان والعلم والذوق ثلاث درجات متباعدة، فإن العنّين[^34] مثلاً يتصور أن يصدق بوجود شهوة الوقاع لغيره، بأن يقبل ذلك ممن يحسن ظنه به ولا يتهمه بالكذب، وذلك إيمان، ويتصور أن يعلم بالبرهان وجوده لغيره، وهو علم؛ ومأخذه قياس أن ينظر إلى شهوته للطعام مثلاً، فيقيس بها شهوة الوقاع، وكل ذلك بعيد عن إدراك حقيقة الشهوة بوجودها له. وكذلك المرض يعرفه العامي الصحيح ويؤمن به، ويعرفه الطبيب الصحيح بالبرهان وهو علم، ومن لم يصر مريضاً لم يحصل له الذوق. فكذلك القول في الفناء في التوحيد؛ فالذوق مشاهدة، والعلم قياس، والإيمان قبول بحسن الظن مع الانفكاك عن التهمة. فاجتهد ان تصير من أهل المشاهدة، فليس الخبر كالمعاينة.

فإن قلت: لقد عظّمت أمر الذكر فهل هو أفضل أم قراءة القرآن؟ فاعلم أن قراءة القرآن أفضل للخلق كلّهم إلا للذاهب إلى الله عز وجل؛ وهو أفضل للذاهب إلى الله في جميع أحوال بدايته، وفي بعض أحواله في نهايته؛ فإن القرآن هو المشتمل على صنوف المعارف والأحوال والإرشاد إلى الطريق، فما دام العبد مفتقراً إلى تهذيب الأخلاق وتحصيل المعارف، فالقرآن أولى به، فإن جاوز ذلك واستولى الذكر على قلبه بحيث يرتجى له أن يُفضي به ذلك إلى الاستغراق، فمداومة الذكر أولى به، فإن القرآن يجاذب خاطره، ويسرح به في رياض الجنة، والمريد الذاهب إلى الله تعالى، لا ينبغي أن يلتفت إلى الجنة ورياضها، بل ينبغي أن يجعل همه هماً واحداً، وذكره ذكراً واحداً، حتى يدرك درجة الفناء والاستغراق، فلذلك قال الله عز وجل: ﴿ولَذِكْرُ الله أكبر﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وكذلك من ينتهي إلى درجة الاستغراق ولا يدوم ولا يثبت عليه، فإذا ردّ الى نفسه فقد تنفعه تلاوة القرآن، وهذه حالة نادرة عزيزة، كالكبريت الأحمر، يُتحدث به ولا يوجد. فتكون تلاوة القرآن أفضل مطلقاً؛ لأنه أفضل في كل حال، إلا في حال من شغله المتكلم عن الكلام، إذ لُبابُ القرآن معرفة المتكلم بالقرآن، ومعرفة جماله والاستغراق به، والقرآن سائق إليه وهاد نحوه، ومن أشرف على المقصد لم يلتفت الى الطريق.

فإن قلتَ: فأيّ الأذكار أفضل؟ فاعلم أن الأفضل - كما ذكرناه - استيلاء المذكور على القلب؛ وهو شيء واحد لا كثرة فيه، حتى يختار أفضله، وذلك عين الجمع والتوحيد، وإنما التفرقة والكثرة قبل ذلك، فذلك ما دمت في مقام الذكر باللسان والقلب، وعند هذا قد ينقسم الذكر إلى الأفضل وغير الأفضل، وفضله بحسب الصفات التي يعبّر عنها بالأذكار.

والصفات والأسماء الواردة في حق الله سبحانه، تنقسم إلى ما هو حقيقة في حق العباد، ومؤولة في حقه سبحانه، كالصبور والشكور والرحيم والمنتقم. وإلى ما هو حقيقة في حقه سبحانه، وإذا استعمل في حق غيره كان مجازاً.

فمن أفضل الأذكار: «لا إلهَ إلا اللهُ الحيُّ القيُّوم» فإن فيه اسم الله الأعظم، إذ قال ﷺ: «اسم الله الأعظم في آية الكرسي وأول آل عمران» ولا يشتركان إلا في هذا، وله سرٌّ يدقّ[^35] عن فهمك ذكره. والقدر الذي يمكن الرمز إليه أن قولك: «لا إلهَ إلا الله» يشعر بالتوحيد، ومعنى الوحدانية في الذات والرّبية حقيقي في حق الله عز وجل، غير مؤوّل بل هو في حق غيره مجاز ومؤوّل. وكذلك الحي فإن معنى الحي هو الذي يشعر بذاته ويعلم ذاته، والميت هو الذي لا خبر له من ذاته، وهذا أيضاً حقيقي لله تعالى، غير مؤوّل، والقيوم: يشعر بكونه قائماً بذاته، وأن كل شيء قوامه به؛ وهذا أيضاً حقيقي لله عز وجل غير مؤوّل، ولا يوجد لغيره. وما عداها من الأسماء الدالة على الأفعال كالرحيم والمُقْسِط والعَدْل وغيره، فهو دون ما يدل على الصفات؛ لأن مصادر الأفعال هي الصفات، والصفات أصل، والأفعال تَبَع. وما عداها من الصفات التي تدل على القدرة والعلم والإرادة والكلام والسمع والبصر، فذلك مما يظن أن الثابت منها لله عز وجل مفهوم من ظواهرها. وهيهات، فإن المفهوم من ظواهرها أمور تناسب صفات الإنسان وكلامه وقدرته وعلمه وسمعه وبصره، بل لها حقائق يستحيل ثبوتها للإنسان، فيستخرج من هذه الأسامي بنوع من التأويل. فهذا ينبهك على ما يحتمله فهمك من اختصاص هذه الكلمات بكونها أعظم، ويقرب منه قولك: «سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر» لأن «سبحان الله» للتقديس، وهو حقيقي في حقه؛ فإن القدس الحقيقي لا يتصور إلا لهُ تعالى. وقولك: «الحمد لله» يشعر بإضافة النعم كلها إليه، وهو حقيقي، إذ هو المنفرد بالأفعال كلها تفرداً حقيقياً بلا تأويل، وهو - تبارك وتعالى - المستوجب الحمد وحده، إذ لا شركة لأحد معه في فعله أصلاً، كما لا شركة للقلم مع الكاتب في استحقاق المحمدة عند حسن الخطّ.

واعلم أن كل من سواه ممن ترى منه نعمة، فهو تعالى مسخر له كالقلم، فهذا مثال ينبهك على تفرده باستحقاق الحمد. وقولك: «لا إله إلا الله»، فقد عرفت أنه التوحيد الحقيقي. وقولك: «الله أكبر»، فليس المعني به أنه أكبر من غيره، إذ ليس معه - سبحانه - غيره حتى يقال أكبر منه، بل كل ما سواه فهو نور من أنوار قدرته. وليس لنور الشمس مع الشمس رتبة المعيّة، حتى يقال إنها أكبر منه؛ بل رتبة التبعية؛ بل معناه أنه - عز وجل - أكبر من أن ينال بالحواس، أو يدرك جلاله بالعقل والقياس، بل أكبر من أن يدرك كُنه جلاله غيره، بل أكبر من أن يعرفه غيره، فإنه لا يعرف الله - تبارك وتعالى - إلا الله، فإن منتهى معرفة عباده، أن يعرفوا أنه يستحيل منهم معرفته الحقيقية. ولا يعرف ذلك أيضاً بكماله إلا نبي أو صدّيق، أما النبيّ، فيعبر عنه ويقول: «لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»، وأما الصّديق فيقول: «العجز عن درك الإدراك إدراك».

فإن تشوّقت إلى زيادة تحقيق في هذا المعنى واستنكرت قولي: «لا يعرف الله إلا الله» فاطلب معرفة حقيقته بالبرهان من كتاب المقصد الأقصى في معاني أسماء الله الحسنى، ويكفيك الآن هذا القدر من الرموز إلى أسرار الذكر، وفضل الأذكار منها.

### الأصل السابع في طلب الحلال

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كُلُوا من الطَّيِّبات واعْمَلوا صالحاً﴾ [المؤمنون: ٥١]. والحرام خبيث وليس بطيب، فقد قرن - عز وجل - أكل الطيبات بالعبادات، وقال رسول الله ﷺ: «طلب الحلال فريضة على كل مسلم بعد الفريضة»، أي بعد فريضة الإيمان والصلاة. وقال ﷺ: «من أكل الحلال أربعين يوماً نوّر الله قلبه، وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه»، وفي رواية أخرى: «زهّده الله في الدنيا». وقال ﷺ: «إن لله ملكاً على بيت المقدس، ينادي كل ليلة: من أكل حراماً لم يُقْبل منه صرفٌ ولا عَدْل»؛ فالصرف النافلة والعدل الفريضة. وقال ﷺ: «من اشترى ثوباً بعشرة دراهم، وفي ثمنه درهم حرام، لم يقبل الله صلاته ما دام عليه منه شيء». وقال عبدالله بن عمر - رضي الله عنه -: «لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، لم يقبل الله ذلك منكم إلا بورع حاجز» وقيل: العبادة مع أكل الحرام كالبنيان على السّرقين[^36].

#### فصل

اعلم أن طيب المطعم له خاصية عظيمة في تصفية القلب وتنويره وتأكيد استعداده لقبول أنوار المعرفة، وفيه سر لا يحتمل هذا الكتاب ذكره؛ ولكن ينبغي أن تفهم أن درجات الورع أربع:

**الدرجة الأولى:** هي التي يُجَبُّ[^37] الفسق باقتحامها، وتزول العدالة بزوالها، وهي التي يحرمها فتوى الفقهاء.

**الثانية:** ورع الصالحين؛ وهو الحذر عما يتطرق إليه احتمال التحريم، وإن أفتى المفتي بحله بناء على الظاهر، وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ: «دع ما يُريبك إلى ما لا يُريبك».

**الثالثة:** ورع اليقين؛ قال النبي ﷺ: «لا يبلغ العبد درجة المتّقين حتى يترك ما لا بأس به حذاراً ومخافة مما به بأس». وقال عمر - رضي الله عنه -: «كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام». ومن هذا الأصل كان بعضهم إذا استحق ماية درهم اقتصر على تسعة وتسعين، ويترك الواحد حاجزاً بينه وبين النار لخوف الزيادة، وكان بعضهم يأخذ ما يأخذ بنقصان حبة، ويعطي ما يعطي بزيادة حبة؛ ولذلك أخذ عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليه - أنفه حذراً من ريح المسك لبيت المال كان يوزن بين يديه، وقال: «هل ينتفع إلا بريحه؟». ومن ذلك أن يتورع عن الزينة وأكل الشهوات، خيفة من أن تغلب النفس فتدعوه إلى الشهوات المحظورة. ومن ذلك ترك النظر إلى تجمل أهل الدنيا، فإنه يحرك دواعي الرغبة في الدنيا؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيك إلى ما متّعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا﴾ [طه: ١٣١]. ولذلك قال عيسى ابن مريم - عليه السلام -: «لا تنظروا إلى أموال أهل الدنيا، فإن بريقَ أموالهم يذهب بحلاوة إيمانكم». ولذلك قال السلف: «من رقّ ثوبه رقّ دينه». فالحلال الطلق الطيب كل حلال انفكّ عن مثل هذه المخافة ولم يوجد فيها.

> **Passage douteux** — Lu « anfahu » (il se boucha le nez) sur l’image ; l’OCR donnait un autre mot.

**الرابعة:** ورع الصدّيقين، وهو الحذر عن كل ما لا يراد بتناوله القوة على طاعة الله تعالى إذا كان قد يتطرق إلى بعض أسبابها معصية. فمن ذلك ما حكي أن ذا النون المصري كان محبوساً جائعاً، فبعثت إليه امرأة صالحة من طيّب مالها طعاماً على يد السجان، فلم يأكل منه واعتذر أنه جاءني على طبق ظالم أي يد السجّان. ومن ذلك أن بِشْر الحافي كان لا يشرب الماء من الأنهار التي حفرها السلاطين. وأطفأ بعضهم سراجاً أشعله غلامه من بيت ظالم. وشرب بعضهم دواء فأشارت إليه امرأته بالمشي والتردد، فقال: هذه مشية لا أعرف لها وجهاً، وأنا أحاسب نفسي على جميع حركاتي. وهذه رتبة أقوام وفَوْا بقوله تعالى: ﴿قل اللَّهُ ثمّ ذَرْهم في خوضهم يَلْعبون﴾ [الأنعام: ٩١]، فعدّوا كل ما لم يكن لله تعالى حراماً. وليس هذا من عشّك[^38] وعش ناصحك، فادرج واجتهد أن تفيء بورع العدول الذي تفتي به الفقهاء.

نعم ينبغي أن تضيف إليه شيئين: أحدهما أن تحذر عن مواقع غرورهم، ولا تلتفت إلى قولهم: «من وهب في آخر السنة ماله زوجته، واستوهب منها مالها، سقطت الزكاة عنهما». فإنهم إن عنوا به أن السلطان لا يطالبهم بالزكاة، لأن مطمح نظره ظاهر الملك فهو صدق؛ ودرجة الفقهاء وفتواهم ذكر ما يتعلق بالظواهر فيحكمون بالبراءة عن الزكاة إذا سقط طلب الساعي، ويحكمون بصحة الصلاة إذا امتنع القتل على السلطان بجريان صورة الصلاة[^39]؛ إذ ليس بأيديهم من القوانين إلا القانون الذي يستعمله السلطان في السياسة لينتظم أمر المعيشة الدنيوية التي هي منزل من منازل الطريق كما سبق.

> **Passage douteux** — Phrase que l’éditeur juge lui-même mal assurée (voir sa note) ; traduite au plus près.

وأما أنت، إذا كنت تنظر فيما ينفعك غداً عند جبّار الجبابرة، وسلطان السلاطين، فلا تلتفت إلى هذا، واعلم أن مقصود الزكاة إزالة رذيلة البخل فإنه مهلك كما قال رسول الله ﷺ: «ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوى مُتّبع، وإعجاب المرء بنفسه». وهبة مال الزكاة لأجل دَرْءِ الزّكاة، تجعل الشحّ مطاعاً، فإنه يصير مُطاعاً بإجابته إلى ما يقتضيه. وقبل هذا لم يكن مطاعاً، فكيف يكون ذلك مُنْجياً؟

وكذلك من يسيء معاشرة زوجته حتى تنفكّ له من المَهر، فلا يحل له المهر بينه وبين الله - عز وجل - وإن كان الفقيه يفتي بسقوط المهر وصحة الإبراء؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فإن طِبْن لَكُم عن شيءٍ منه نَفْساً فكُلوه هنيئاً مريئاً﴾؛ وليس هذا طيبة النفس بل طيبة القلب. والفقيه لا يميز بين الأمرين، لأن شغفه بقطع الخصومات الظاهرة لا غير.

والحجامة وشرب الدواء البشيع لا تطيب به النفس بل يطيب به القلب، وكذلك كلّ ما يأباه الطبع ويريده العقل لمصلحة البدن في العاقبة. وهذا باب طويل، وأصله أن لا تستحلّ مال غيرك إلا برضاء مطلق صاف.

وينبغي أن لا تأكل من السؤال، فإن سألت فاحذر أن تسأل على الملأ، فربما يعطى بالحياء، وذلك ليس مقروناً بالرضاء، فإن المستحي يؤثر ألم إزالة الملك على ألم الحياء. ولا فرق بين أن تأخذ ماله بضرب ظاهره بالسوط، وبين أن تأخذه بضرب باطنه بسوط الحياء، فالكل مصادرة. واحذر أيضاً أن يعطيك بالدِّين، وذلك بأن يعطيك لظنه أنك ورع تقيّ فتأكل بالدين؛ ويكون من شرط حلّه، أن لا يكون في باطنك ما لو اطلع عليه المعطي لامتنع من الإعطاء؛ فلا فرق بين من يأخذ بالتصوّف والتقوى، وليس هو متصفاً به باطناً، وبين من يزعم أنه علوي ليعطى وهو كاذب. وكل ذلك حرام عند ذوي البصائر وإن أفتى الفقيه بالحل بناء على الظاهر.

**الفن الثاني:** أن تراجع قلبك، وإن أفتوك، فإن الإثم حزّاز القلوب، فالذي يضرك ما حاك في قلبك، ولذلك قال رسول الله ﷺ: «استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك». وهذا السر طويل ذكره، ولكن اعلم على الجملة أن المحذور من الحرام إظلام القلب، والمطلوب من الحلال تنويره، وذلك يتشعب من اعتقادك لا من نفس المعتقد.

> **Passage douteux** — Hadith imprimé avec une répétition (« même s’ils te donnent avis, et te donnent avis ») ; gardé tel quel.

فمن وطئ امرأة على أنها أجنبية، فإذا هي منكوحته حصل إظلام القلب، ولو وطئ أجنبية على ظن أنها زوجته لم يحصل. وكذلك في النجاسات والطهارات المؤثّرة في تنوير القلب وهمك واعتقادك؛ فما أمرت بأن تصلي وثوبك طاهر، بل أن تصلي وأنت تعتقد أنه طاهر. فاستشعار الطهارة مؤثّر في إشراق القلب، وإن لم يكن على وفق الحال؛ ولذلك نقول: إن من صلى ثم تذكر أنه كان معه نجاسة، فليس عليه الإعادة على الأصح؛ لأنه ﷺ خلع نعليه في أثناء صلاته لما أخبره جبريل - عليه السلام - بأن عليهما قذراً، واستمر فيها. ولذلك يشدد الأمر على الموسوس، فإنه ما لم يطمئن قلبه باعتقاده الطهارة، فيجب عليه الاستقصاء والمعاودة، وأولئك قوم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فهلكوا باستقصائهم كما قال عليه السلام: «هلك المتنطّعون»[^40]. فكذلك في الحلال، أنت متعبد بما يطمئن إليه قلبك، لا بما يفتي به المفتي، فاستفتِ قلبك.

#### فصل

إياك أن تشدد على نفسك فتقول: أموال الدنيا كلها حرام، وقد أخبثتها الأيدي العادية[^41]، والمعاملات الفاسدة، فأقنع بالحشيش مترهباً، أو أتناول من الجميع متوسعاً، لا أفصل فيه بين حلال وحرام. بل اعلمْ قطعاً، أن الحلال بيّن[^42] والحرام بيّن، وبينهما أمور متشابهات.

كذلك كان في عصر رسول الله ﷺ وكذلك يكون أبد الدهر. فاستمد من السر الذي ذكرناه، فإنك غير متعبّد بما هو في نفسه حلال، بل بما هو في اعتقادك حلال، لا تعرف سبباً ظاهراً في تحريمه؛ فقد توضأ رسول الله ﷺ من مزادة[^43] مشرك، وتوضأ عمر - رضي الله عنه - من جرة نصرانية. ولو عطشوا لشربوا منه؛ وشرب الماء النجس حرام، ولكن استصحبوا يقين الطهارة، ولم يتركوها لتوهم النجاسة.

وكذلك كل مال صادفته في يد رجل مجهول عندك حاله، فلك أن تشتري منه وتأكل من ضيافته، تحسيناً للظن بالمسلم؛ فإن الأصل أن ما في يده فهو حلال، وما تصادفه في يد رجل عرفته بالصلاح فهو أولى بأن تعتقده حلالاً. نعم يجب الحذر مما تصادفه في يد سلطان ظالم، أو رجل عرفته بالرّبا أو بيع الخمر، فيجب الحذر منه حتى تسأل وتستقصي، وتعرف من أين حصل له، فإن ظهر لك جهة حصوله وأنه حلال، فلك أخذه، وإلا فلا. فالاعتماد على العلامة الظاهرة، وهي قرينة حاله. وهذا إذا كان أكثر أمواله كذلك، فإن كان أكثرها حلالاً فلك أن تأكل منه؛ وإن تركته فذلك ورَع؛ فقد كتب بعض وكلاء ابن المبارك من البصرة إليه يسأله عن معاملة رجل يعامل السلطان، فقال: «إن كان لا يعامل غير السلطان فلا تعامله، وإن كان يعامل غيره أيضاً فعامله».

وبالجملة، الناس في حقك ستة أقسام: أحدهم أن يكون مجهولاً، فكل من ماله والحذر ليس بواجب، بل هو محض الورع. الثاني: أن تعرفه بالصلاح فكل منه ولا تتورّع، فالورع فيه وسوسة؛ فإن أدى إلى الأذى والإيحاش فهو معصية وحرام، لما فيه من الإيذاء، ولما فيه من سوء الظن بالرجل الصالح. الثالث: أن تعرفه بالظلم والربا حتى علمت أن كل ماله أو أكثره حرام كالسلاطين الظلمة وغيرهم، فمالهم حرام. الرابع: أن تعرف أن أكثر أمواله حلال، ولكن لا يخلو من حرام، كرجل له تجارة وميراث، وهو مع هذا في عمل السلطان، فلك الأخذ بالأغلب، لكن الترك من الورع المهم. الخامس: أن يكون مجهولاً عندك، لكن ترى عليه علامة الظلم، كالقباء والقلنسوة وهيئة الظلمة، فهذه علامة ظاهرة توجب الحذر، فلا تأكل من ماله إلا بعد التفتيش. السادس: إن ترى عليه علامة الفسق لا علامة الظلم، كطول الشارب، وانقسام شعر الرأس قَزَعاً[^44]، ورأيته يشتم غيره، أو ينظر إلى امرأة؛ فإن علمت له مالاً موروثاً أو تجارة لم يحرَّم ماله بذلك، وإن كان أمره مجهولاً عندك فهذا فيه خطر، لأن علامة الفسق أضعف دلالة من علامة الظلم؛ ولكن الأظهر عندي أنه لا يحرّم ماله لأن ظاهر اليد والإسلام يدل على الملك دلالة أظهر من دلالة هذه العلامات على التحريم؛ وليست هذه الدلالة أقوى من دلالة النصرانية والمجوسية على نجاسة الماء، ولم يلتفت إليهما رسول الله ﷺ، ولا عمر ـ رضي الله عنه ـ.

أما علامة الظلم، فتضاهي[^45] ما إذا رأينا ظبية تبول في ماء، ثم وجدنا الماء متغيراً، فأمكن أن يكون من طول المكث، وأمكن أن يكون من البول، فإنه يجب اجتنابه إحالة على السبب الظاهر. ثم وراء ذلك كله، عليه أن يستفتي قلبه، فإذا وجد في قلبه حزازة[^46] فليجتنبه، فالإثم حزازة القلوب وحكاكات الصدور. ولكن ههنا دقيقة[^47] يغفل عنها أهل الورع، وهي أنه حيث يكون الترك من الورع أو من حزازة في النفس، فلا يجوز الترك والسؤال بحيث يؤذي؛ فالمجهول إذا قدم إليك طعاماً، فإن سألته من أين؟ استوحش وتأذّى؛ والايذاء حرام، وسوء الظن حرام. وإن سألته عن غيره بحيث يدري زاد الإيذاء. وإن سألت بحيث لا يدري فقد تجسست وأسأت الظن، وبعض الظن إثم، وتساهلت بالغيبة والتهمة، وكل ذلك حرام. وترك الورع ليس بحرام، فليس لك إلا التلطف بالترك، فإن لم يكن إلا بإيذاء، فعليك أن تأكل، فإن طيبة قلب المسلم وصيانته عن الإيذاء أهم من الورع. فإياك أن تكون من القرّاء المغرورين الذين لا يدركون دقائق الورع.

واعلم أن رسول الله ﷺ أكل من صدقة بُريرة ولم يسأل عن المتصدق. وكان رسول الله ﷺ تُحمل إليه الهدايا فيقبل ولا يسأل. نعم سأل في أول قدومه إلى المدينة عما حمل إليه هل هو صدقة أو هدية؟ لأن ذلك ليس فيه إيذاء، ولأن قرينة الحال كانت تقتضي الإمكان في الصدقة والهدية على وتيرة واحدة. وكان ﷺ يُدعى إلى الضيافات فيجيب ولا يسأل ولم ينقل السؤال إلا نادراً في محل الريبة. فإن قلت: فإن وقع طعام حرام في سوق فهل يشتري من ذلك السوق؟ فأقول: إن تحققت أن الحرام هو الأكثر فلا تشتر إلا بعد التفتيش، وإن علمت أن الحرام كثير وليس بالأكثر فلك الشراء، والتفتيش من الورع؛ ولقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه ـ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ـ يشترون في أسفارهم من الأسواق، مع علمهم بأن فيها أهل الربا والغصب وأهل الغُلول[^48] في الغنيمة، وكانوا لا يتركون المعاملة معهم. وهذا الباب يستدعي شرحاً طويلاً، فإن رغبت فيه فطالع كتاب الحلال والحرام من كتب الإحياء لتشهد عند مطالعته بأنه لم يصنف في فنه مثله في التحقيق والتحصيل والإحاطة بجميع التفاصيل.

### الأصل الثامن في القيام بحقوق المسلمين وحسن الصحبة معهم

وهو ركن من أركان الدين، إذ الدين معناه السفر إلى الله تعالى. ومن أركان السفر حسن الصحبة في منازل السفر مع المسافرين. والخلق كلهم سفر، يسير بهم العمر سير السفينة بركّابها. واعلم أن الانسان في الدنيا إما أن يكون وحده، أو يكون مع خواصه من أهل وولد وقريب وجار، أو يكون مع عموم الخلق؛ فهذه ثلاثة أحوال. وعليه حسن الصحبة، وأداء الحقوق في جميع هذه الأحوال:

#### الحالة الأولى

أن يكون وحده. وليعلم أنه بنفسه عالم وأن باطنه يشتمل على أصناف من الخلق مختلفي الطباع والأخلاق، فإن لم يحسن صحبتهم ولم يقم بحقوقهم هلك. وأصناف جنود الباطن كثيرة، ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾ [المدثر: ٣١]. وقد استقصينا بعض ذلك في كتاب عجائب القلب.

ونذكر الآن أمراء الجنود ورؤوسها، فنقول: فيك شهوة تجذب بها إلى نفسك النافع، وغضب تدفع به عن نفسك الضار، وعقل تدبر به الأمور وترعى به الرعية. فأنت، باعتبار غضبك كلب، وباعتبار شهوتك بهيمة، كالفرس مثلاً، وباعتبار عقلك ملك. وأنت مأمور بالعدل بينهم، والقيام بحقوقهم، والاستعانة بهم، لتقتنص بمعونتهم سعادة الأبد، فإن رضت[^49] الفرس وأدبت الكلب وسخرتهما للملك تيسر لك الظفر بما طلبت، وإن سخرت العقل في استنباط الحيل لتحصيل ما يتقاضاه الكلب بغضبه ولجاجه[^50]، والفرس بحرصه وجشعه أوفيت على العطب، فضلاً عن إدراك مقصود الطلب، فصرت منكوساً فاجراً ظالماً؛ لأن الظلم وَضْعُ الشيء في غير موضعه. ولو رأيت شخصاً جُعل في طاعته ملك وكلب وخنزير، فلم يزل يضطر الملك إلى أن يسجد للخنزير والكلب، فهل تراه ظالماً مستوجباً اللعنة؟ ولو كوشفت بحالك عند منامك أو عند فنائك عن نفسك ـ كما وصفناه في الاستغراق بالله ـ لرأيت كل من أطاع شهوته وغضبه، ساجداً لكلب وخنزير، إذ لم يكن الكلب كلباً لصورته بل لمعناه. وكذلك ترى نفسك بعد الموت؛ لأن المعاني في عالم الآخرة تستتبع الصور ولا تتبعها، فيتمثل كل شيء بصورة توازي معناه، فيحشر المتكبرون في صغر الذر[^51]، يطؤهم من أقبل وأدبر، والمتواضعون أعزاء. وأما هذا العالم، فعالم التلبيس[^52]، فقد يودع معنى الخنزير والكلب في صورة الإنسان، فلا تغتر به، فإن ذلك ينكشف يوم تبلى[^53] السرائر. فعليك أن تحسن صحبة رفقائك الثلاثة، فتكسر شرّة[^54] الشهوة بسطوة الغضب، وتقل من غلواء الغضب بخداع الشهوة، وتسلط أحدهما على الآخر؛ فإن ذلك بليغ جداً في تقويمهما، حتى ينقادا للعقل والشرع، فيستعملهما العقل بحيث ينتفع بهما، كما يستعمل الصائد الفرس والكلب عند الحاجة ويسكنهما عند الاستغناء، وشرح هذه الرياضة والصيد طويل ذكرناه في كتاب رياضة النفس.

#### الحالة الثانية

صحبتك مع عموم الخلق. فأقل درجات حسن الصحبة كفّ الأذى عنهم؛ قال رسول الله ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». وفوق ذلك أن تنفعهم وتحسن إليهم؛ قال النبي ﷺ: «الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله». وفوق ذلك أن تحتمل الأذى منهم وتحسن مع ذلك إليهم، وذلك درجة الصدّيقين؛ قال رسول الله ﷺ لعليّ ـ رضي الله عنه ـ: «إن أردت أن تسبق الصدّيقين فصِل مَن قطعك، وأعط مَن حرمك، واعفُ عمّن ظلمك». هذه جملة الأمر.

وتفصيل هذه الحقائق كثيرة، ونقتصر من جملتها على عشرين وظيفة: فمنها: أن لا تحبّ للناس إلا ما تحب لنفسك، قال عليه السلام: «مَن سرّه أن يُزحزح عن النار، فليأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه».

ومنها: أن يتواضع لكل أحد ولا يفتخر عليه، فإن الله لا يحب كل مختال فخور، وإن تكبّر عليه غيره فليحتمل؛ قال الله تعالى: ﴿خذ العَفْوَ وأمُرْ بالعُرفِ وأعرضْ عن الجاهلين﴾ [الأعراف: ١٩٩].

ومنها: أن يوقر المشايخ ويرحم الصبيان، قال عليه السلام: «ليس منّا من لم يرحم صغيرنا، ولم يوقّر كبيرنا»، وقال عليه السلام: «من إجلال الله تعالى إكرامُ ذي الشيبة المسلم»، وقال ﷺ: «ما وقّر شابٌّ شيخ لسنّه إلا قيّض الله له في شيبته من يوقّره»؛ وهذا يبشره بطول الحياة مع الأجر.

> **Passage douteux** — Lu « qayyada » sur l’image ; l’OCR donnait « fayyada ».

ومنها: أن تكون مع كافة الخلق مستبشراً طلق الوجه؛ وقال ﷺ: «أتدرون على مَن حُرّمت النار؟» قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: «على الهيّن الليّن السهل القريب»، وقال ﷺ: «إن الله يحبّ السهل الطّلق».

ومنها: إصلاح ذات البين بين المسلمين ولو بالمبالغة والزيادة في الكلام؛ قال ﷺ: «ليس بكذّاب مَن أصلح بين الاثنين، فقال خيراً أو نمّى خيراً»، وقال ﷺ: «ألا أخبركم بأفضلَ مِن درجات القيام والصلاة والصدقة»؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إصلاح ذات البين، وفساد ذات البَين هي الحالقة».

ومنها: أن لا تسمع بلاغات الناس بعضهم على بعض، ولا يبلّغ بعضهم ما يسمع من بعض؛ قال ﷺ: «لا يدخل الجنة قتّات»[^55]؛ وقيل: من نمّ إليك نمّ عليك.

> **Passage douteux** — Lu « qattât » (colporteur de médisances) sur l’image ; l’OCR donnait « qannât ».

ومنها: أن لا تزيد في الهجرة عند الوحشة على ثلاثة أيام؛ قال ﷺ: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث»، وقال ﷺ: «من أقال مُسلماً عثرته أقال الله تعالى عثرته يوم القيامة».

ومنها: أن تحسن إلى كلّ أحدٍ كان أهلاً لذلك أو لم يكن؛ قال ﷺ: «اصنع المعروف إلى مَن هو أهله وإلى من ليس أهله، فإن لم يُصِبْ أهله فأنت مِن أهله».

ومنها: أن تخالق[^56] كلّ صنف بأخلاقهم، ولا تلتمس من الجاهل والغبي ما تلتمس من الوَرِع العالم؛ قال داود ـ عليه السلام ـ: «إلهي كيف لي أن يُحبني الناس وأسلم فيما بيني وبينك؟» فأوحى الله سبحانه إليه: «خالقْ أهلَ الدنيا بأخلاق الدنيا، وخالق أهلَ الآخرة بأخلاق الآخرة».

ومنها: أن تنزل الناس منازلهم، فتزيد في إكرام ذي المنزلة، وإن كانت منزلته في الدنيا، فإن رسول الله ﷺ بسط رداءه لبعضهم، وقال: «إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه».

ومنها: أن تستر عورات المسلمين؛ قال ﷺ: «لا يرى امرؤ من أخيه عورة فيسترها عليه إلا دخل الجنة»، وقال ﷺ: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته».

ومنها: أن تتقي مواضع التهم، صيانة لقلوب الناس عن سوء الظن، وألسنتهم عن الغيبة؛ قال رسول الله ﷺ: «اتقوا مواضع التهم»؛ وكلّم رسول الله ﷺ إحدى نسائه، فمرّ به رجل، فسلم عليه فلما مر دعاه، فقال: «يا فلان هذه زوجتي صفية»، فقال: يا رسول الله من كنت أظن فيه فإني لا أظنّ فيك، فقال: «إن الشيطان يُجرى من ابن آدم مجرى الدم».

ومنها: أن تسعى في قضاء حوائج المسلمين ولو بشفاعة؛ قال ﷺ: «اشفعوا إليّ تؤجروا، فإني أريد الأمر فأؤخره كي تشفعوا إليّ فتؤجروا»؛ وقال ﷺ: «من مشى في حاجة أخيه ساعة من ليل أو نهار، قضاها أو لم يقضها، كان خيراً له من اعتكاف شهرين»؛ وقال ﷺ: «قيامك مع أخيك ساعة، خير من اعتكافك سنة».

ومنها: أن تبادر بالسلام على كل مسلم وتصافحه ليكون لك فضل البداية؛ قال رسول الله ﷺ: «إذا التقى المسلمان فتصافحا، قُسمت بينهما سبعون رحمة، تسع وستون لأحسنهما برّاً».

ومنها: أن ينصر أخاه في غيبته فيردّ عن عِرضه وماله؛ قال رسول الله ﷺ: «ما من أحد ينصر مسلماً في موضع يُهتك فيه من عِرضه وتُستحلّ حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد يخذل مُسْلماً في موضع تُهتك فيه حرمته إلا خذلَه الله في موضع يحبّ فيه نصرته».

ومنها: أن تداري أهل الشر لتسلم منهم؛ قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: استأذن رجل على رسول الله ﷺ، فقال: «ايذنوا له فبئس رجل العشيرة»؛ فلما دخل ألان له القول حتى ظننت أن له عنده منزلة؛ فلما خرج راجعته في ذلك فقال: «يا عائشة إن شرّ الناس منزلة عند الله يوم القيامة من يكرمه الناس اتقاء فحشه»؛ وقال ﷺ: «ما وقى المرء به عرضه فهو له صدقة»؛ وقال ﷺ: «خالطوا الناس بأعمالهم، وزايلوهم[^57] بالقلوب».

ومنها: أن تحذر مجالسة الأغنياء، وتكثر مجالسة المساكين؛ قال ﷺ: «إياكم ومجالسة الموتى»، قيل: ومن هم؟ قال: «الأغنياء»؛ وقال ﷺ: «اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين». وكان سليمان ـ عليه السلام ـ إذا رأى في المسجد مسكيناً جلس إليه وقال: «مسكين جالسَ مسكيناً» وقال موسى ـ عليه السلام ـ: «إلهي أين أطلبك؟ قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي».

ومنها: أن لا يجالس إلا من يفيده في الدين فائدة، أو من يستفيد منه، فأما أهل الغفلة[^58] فيتحذر منهم؛ قال ﷺ: «الوحدة خير من الجليس السوء، والجليس الصالح خير من الوحدة». فإذا أكثر من مجالسة أهل الغفلة فيُنتقص من دينه بكل جلسة شيء، فليقدر أن كل واحد منهم لو كان يأخذ منه في كل جلسة سلكاً من ثوبه، أو شعرة من شعر لحيته، أما كان يحذره خيفة أن يصير على القرب أمرد عارياً؟ فالحذر لأجل الدين أوْلى.

ومنها: أن يعود مرضاهم، ويشيّع جنائزهم ويزور قبورهم، ويدعو لهم في الغيبة، ويشمّت[^59] العاطس، وينصف الناس من نفسه، وينصح إذا استُنصح، إلى غير ذاك من حقوق كثرت فيها الأخبار، آثرنا فيها الاختصار، وجملتها: أن تعمل في حقهم ما تحب أن يُعمل في حقك من إحسان واهتمام وكفّ أذى.

#### الحالة الثالثة

الصحبة مع من يُدلي ـ سوى عموم الإسلام ـ بخاصية، كجوار أو قرابة أو ملك، قال ﷺ: «إذا رميت كلب جارك فقد آذيته». وقال ﷺ: «أول خصمين يوم القيامة جاران». وقيل له ﷺ: «إن فلانه تصوم النهار وتصلي الليل وتؤذي الجيران» فقال: «هي في النار». وقال ﷺ: «أتدرون ما حقّ الجار؟ إن استعان أعنته، وإن استقرضك أقرضته، وإن افتقر جُدت عليه، وإن مرض عُدته، وإن مات اتبعت جنازته، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزّيته، ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، وإذا اشتريت فاكهة فأهدِ له، وإن لم تفعل فأدخلها سرّاً، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده، ولا تؤذه بقُتار[^60] قدرك إلا أن تغرف له منها، أتدرون ما حقّ الجار؟ والذي نفسي بيده لا يبلغ حقّ الجار إلا من رحمه الله».

وأما القرابة، فقد قال ﷺ: قال الله تبارك وتعالى: «أنا الرحمن، وهذه الرَّحِم شققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلتُه، ومن قطعها بتتُّه»[^61] وقال ﷺ: «صلة الرحم تزيد في العمر» وقال ﷺ: «توجد رائحة الجنة على مسيرة خمسمائة عام ولا يجد ريحها عاقٌّ ولا قاطع رحم»، وقال ﷺ: «برّ الوالدين أفضل من الصلاة والصيام والحج والعمرة والجهاد في سبيل الله عز وجل»، وقال ﷺ: «بر الوالدة على الولد ضعفان»، وقال ﷺ: «ساووا بين أولادكم بالعطية».

أما المملوك، فقد قال فيهم ﷺ: «اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم، أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، ولا تكلّفوهم من العمل ما لا يُطيقون، فإن الله ملّككم إياهم، ولو شاء لملّكهم إياكم»، قال ﷺ: «إذا كفى أحدكم مملوكه طعاماً فكفاه حرّه وعلاجه، وقرّبه إليه، فليجلسه فليأكل معه، أو ليأخذ لقمة فليروّغها[^62]، وليضعها في يده، وليقل كل هذه». وسئل ﷺ: كم نعفو عن المملوك في اليوم والليلة؟ قال: «سبعين مرة». فجملة حق المملوك أن يُشركه في طعمته وكسوته، ولا يكلفه فوق طاقته، ويعفو عن زلته، ولا ينظر إليه بعين الكبر والازدراء، ويعلّمه مهمات دينه.

وأما حقوق المنكوحة، فتزيد على هذا، إذ يجب لها مع القيام بواجباتها حسن العشرة والمطايبة، قال رسول الله ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». وكان ﷺ من أفكه الناس مع نسائه، والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى.

#### فصل

من أصول الدين في أمر الصحبة اتخاذ الإخوان في الله عز وجل، قال الله تعالى لبعض أنبيائه: «أما زهدُك في الدنيا فقد استعجلت الراحة، وأما انقطاعك إليّ فقد تعززت بي، فهل واليت فيّ ولياً، وهل عاديت فيّ عدوًّا؟».

وقال ﷺ: يقول الله يوم القيامة: «أين المتحابون لجلالي، اليوم أظلهم في ظلي ولا ظل إلا ظلي». وأوحى الله سبحانه إلى عيسى - عليه السلام -: «لو أنك عبدتني بعبادة أهل السموات والأرض، وحب في الله ليس[^63]، وبغض في الله ليس، ما أغنى عنك ذلك شيئاً». وقال ﷺ: «إن حول العرش منابر من نور، عليها قوم لباسهم نور، ووجوههم نور، وليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء». فقالوا: يا رسول الله حُلّهم[^64] لنا من هم؟ فقال: «المتحابون في الله، والمتجالسون في الله، والمتزاورون في الله عز وجل».

واعلم أن كل حب لا يتصور دون الإيمان بالله واليوم الآخر، فهو حب في الله، ولكنه على درجتين: إحداهما: أن تحبه لتنال منه في الدنيا نصيباً يوصلك إلى الآخرة، كحبك أستاذك وشيخك، بل تلميذك الذي ينمو علمك بتعليمه، بل خادمك الذي يفرغ قلبك عن كنس بيتك وغسل ثوبك، لتتفرغ بسببه لطاعة الله تعالى، بل المنفق عليك من ماله، إذا كان غرضك من ذلك إفراغ القلب لعبادة الله تبارك وتعالى. الثانية: وهي أعلى، أن تحبه لأنه محبوب عند الله عز وجل ويحب الله، وإن لم يتعلق غرض به لك في الدنيا والآخرة، مِن عِلم أو معونة على دين أو غيره؛ وهذا أكمل، لأن الحب إذا غلب تعدّى إلى كل من هو من المحبوب بسبب، حتى يحب الإنسان محب محبوبه، ومحبوب محبوبه، بل يميز بين الكلب الذي هو في سكة محبوبه، وبين سائر الكلاب. وإنما سِراية[^65] الحب بقدر غلبة الحب، ومن أحب لقاء الله لم يُمكنه أن لا يحب عباده الصالحين المرْضيّين عنهم. إلا أن ذلك قد يقوى حتى يحمل على أن يسلك بهم مسلك نفسه، بل يؤثرهم على نفسه، وقد يقصّر عن ذلك، وفضلهم عنده ينقسم بقدر درجته وقوته. وكذلك يبغض لا محالة من يعصيه، ويخالف أمره، ويظهر أثر ذلك في مجانبته ومهاجرته له، وتقطيبه الوجه عند مشاهدته، ولذلك قال ﷺ: «لا تجعل لفاجر عليّ يداً فيحبه قلبي» حذراً من أن يقدح ذلك في البغض في الله. وبالجملة من لا يصادف من نفسه الحب في الله، والبغض في الله، بهذه الأسباب فهو ضعيف الإيمان، وهذا له تفصيل وتحقيق، فاطلبه من كتاب الصحبة والأخوة في الله تعالى.

### الأصل التاسع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قال الله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ [آل عمران: ١٠٤] الآية. وقال تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة: ٧١] الآية. وقال تعالى: ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون﴾ [المائدة: ٧٩]. وقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - في خطبته: «أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتتأولونها على خلاف تأويلها: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده»». وقالت عائشة - رضي الله عنها -: قال رسول الله ﷺ: «عُذِّب أهل قرية فيها ثمانية عشر ألفاً، أعمالهم أعمال الأنبياء». قالوا: يا رسول الله كيف ذلك؟ قال: «لم يكونوا يغضبون لله عز وجل، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر».

#### فصل

كل من شاهد منكراً ولم ينكره وسكت عنه، فهو شريك فيه؛ فالمستمع شريك المغتاب. ويجري هذا في جميع المعاصي، حتى في مجالسة من يلبس الديباج، ويتختم بالذهب، ويجلس على الحرير، والجلوس في دار أو في حمّام على حيطانها صور أو فيها أوان من ذهب أو فضة، أو الجلوس في مسجد يسيء الناس الصلاة فيه، فلا يتمون الركوع والسجود والجلوس، أو في مجلس وَعْظ يجري فيه ذكر البدعة، أو في مجلس مناظرة أو مجادلة يجري فيها الإيذاء والإيحاش بالسفه والشتم. وبالجملة، من خالط الناس كثرت معاصيه، وإن كان تقياً في نفسه، إلا أن يترك المداهنة ولا تأخذه في الله لومة لائم، ويشتغل بالحسبة[^66] والمنع. وإنما يسقط عنه الوجوب بأمرين: أحدهما: أن يعلم أنه إن أنكر لم يلتفت إليه ولم يترك المنكر ونظر إليه بعين الاستهزاء، وهذا هو الغالب في منكرات ترتكبها الفقهاء؛ ومن يزعم أنه من أهل الدين فههنا يجوز السكوت، ولكن يستحب الزجر باللسان، إظهاراً لشعار الدين، مهما لم يقدر على غير الزجر باللسان، ويجب أن يفارق ذلك الموضع، فليس يجوز مشاهدة المعصية بالاختيار؛ فمن جلس في مجلس الشرب فهو فاسق وإن لم يشرب، ومن جالس مغتاباً أو لابس حرير أو آكل ربا أو حرام، فهو فاسق فليقم من موضعه.

> **Passage douteux** — Lecture à confirmer : « les actes blâmables que commettent les juristes et ceux qui prétendent être des gens de religion ».

والثاني: أن يعلم أنه يقدر على المنع من المنكر بأن يرى زجاجة فيها خمر فيرميها فتكسر، أو يسلب آلة الملاهي من يده ويضربها على الأرض. ولكن يعلم أنه يُضرب أو يصاب بمكروه، فههنا يستحب الحسبة لقوله تعالى: ﴿وانْهَ على المنكر واصبر على ما أصابك﴾ [لقمان: ١٧] ولا يجب إلا أن يكون المكروه الذي يصيبه له درجات كثيرة يطول النظر فيها، ذكرناها في كتاب الأمر بالمعروف من الإحياء. وعلى الجملة، فلا يسقط الوجوب إلا بمكروه في بدنه بالضرب، أو في ماله بالاستهلاك، أو في جاهه بالاستخفاف به بوجه يقدح في مروءته. فأما الخوف من استيحاش المنكر عليه، وخوف تعرضه له باللسان وعداوته له، أو توهم سعيه له في المستقبل بما يسوؤه أو يحول بينه وبين زيادة خير يتوقعها، فكل ذلك موهومات وأمور ضعيفة لا يسقط الوجوب بها.

#### فصل

عمدة الحسبة شيئان:

أحدهما: الرفق واللطف والبداية بالوعظ على سبيل اللين لا على سبيل العنف، والترفع والإذلال بدالّة الصلاح، فإن ذلك يؤكد داعية المعصية، ويحمل العاصي على المناكرة وعلى الإيذاء. ثم إذا آذاه ولم يكن حسن الخلق غضب لنفسه، وترك الإنكار لله تعالى، واشتغل بشفاء غليله منه، فيصير عاصياً، بل ينبغي أن يكون كارهاً للحسبة، يودّ لو ترك المعصية بقول غيره، فإنه إذا أحب أن يكون هو المتعرض، كان ذلك لما في نفسه من دالة الاحتساب وعزته. وقال عليه السلام: «لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به، رفيق فيما ينهى عنه، حليم فيما يأمر به، حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به، فقيه فيما ينهى عنه». ووعظ المأمونَ - رحمة الله عليه - واعظٌ بعنف فقال: «يا رجل ارفق فقد بعث الله تعالى من هو خير منك إلى من هو شر مني فأمره بالرفق. فقال الله تعالى: ﴿فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى﴾ [طه: ٤٤]».

وروى أبو أمامة الباهلي - رضي الله عنه - أن غلاماً شابّاً أتى النبي ﷺ، فقال: أتأذن لي بالزنا؟ فصاح الناس به، فقال النبي عليه السلام: «أقِرّوه أقِرّوه، ادنُ مني» فدنا منه، فقال عليه السلام: «أتحبه لأمك؟»، فقال: لا، جعلني الله فداك، قال عليه السلام: «كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم»، ثم قال: «أتحبه لابنتك؟»، قال: لا، قال: «كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم»؛ حتى ذكر له الأخت والعمة والخالة ويقول عليه السلام: «كذلك الناس لا يحبونه»، ثم وضع يده على صدره وقال: «اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصّن فرْجه»، فلم يكن بعد ذلك شيء أبغض إليه من الزنا. وقال بعضهم للفضيل: إن سفيان بن عيينة قبل جوائز السلطان، فقال: ما أخذ منهم إلا دون حقه. ثم خلا به وعاتبه بالرفق، فقال: «يا أبا علي، إن لم نكن من الصالحين فإنا نحب الصالحين».

العمدة الثانية: أن يكون المحتسب قد بدأ بنفسه فهذّبها، وترك ما يُنهى عنه أولاً، قال الحسن البصري: «إذا كنت تأمر بالمعروف فكن من آخذي الناس به وإلا هلكت» فهذا هو الأولى حتى ينفع كلامه وإلا استُهزئ به. وليس هذا شرطاً، بل يجوز الاحتساب للعاصي أيضاً؛ قال أنس: قلنا يا رسول الله، ألا نأمر بالمعروف حتى نعمل به كله؟ ولا ننهى عن المنكر حتى نجتنبه كله؟ قال عليه السلام: «بلى مُروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله، وانهوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله». وقال الحسن البصري: يريد أن لا يظفر الشيطان منكم بهذه الخصلة، وهو أن لا تأمروا بالمعروف حتى تأتوا به كله، يعني أن هذا يؤدي إلى حسم باب الحسبة. فمَن ذا الذي يُعصم عن المعاصي؟

> **Passage douteux** — Quelques mots partiellement masqués par le filigrane du scan, rétablis d’après le contexte.

### الأصل العاشر في اتّباع السنة

اعلم أن مفتاح السعادة اتباع السنة والاقتداء برسول الله ﷺ في جميع مصادره وموارده، وحركاته وسكناته، حتى في هيئة أكله وقيامه ونومه وكلامه. لست أقول ذلك في آدابه في العبادات فقط؛ لأنه لا وجه لإهمال السنن الواردة فيها، بل ذلك في جميع أمور العادات. فبذلك يحصل الاتباع المطلق؛ قال الله سبحانه: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧]. فعليك أن تلبس السراويل قاعداً، وتتعمم قائماً، وتبتدئ باليمين في تنعلك، وتأكل بيمينك، وتقلّم أظفارك وتبتدئ بمسبّحة[^67] اليد اليمنى وتختم بإبهامها، وفي الرِّجل تبتدئ بخنصر اليمنى وتختم بخنصر اليسرى، وكذلك في جميع حركاتك وسكناتك؛ فقد كان محمد بن أسلم لا يأكل البطيخ، لأنه لم ينقل إليه كيفية أكل رسول الله ﷺ له. وسها بعضهم فابتدأ في لبس الخف باليسرى، فكفّر عن ذلك بكُرّ[^68] حنطة. فلا ينبغي أن تتساهل في أمثال ذلك فتقول: هذا مما يتعلق بالعادات، فلا معنى للاتباع فيه؛ لأن ذلك يُغلق عليك باباً عظيماً من أبواب السعادة.

#### فصل

لعلك تشتهي الآن الوقوف على السبب المرغِّب في الاتباع في هذه الأفعال، وتستبعد أن يكون تحت ذلك أمر مهم يقتضي هذا التشديد العظيم في المخالفة. فاعلم أن ذكر السر في آحاد تلك السنن طويل لا يحتمل هذا الكتاب شرحه. لكن ينبغي أن تفهم أن ذلك ينحصر في ثلاثة أنواع من الأسرار:

السرّ الأول: أنّا قد نبّهناك في مواضع على العلاقة التي بين الملك والملكوت، وبين الجوارح والقلب، وكيفية تأثر القلب بعمل الجوارح، فإن القلب كالمرآة، ولا تتجلى فيه حقائق الأشياء إلا بتصقيله وتنويره وتعديله. أما تصقيله، فبإزالة خبث الشهوات وكدورة الأخلاق الذميمة. وأما تنويره فبأنوار الذكر والمعرفة، ويُعين على ذلك العبادة الخالصة إذا أُدّيت على كمال الخدمة بمقتضى السنّة. وأما تعديله، فبأن يجري في جميع حركات الجوارح على قانون العدل، إذ اليد لا تصل إلى القلب حتى تقصد بتعديله وتُحْدث فيه هيئة معتدلة صحيحة لا اعوجاج فيها، وإنما التصرف في القلب بواسطة تعديل الجوارح وتعديل حركاتها، ولهذا كانت الدنيا مَزْرعة الآخرة. ولهذا تعظم حسرة من مات قبل التعديل، لانسداد طريق التعديل بالموت، إذ تنقطع علاقة القلب عن الجوارح؛ فمهما كانت حركات الجوارح، بل حركات الخواطر أيضاً موزونة بميزان العدل، حدث في القلب هيئة عادلة مستوية، تستعد لقبول الحقائق على نعت الصحة والاستقامة، كما تستعد المرآة المعتدلة لمحاكاة الصور الصحيحة من غير اعوجاج. ومعنى العدل: وضع الأشياء مواضعها، ومثاله أن الجهات مثلاً أربعة، وقد خص منها جهة القبلة بالتشريف؛ فالعدل أن تستقبل في أحوال الذكر والعبادة والوضوء، وأن تنحرف عنها عند قضاء الحاجة، وكشف العورة، إظهاراً لفضل من ظهر فضله. ولليمين زيادة على اليسار - غالباً لفضل القوة - فالعدل أن تفضلها على اليسار، وتستعملها في بعض الأعمال الشريفة، كأخذ المصاحف والطعام، وتترك اليسار للاستنجاء وتناول القاذورات؛ وتقليم الظفر مثلاً، تطهيراً لليد، فهو إكرام. فينبغي أن تبتدئ بالأكرم والأفضل؛ وربما لا يستقل عقلك بالتفطّن للترتيب في ذلك وكيفية البداية، فاتبع فيه السنّة وابتدئ بالمُسبّحة من اليمنى؛ لأن اليد أفضل من الرِّجل، واليمنى أفضل من اليسرى، والمسبّحة - التي بها الإشارة في كلمة التوحيد - أفضل من سائر الأصابع. ثم بعد ذلك تدور من يمين المسبّحة. وللكفّ ظهر ووجه، فوجهه ما تقابله، فإذا جعلت الكفّ وجه اليد، كان يمين المسبّحة من جانب الوسطى، فقدّر اليدين متقابلتين بوجهيهما، وقدّر الأصابع كأنها أشخاص، فتدور بالمِقْراض من المسبّحة إلى أن تختم بإبهام اليمنى. كذلك فعل رسول الله ﷺ.

> **Passage douteux** — Phrase en partie masquée par le filigrane du scan, rétablie d’après l’image.

والحكمة في ذلك ما ذكرناه، فإذا أنت تعوّدت رعاية العدل في دقائق الحركات، صارت العدالة والصحة هيئة راسخة في قلبك، واستوت صورها، وبذلك تستعد لقبول صورة السعادة؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي﴾ [الحجر: ٢٩، ص: ٧٢]. فروح الله عزّ وجلّ مفتاح أبواب السعادة، ولم يكن نفخها إلا بعد التسوية. ومعنى التسوية يرجع إلى التعديل؛ وفي ذلك سر طويل يطول شرحه، وإنما نريد الرمز إلى أصله؛ فإن كنت لا تقوى على فهم حقيقته، فالتجربة تنفعك. فانظر إلى من تعوّد الصدق كيف تصدق رؤياه غالباً؛ لأن الصِّدق حصل في قلبه هيئة صادقة، يتلقى لوائح الغيب في النوم على الصحة. وانظر كيف تكذب رؤيا الكذاب، بل رؤيا الشاعر، لتعوّده التخيلات الكاذبة، فاعوجّ لذلك صورة قلبه. فإن كنت تريد أن تلمح جنات القدس، فاترك ظاهر الإثم وباطنه، واترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، واترك الكذب حتى في حديث النفس أيضاً.

السرّ الثاني: أن تعلم أن الأشياء المؤثّرة في بدنك بعضها إنما يعقل تأثيرها بنوع من المناسبة إلى الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، كقولك: إن العسل يضرّ المحرورين وينفع البارد مزاجه. ومنها ما لا يدرك بالقياس، ويعبَّر عنه بالخواص، وتلك الخواص لم يوقف عليها بالقياس، بل مبدأ الوقوف عليها وحي أو إلهام؛ فالمغناطيس يجذب الحديد، والسقمونيا[^69] تجذب خلط الصفراء من أعماق العروق، لا على القياس، بل بخاصية وقف عليها إما بالإلهام أو بالتجربة. وأكثر الخواص عُرفت بالإلهام، وأكثر التأثيرات في الأدوية وغيرها من قبل الخواص. فلذلك، فاعلم أن تأثيرات الأعمال في القلب، تنقسم إلى ما هو يُفهم وجه مناسبته، كعلمك بأن اتباع الشهوة الدنيوية يؤكد علاقته مع هذا العالم، فيخرج من العالم منكوس الرأس مولياً وجهه إلى هذا العالم إذ فيه محبوبه؛ وكعلمك أن المداومة على ذكر الله تعالى تؤكد الأنس بالله تعالى، وتوجب الحب حتى تعظم اللذة به عند فراق الدنيا، والقدوم على الله سبحانه. إذ اللذة على قدر الحب، والحب على قدر المعرفة والذِّكر.

ومن الأعمال ما يؤثر في الاستعداد لسعادة الآخرة أو لشقاوتها بخاصية ليست على القياس، لا يوقف عليها إلا بنور النبوة؛ فإذا رأيت النبيَّ ﷺ قد عدل عن أحد المباحين إلى الآخر، وآثره عليه مع قدرته عليهما، فاعلم أنه اطلع بنور النبوة على خاصية فيه، وكوشف به من عالم الملكوت، كما قال ﷺ: «يا أيها الناس إن الله أمرني أن أعلمكم مما علمني، وأؤدبكم مما أدبني، فلا يُكثرنّ أحدكم الكلام عند المجامعة، فإنه يكون منه خرس الولد، ولا ينظرنّ أحدكم إلى فرج امرأته إذا هو جامعها، فإنه يكون منه العمى، ولا يُقبّلنّ أحدكم امرأته إذا هو جامعها فإنه يكون منه صمم الولد، ولا يُديمنّ أحدكم النظر في الماء فإنه يكون منه ذهاب العقل». وهذا مثال مما ذكرناه وأردنا تنبيهك على اطلاعه على خواص الأشياء، بالإضافة إلى أمور الدنيا لتقيس به اطلاعه ﷺ على ما يؤثر بالخاصية في السعادة والشقاوة فلا ترضى، فترضى لنفسك أن تصدق محمد بن زكريا الرازي المتطبب فيما يذكره من خواص الأشياء في الحجامة والأحجار والأدوية، ولا تصدق سيد البشر محمد بن عبدالله الهاشمي المكي المدنيّ - صلوات الله عليه وسلامه - فيما يخبر به عنها؛ وأنت تعلم أنه ﷺ مكاشف من العالم الأعلى بجميع الأسرار. وهذا ينبهك على الاتباع فيما لا يفهم وجه الحكمة فيه على ما ذكرناه في السرّ الأول.

> **Passage douteux** — Phrase bancale dans l’imprimé ; gardée sans changement, le français suit la tournure.

السر الثالث: أن سعادة الإنسان أن يتشبه بالملائكة في النزوع عن الشهوات وكسر النفس الأمّارة بالسوء، ويبعد عن مشابهة البهيمة المهملة سدى، التي تسترسل في اتباع الهوى بحسب ما يقتضيه طبعها من غير حاجز. ومهما تعوّد الإنسان في جميع الأمور أن يفعل ما يشاء من غير حاجز، أَلِفَ اتباع مراده وهواه، وغلب على قلبه صفة البهيمة، فمصلحته أن يكون في جميع حركاته ملجماً يصدّه عن طريق إلى طريق؛ كيلا تنسى نفسه العبودية، ولزوم الصراط المستقيم، فيكون أثر العبودية ظاهراً عليه في كل حركة. إذ لا يفعل شيئاً بحسب طبعه بل بحسب الأمر، فلا ينفك في جميع أحواله عن مصادمات الزمان بإيثار بعض الأمور على بعض. ومن ألقى زمامه إلى يد كلب مثلاً حتى لم يكن تصرفه وتردده بحكم طبعه بل بحكم غيره، فنفسه أقوم إلى قبول الرياضة الحقيقية، وأقرب وأقوى ممن جعل زمامه في يد هواه، يسترسل بها استرسال البهيمة. وتحت هذا سرّ عظيم في تزكية النفس، وهذه فائدة تحصل بوضع الشارع ﷺ كيفما وضعه. والفائدة الحكمية والخاصية لا تتغير بالوضع، وهذا يتغير بالوضع، فإن المقصود أن لا يكون مخلّى مع اختياره، وذلك المقصود يحصل بالمنع عن أحد الجانبين أيّ جانب كان، وفي مثل هذا يتصور أن تختلف الشرائع لأنه ثمرة الوضع. فيكفيك هذه التنبيهات الثلاث على فضل ملازمة الاتباع في جميع الحركات والسكنات.

#### فصل

هذا التحريض كله الذي ذكرته إنما هو في العادات. وأما في العبادات، فلا أعرف لترك السنة من غير عذر وجهاً إلا كفر خفيّ أو حمق جليّ، بيانه أن النبي ﷺ إذ قال: «تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ[^70] بسبع وعشرين درجة». فكيف تسمح نفس المؤمنين بتركها من غير عذر؟ نعم، يكون السبب في ذلك إما حمق أو غفلة بأن لا يتفكر في هذا التفاوت العظيم. ومن يستحمق غيره - إذا آثر واحداً على اثنين - كيف لا يستحمق نفسه إذا آثر واحداً على سبع وعشرين!

لاسيما فيما هو عماد الدين ومفتاح السعادة الأبدية.

وأما الكفر، فهو أن يخطر بباله أن هذا ليس كذلك، وإنما ذكره للترغيب في الجماعة، وإلا فأيُّ مناسبة بين الجماعة وبين هذا العدد المخصوص من بين سائر الأعداد؟ وهذا كفر خفيٌّ قد ينطوي عليه الصدر، وصاحبه لا يشعر به، فما أعظم حماقة من يصدق المنجم والطبيب في أمور أبعد من ذلك، ولا يصدق النبي المكاشف بأسرار الملكوت! فإن المنجّم لو قال لك: إذا انقضى سبعة وعشرون يوماً من أول تحويل طالعك، أصابتك نكبة فاحترز في ذلك اليوم، واجلس في بيتك! فلا تزال في تلك المدة تستشعر وتترك جميع أشغالك؛ ولو سألت المنجم عن سببه لقال لك: إنما قلت ذلك لأن بين درجة الطالع وموضع زحل سبعاً وعشرين درجة، فتتأخر النكبة في كل درجة يوماً أو شهراً، فإذا قيل لك هذا هَوَس، إذ لا مناسبة له فلا تصدقن به، فلا يخلو قلبك عن الاستشعار.

وتقول في أفعال الله تعالى عجائب لا تعرف مناسبتها، ولعلها خواصّ لا تدرك؛ وقد عُرف بالتجربة أن ذلك مما يؤثر، وإن لم تعرف مناسبته. ثم إذا آل الأمر إلى خبر النبوة عن الغيب، أنكرت مثل هذه الخواص وطلبت المناسبة الصريحة؛ فهل لهذا سبب إلا شرك خفيّ، لا بل كفر جليّ؟ إذ لا محمل له سواه. وسبب هذا التكاسل كله، أنك لا يهمك أمر آخرتك، فإن أمر دنياك لما كان يهمك، فتحطاط فيه بقول المنجم والطبيب، وبالاختلاج[^71] والفأل والأمور البعيدة عن المناسبة غاية البعد، وتنقاد إلى الاحتمالات البعيدة، لأن الشفيق بسوء الظن مولع، ولو تفكرت لعلمت أن هذا الاحتياط بالخطر الأبدي أليق. فإن قلت: ففي أي جنس من الأعمال ينبغي أن تُتّبع السنّة؟ فأقول: في كل ما وردت به السنّة؛ والأخبار في ذلك كثيرة، وذلك لقوله ﷺ: «من احتجم يوم السبت والأربعاء فأصابه برص فلا يلومنّ إلا نفسه». وقد احتجم بعض المحدّثين يوم السبت، وقال: هذا الحديث ضعيف، فبرص وعظم ذلك عليه، حتى رأى رسول الله ﷺ في المنام فشكا إليه ذلك، فقال لم احتجمت يوم السبت؟ فقال: لأن الراوي كان ضعيفاً. قال: أليس كان قد نقل عنّي؟ فقال: تُبت يا رسول الله. فدعا له رسول الله ﷺ بالشفاء فأصبح وقد زال ما به.

> **Passage douteux** — Lu « tubtu » (je me repens) sur l’image ; l’OCR donnait « thabata ».

وقال ﷺ: «من احتجم يوم الثلاثاء لسبعة عشر كان دواء السنة».

وقال ﷺ: «من نام بعد العصر فاختُلس عقله فلا يلومنّ إلا نفسه».

وقال ﷺ: «إذا انقطع شِسْع نعل أحدكم فلا يمش في نعل واحد حتى يصلح شسعه».

وقال ﷺ: «وإذا ولدت امرأة فليكن أول ما تأكل الرطب، فإن لم يكن فتمر، فإنه لو كان شيء أفضل منه لأطعمه الله عز وجلّ مريم حين ولدت عيسى عليه السلام».

وقال ﷺ: «إذا أتي أحدكم بالحلواء فليصب منه، وإذا أتي أحدكم بالطيب فليمسّ منه». وأمثال ذلك في العادات كثيرة، ولا يخلو شيء منها عن سرّ.

### خاتمة في ترتيب الأوراد وتنعطف على الأمور العشرة

اعلم أن هذه العبادات التي فصلناها، منها ما يمكن الجمع بينها، كالصوم والصلاة والقراءة، ومنها ما لا يمكن الجمع بينها، كالقراءة والذكر والقيام بحقوق الناس والصلاة[^72]؛ فينبغي أن يكون من أهم أمورك توزيع أوقاتك على أصناف الخيرات من صباحك إلى مسائك؛ ومن مسائك إلى صباحك. وتعلّم أن مقصود العبادات تأكيد الأنس بذكر الله عز وجل، للإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور. ولن يسعد في دار الخلود إلا من قَدِمَ على الله سبحانه محبّاً له. ولا يكون محبّاً له إلا من كان عارفاً به، مكثراً لذكره. ولا يحصل المعرفة والحب، إلا بالفكر والذكر الدائم. ولن يدوم الذكر في القلب، إلا بالمذكّرات، وهي العبادات المستغرقة للأوقات على التعاقب. ولاختلاف أصنافها زيادة تأثير في التذكير، ومنع الملال، وسقوط أثره عن القلب بالدوام الذي ينتهي إلى حد الاعتياد.

نعم، إن كنت والهاً بالله عز وجل، مستغرقاً به، لم تفتقر إلى ترتيب الأوراد، بل وردك واحد، وهو ملازمة الذكر. وما أراك تكون كذلك، فإن ذلك من أعز الأمور. فإن لم تكن والهاً مستهتراً، فعليك أن ترتب أورادك، فأحد الأوراد هو من وقت انتباهك من النوم، إلى طلوع الشمس. وينبغي أن تجمع في هذا الوقت الشريف بعد الفراغ من الصلاة بين الذكر والدعاء والقراءة والتفكير، فإن لكل واحد أثراً آخر في تنوير القلوب، وتعرف كيفية ذلك وتفصيله من كتاب بداية الهداية وكتاب ترتيب الأوراد. وكذلك تفعل بين الطلوع والزوال، وبين الزوال والغروب وبين الغروب والعشاء، فإنها من أشرف الأوقات؛ لأن النشاط إنما يتوفر بأن تميّز ورد كلّ وقت، لتكون في كل وقت عبادة أخرى تنتقل من بعضها إلى بعض. هذا إن كنت من العُبّاد، فإن كنت معلّماً أو متعلماً أو والياً، فالاشتغال بذلك أولى في بياض النهار، وأفضل من العبادات البدنية، لأن أصل الدين العِلم الذي به يحصل التعظيم لأمر الله سبحانه، والنفع الذى يصدر عن الشفقة على خلق الله تعالى. وكذلك إن كنت مُعيلاً محترفاً، فالقيام بحق العيال بكسب الحلال أفضل من العبادات البدنية. ولكن في جميع ذلك لا ينبغي أن تخلو وتنفكّ عن ذكر الله تعالى، بل تكون كالمستهتر بمعشوقه، المدفوع إلى شغل من الأشغال لضرورة وقته، فهو يعمل ببدنه، وهو غائب عن عمله، حاضر بقلبه مع معشوقه. حُكي عن أبي الحسن الجرجاني أنه كان يعمل بالمسحاة[^73] دائماً وكان يقول: «أُعطينا اليد واللّسان والقلب: فاليد للعمل، واللسان للخلق، والقلب للحق».

ولنقتصر على هذا القدر في قسم الطاعات الظاهرة، ففيه الكفاية إن شاء الله.

## القسم الثالث في تزكية القلب عن الأخلاق المذمومة

قال الله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكّى﴾ [الأعلى: ١٤]، وقال: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ [الشمس: ٩]. والتزكية هي التطهير. وقال رسول الله ﷺ: «الطهور شطر الإيمان». فافهم منه أن كمال الإيمان، بتزكية القلب عما لا يحبه الله عز وجل، وتحليته بما يحبه الله؛ فالتزكية شطر الإيمان. وكيف يشتغل بالطهارة من لا يعرف النجاسة. فلنذكر الأخلاق المذمومة، وهي كثيرة، ولكن نحتاج أن نَرُدّ شُعَبها إلى عشرة أصول:

### الأصل الأول شره الطعام

وهو من الأمهات؛ لأن المعدة ينبوع الشهوات، إذ منها تتشعب شهوة الفرْج. ثم إذا غلبت شهوة المأكول والمنكوح، يتشعب منها شره المال، إذ لا يُتوصل إلى قضاء الشهوتين إلا به. ويتشعب من شهوة المال شهوة الجاه، إذ يعسر كسب المال دونه. ثم عند حصول المال والجاه وطلبهما، تزدحم الآفات كلها، كالكِبْر والرياء والحسد والحقد والعداوة وغيرها. ومنبع جميع ذلك البطن؛ فلهذا عظّم رسول الله ﷺ أمر الجوع، فقال عليه السلام: «ما من عمل أحبّ إلى الله تعالى من الجوع والعطش»، وقال: «لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه»، وقال عليه السلام: «سيد الأعمال الجوع»، وقال عليه السلام: «الفكر نصف العبادة، وقلة الطعام هي العبادة»، وقال عليه السلام: «أفضلكم عند الله تعالى أطولكم جوعاً وتفكراً، وأبغضكم إلى الله تعالى كلّ أكول شروب نؤوم[^74]»، وقال عليه السلام: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرّاً من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صُلبه، وإن كان لا محالة فثلاث لطعامه وثلاث لشرابه وثلاث لنَفَسِه»، وقال عليه السلام: «إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيّقوا مجاري الشيطان بالجوع والعطش»، وقال عليه السلام لعائشة - رضي الله عنها -: «أديموا قرع باب الجنة يفتح لكم»، قالت: كيف نديمُ؟ قال عليه السلام: «بالجوع والظمأ». وقال عليه السلام: «كلوا واشربوا في أنصاف البطون، فإنه جزء من النبوة».

#### فصل

لعلك تشتهي أن تعلم السر في تعظيم الجوع ومناسبته لطريق الآخرة. فاعلم أن له فوايد كثيرة، ولكن يرجع أصولها إلى سبع:

**إحداها**: صفاء القلب ونفاذ البصيرة، فإن الشّبع يورث البلادة ويعمي القلب؛ قال ﷺ: «من أجاع بطنه عظمت فكرته وفطن قلبه». ولا يخفى أن مفتاح السعادة المعرفة، ولا تُنال إلا بصفاء القلب، فلذلك كان الجوع قرع باب الجنة.

**الثانية**: رقة القلب؛ حتى يدرك به لذة المناجاة، ويتأثر بالذكر والعبادة؛ وقال الجنيد: «يَجعل أحدكم بينه وبين قلبه مخلاة من الطعام، ويريد أن يجد حلاوة المناجاة». ولا يخفى عليك أن أحوال القلب من الخشية والخوف والرقة والمناجاة والانكسار بالهيبة، من مفاتيح أبواب الجنة، وإن كان باب المعرفة فوقه، والجوع قرع لهذا الباب.

**الثالثة**: ذل النفس وزوال البَطَر والطغيان منها؛ فلا تُكسر النفس بشيء كالجوع. والطغيان داع إلى الغفلة عن الله تعالى، وهو باب الجحيم والشقاوة؛ والجوع إغلاق لهذا الباب. وفي إغلاق باب الشقاوة فتح باب السعادة؛ ولذلك لمّا عُرضت الدنيا عليه ﷺ قال: «لا بل أجوع يوماً وأشبع يوماً، فإذا جعت صبرت وتضرعت، وإذا شبعت شكرت».

**الرابعة**: أن البلاء[^75] من أبواب الجنة، لأن فيه مشاهدة طعم العذاب، وبه يعظم الخوف من عذاب الآخرة، ولا يقدر الإنسان على أن يعذّب نفسه بشيء كالجوع، فإنه لا يحتاج فيه إلى تكلف، وترتبط بها فوائد أخرى، فيكون مشاهداً بلاء الله تعالى على الدوام.

**الخامسة**: - وهي من كبار الفوائد - كَسْر شهوات المعاصي، والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء، وكسر سائر الشهوات التي هي منابع المعاصي؛ قال عليٌّ - رضي الله عنه -: «ما شبعت قط إلا عصيت أو هممت بالمعصية». وقالت عائشة - رضي الله عنها -: «أول بدعة حدثت بعد رسول الله ﷺ الشبع، إن القوم إذا شبعت بطونهم، جمحت بهم نفوسهم إلى الدنيا».

**السادسة**: خفة البدن للتهجد والعبادة وزوال النوم المانع من العبادة؛ فإن رأس مال السعادة العمر، والنوم ينقص العمر إذ يمنع من العبادة وأصله كثرة الأكل. قال أبو سليمان الداراني: «من شبع دخل عليه ست آفات: فقْد حلاوة العبادة، وتعذّر حفظ الحكمة، وحرمان الشفقة على الخلق؛ لأنه إذا شبع ظن أن الخلق كلهم شِبَاعاً، وثقل العبادة، وزيادة الشهوات، وأن سائر المؤمنين يدورون حول المساجد وهو يدور حول المزابل».

**السابعة**: خفة المؤونة، وإمكان القناعة بقليل من الدنيا، وإمكان إيثار الفقر، فإن من تخلص من شَرَه بطنه لم يفتقر إلى مال كثير، فيسقط عنه هموم الدنيا؛ فمهما أراد أن يستقرض لقضاء شهوة البطن، استقرض من نفسه، وترك شهوته. كان إذا قيل لإبراهيم بن أدهم - رحمة الله عليه - في شيء إنه غالٍ، قال: «أَرْخِصوه بالترْك».

#### فصل

لعلك تقول: قد صار الشبع والإكثار في الأكل عادة، فكيف أتركها؟ فاعلم أن ذلك يسهل على من أراده بالتدريج؛ وهو أن يُنقص كل يوم من طعامه لقمة، حتى ينقص رغيفاً في مقدار شهر، فلا يظهر أثره، ويصير التقليل عادته. ثم إذا أذعنت بالتقليل، فلك النظر في الوقت والقدر والجنس؛ أما القدْر، فله ثلاث درجات: أعلاها - وهي درجة الصديقين -: الاقتصار على قدر القوام، وهو الذي يخاف النقصان منه على العقل أو الحياة، وهو اختيار سَهْل التستريّ، وكان يرى أن الصلاة قاعداً لضعفه بالجوع، أفضل من الصلاة قائماً مع قوة الأكل. الثانية: أن تقنع بنصف مُدٍّ كل يوم وهو ثُلث البطن، وعلى ذلك كانت عادة عمر - رضي الله عنه - وجماعة من الصحابة، إذ كان قوتهم في الأسبوع صاعاً من شعير. الثالثة: المدّ الواحد وما جاوز ذلك، فهو مشاركة مع أهل العادة، ومَيْل عن طريق السالكين المسافرين إلى الله تعالى.

وقد يؤثّر في المقادير اختلاف الأحوال والأشخاص، وعند ذلك فالأصل فيه أن يمدّ اليد إذا صدق جوعه، ويكفّ وهو بَعدُ صادق الاشتهاء. وعلامة صدق الجوع أن تشتهي أيّ خبز كان من غير أدم[^76]، فإذا استثقل الأكل بغير أدم، فهو علامة الشبع.

وأما الوقت، ففيه أيضاً ثلاث درجات: أعلاها أن يطوى ثلاثة أيام فما فوقها، فقد كان الصدّيق - رضي الله عنه - يطوى[^77] ستة أيام، وإبراهيم بن أدهم والثوري سبعاً، وبعضهم انتهى إلى أربعين يوماً. وقيل من طوى أربعين يوماً ظهرت له لا محالة أشياء من عجائب الملكوت، ولا يمكن ذلك إلا بالتدريج. وأما الأوسط بأن يطوى يومين، والأدنى بأن يأكل في اليوم مرة واحدة، فمن أكل مرتين لم تكن له حالة جوع أصلاً، فيكون قد ترك فضيلة الجوع.

وأما الجنس، فأعلاه خبز البُرّ[^78] مع الإدام، وأدناه خبز الشعير بلا إدام. والمداومة على الإدام مكروه جداً؛ قال عمر - رضي الله عنه - لولده: «كلْ مرة خبزاً ولحماً، ومرة خبزاً وسمناً، ومرة خبزاً ولبناً، ومرة خبزاً وملحاً، ومرة خبزاً قَفاراً[^79]». فهذا تنبيه على الأحسن في أهل العادة. وأما السالكون الطريق، فقد بالغوا في ترك الإدام، بل في ترك الشهوات جملة، حتى كان بعضهم يشتهي الشهوة عشر سنين وعشرين سنة، وهو يخالف نفسه ويمنعها شهواتها. وقد قال النبي ﷺ: «شرار أمتي الذين غُذُوا بالنعيم ونبتت عليه أجسامهم، وإنما همتهم ألوان الطعام وأنواع اللباس ويتشدقون في الكلام». وقد شرحنا طريق السلف في ترك الشهوات في كتاب كسر الشهوتين.

### الأصل الثاني شره الكلام

وذلك لابد من قطعه، فإن الجوارح كلها تؤثر أعمالها في القلب، ولكن اللسان أخص به، لأنه يؤدي عن القلب ما فيه من الصور، فتقتضي كل كلمة صورة في القلب محاكية لها، فلذلك إذا كان كاذباً حصل في القلب صورة كاذبة، واعوجّ به وجه القلب، وإذا كان في شيء من الفضول مستغنى عنه، اسودّ به وجه القلب وأظلم، حتى تنتهي كثرة الكلام إلى إماتة القلب؛ ولذلك عظم رسول الله ﷺ أمر اللسان فقال: «من يتوكل لي بما بين لحييه[^80] ورجليه أتوكل له بالجنة». وسئل عن أكثر ما يدخل النار، فقال عليه السلام: «الأجوفان: الفَمُ والفَرج». وقال عليه السلام: «وهل يكبّ الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟». وقال: «من صمت نجا». وقال له معاذ: أي الأعمال أفضل؟ فأخرج لسانه ووضع عليه يده، وقال: «إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه». وقال عليه السلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت». وقال عليه السلام: «من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه فالنار أولى به». ولهذا كان الصدّيق - رضي الله عنه - يضع حجراً في فيه ليمنع نفسه من الكلام.

#### فصل

اعلم أن للسان عشرين آفة شرحناها في كتاب آفات اللسان. ويطول ذكرها، ويكفيك العمل بآية واحدة؛ قال الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ في كثير من نَجْواهم إلا مَن أمرَ بصدقةٍ أو معروف﴾ [النساء: ١١٤] الآية. ومعناه أن لا تتكلم فيما لا يعنيك، وتقتصر على المهم، ففيه النجاة. قال أنس - رضي الله عنه -: استشهد غلام منا يوم أُحد فوُجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع، فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت: هنيئاً لك الجنة يابنيّ، فقال رسول الله ﷺ: «وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، ويمنع ما لا يضره». وحدُّ ما لا يَعني هو الذي لو تُرك لم يفت به ثواب، ولم تُنتجز به ضرورة. ومن اقتصر من الكلام على هذا قلّ كلامه، فليحاسب العبد نفسه عند ذكره ما لا يعنيه؛ إنه لو ذكر الله تعالى بدلاً عن تلك الكلمة، لكان ذلك كنزاً من كنوز السعادة، فكيف يسمح العقل بترك كنز مكنوز.

وأخذ مَدَرَة[^81]؟ هذا لو لم يكن فيه إثم، فإن كان إثم، فقد استبدل بترك كل كنز وأخذ شعلة من النار. ومن جملة ما لا يعني حكاية الأسفار وأحوال أطعمة البلاد وعاداتهم، وأحوال الناس، وأحوال الصناعات والتجارات؛ وهو من جملة ما ترى الناس يخوضون فيه.

#### فصل

لعلك تريد أن تعرف تفصيل بعض هذه الآفات؛ فاعلم أن الغالب على الألسنة من جملة العشرين آفة خمسة: الكذب، والغيبة، والمماراة، والمدح، والمزاح.

#### الأولى الكذب

وقد قال ﷺ: «لا يزال العبد يكذب ويتحرّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً». وقال ﷺ: «ويل للذي يُحدّث فيكذب ليضحك منه الناس، ويل له ويل له». وقيل: يا رسول الله، أيزني المؤمن؟ أيسرق المؤمن؟ قال عليه السلام: «قد يكون ذلك»، فقيل له: أيكذب؟ فقال: «لا، إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله». وقال عليه السلام: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وكان متكئاً فقعد، وقال عليه السلام: «ألا وقول الزُّور»، وقال عليه السلام: «كل خصلة يطبع الله عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب».

#### فصل

اعلم أن الكذب حرام في كل شيء، إلا لضرورة، حتى قالت امرأة لولدها الصغير: تعال حتى أعطيك، فقال النبي ﷺ: «وماذا كنت تعطينه لو جاء؟» قالت: تمرة. قال: «أما لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة». فليحذر الإنسان الكذب حتى في التخيّل وحديث النفس، فإن ذلك يثبت في النفس صورة معوجّة حتى تكذب الرؤيا فلا تتكشف في النوم أسرار الملكوت، والتجربة تشهد بذلك. نعم إنما يرخص في الكذب إذا كان الصدق يُفضي إلى محذور آخر أشد من الكذب، فيباح كما تباح الميتة إذا أدى تركها إلى محذور أشد من أكلها، وهو فوات الرُّوح. قالت أم كلثوم ـ رضي الله عنها ـ: «ما رَخَّص رسول الله ﷺ في شيء من الكذب إلا في ثلاث: الرجل يقول القول يريد الإصلاح، والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته». وهذا لأن أسرار الحرب لو وقف عليها العدوّ اجترأ، وأسرار الزوج لو وقفت عليها المرأة نشأ منها فساد أعظم من فساد الكذب، وكذلك المتخاصمان تدوم بينهما المعصية والعداوة، فإذا أمكن الإصلاح بكذب، فذلك أولى. فهذا ما ورد فيه الخبر. وما في معناه: كذب الإنسان ليستر مال غيره عن ظالم، أو إنكاره لسر غيره، بل إنكاره لمعصية نفسه عن غيره، فإن المجاهرة بالفسق وإظهاره حرام، وإنكاره جناية نفسه على غيره لتطيّب قلبه، وكذلك إنكاره مع زوجته أن تكون ضرّتها أحبّ إليه، وكل ذلك يرجع إلى دفع المضرّات. ولا يباح لجلب زيادة مال وجاه، وفيه يكون كذب أكثر الناس. ثم إذا اضطر إلى الكذب فليعدل إلى المعاريض[^82] ما أمكن حتى لا يعتاد نفسه الكذب.

كان إبراهيم بن أدهم إذا طُلب في الدار قال لخادمته: قولي له اطلبه في المسجد. وكان الشعبي يخطّ دائرة، ويقول لخادمته: «ضعي الإصبع فيها، وقولي: ليس ههنا». وكان بعضهم يعتذر عن الأمير ويقول: منذ فارقتك ما رفعت جنبي من الأرض إلا ما شاء الله تعالى. وكان بعضهم يُنكر ما قال فيقول: إن الله ليعلم ما قلت من ذلك من شيء، فيوهم النفي بحرف «ما» وهو يريد غير ذلك[^83]. وتباح المعاريض لغرض خفيف، لقوله ﷺ: «لا تدخل الجنة عجوز، ونحملك على ولد البعير، وفي عيني زوجك بياض»، لأن هذه الكلمات أوهمت خلاف ما أراد، فيباح مثل ذلك مع النساء والصبيان لتطييب قلوبهم بالمزاح. وكذلك من يمتنع عن أكل الطعام فلا ينبغي أن يكذب ويقول: لا أشتهي إذا كان يشتهي، بل يعدل إلى المعاريض؛ قال النبي عليه السلام لامرأة قالت ذلك: «لا تجمعي كذباً وجوعاً».

#### الآفة الثانية الغيبة

قال الله تعالى: ﴿أيُحبُّ أحدُكم أن يأكلَ لحمَ أخيه مَيْتاً فكرِهْتُموه﴾ [الحجرات: ١٢]. وقال عليه السلام: «الغيبة أشد من الزنا»، وأوحى الله تعالى إلى موسى ـ عليه السلام ـ: «من مات تائباً من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة، ومن مات مصرًّا عليها فهو أول من يدخل النار». وقال ﷺ: «مررت ليلة أُسري بي على قوم يخمشون وجوههم بأظفارهم، فقيل لي: هؤلاء الذين كانوا يغتابون الناس».

واعلم أن حدّ الغيبة ـ كما بيّنه رسول الله ﷺ ـ أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه، وإن كنت صادقاً، سواء ذكرت نقصاناً في نفسه، أو عقله، أو ثوبه، أو فعله، أو قوله، أو داره، أو نسبه، أو دابته، أو شيئاً مما يتعلق به، حتى قولك إنه واسع الكم، أو طويل الذَّيل؛ حتى ذُكر عند رسول الله ﷺ رجل فقيل: ما أعجزه، فقال عليه السلام: «اغتبتموه». وأشارت عائشة ـ رضي الله عنها ـ بيدها إلى امرأة أنها قصيرة، فقال عليه السلام: «اغتبتِها».

فبهذا يُعلم أن الغيبة لا تقتصر على اللسان، بل لا فرق بين أن يحصل التفهيم باليد أو بالرمز أو بالإشارة أو بالحركة أو بالمحاكاة أو التعريض المُفْهِم، كقولك: إن بعض أقربائنا وبعض أصدقائنا كذا كذا.

واعلم أن أخبث أنواع الغيبة غيبة القرّاء، يقولون مثلاً: الحمد لله الذي لم يبتلنا بالدخول على السلطان لطلب الدنيا؛ أو: نعوذ بالله من قلة الحياء؛ وهم يفهمون المقصود بذلك، يقولون: ما أحسن أحوال فلان لولا أنه بلي بمثل ما ابتلي به أمثالنا، وهو قلة الصبر عن الدنيا، فنسأل الله تعالى أن يعافينا؛ وغرضهم بذلك الغيبة، فيجمعون بين الغيبة والرياء، وإظهار التشبه بأهل الصلاح في الحذر من الغيبة. وهذه خبائث يغترّون بها وهم يظنون أنهم تركوا الغيبة. وكذلك قد يغتاب واحد فيغفل عنه الحاضرون فيقول: سبحان الله ما أعجب هذا، حتى ينتبه القوم إلى الإصغاء، فيستعمل ذكر الله في تحقيق خبثه، ويقول: قلبي مشغول بفلان تاب الله علينا وعليه، وليس غرضه الدعاء بل التعريف؛ ولو قصد الدعاء لأخفاه، ولو اغتمّ قلبه لأجله لكتم عيبه ومعصيته. وكذلك المستمع، قد يظهر تعجباً من كلام المغتاب حتى يزيد نشاطه في الغيبة؛ والمستمع أحد المغتابين، كذلك قال رسول الله ﷺ، فكيف إذا حرّك نشاطه بالتعجب! وكذلك قد يقول: دع غيبة فلان؛ وهو بقلبه غير كاره لغيبته، إنما غرضه أن يُعرف بالتورع؛ وذلك لا يُخرجه عن إثم الغيبة ما لم يكرهها بقلبه ويورطه في إثم الرياء، بل يخرج من الإثم بأن يكرهه قلبه، ويكذب المغتاب ولا يصدّقه عليه، لأنه فاسق يستحق التكذيب.

والمسلم المذكور بالغيبة يستحق إحسان الظنّ به؛ قال رسول الله ﷺ: «إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وماله وأن يُظنّ به ظنّ السوء». فالغيبة بالقلب حرام، كما أنه باللسان حرام إلا أن يضطرّ إلى معرفته بحيث لا يمكنه التجاهل.

#### فصل

إنما يرخص في الغيبة في ستة مواضع:

الأول منها: المتظلم يذكر ظلم الظالم عند سلطان ليدفع ظلمه؛ فأما عند غير سلطان وعند غير مَن لا يقدر على الدفع فلا. اغتيب الحجاج عند بعض السلف، فقال: إن الله لينتقم للحجاج ممن اغتابه، كما ينتقم من الحجاج لمن ظلمه.

الثاني: الذي يستعان به على تغيير المنكر يجوز أن يذكر له أيضاً.

الثالث: المستفتى إذا افتقر إلى ذكر السؤال كما قالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني. وهذا كله شكاية، ولكن إنما يحل إذا كانت فيها فائدة.

> **Passage douteux** — Compris comme « celui qui demande un avis juridique » (al-mustaftî).

الرابع: تحذير المسلم من شر الغير إذا علم أنه لو لم يذكره لقبلت شهادته. كما يذكر المزكّي إذ يعامل ويناكح فيتضرر به فيذكر لمن يتوقع ضرره به فقط.

> **Passage douteux** — Passage qui paraît abîmé dans l’édition elle-même ; traduit selon le sens probable.

الخامس: أن يكون معروفاً باسم فيه عيب كالأعمش والأعرج، فالعدول إلى اسم آخر أولى.

السادس: أن يكون مجاهراً بذلك العيب لا يكرهه أن يذكر، كالمخنث وصاحب الماخور[^84]. قال الحسن: ثلاثة لا غيبة لهم: صاحب الهواء، والفاسق المعلن بالفسق، والإمام الجائر. وهؤلاء يجمعهم أنهم مجاهرون لا يكرهون الذكر. والصحيح أن ذكر الفاسق بمعصية يخفيها ويكره ذكرها لا يجوز من غير عذر.

> **Passage douteux** — L’imprimé porte « al-hawâ’ » (l’air), probablement pour « al-hawâ » (la passion) ; traduit dans ce sens.

#### فصل

علاج النفس في كفّها عن الغيبة أن يتفكر في الوعيد الوارد فيها في قوله ﷺ: «إن الغيبة أسرع في حسنات العبد من النار في اليبس». وورد أن حسنات المغتاب تنقل إلى ديوان المظلوم بالغيبة، فينظر في قلة حسناته وكثرة غيبته، وأنه ينتهي إلى إفلاسه على القرب، ثم يتفكر في عيوب نفسه، فإن كان فيه عيب فيشتغل عن غيره، وإن كان قد ارتكب صغيرة فيعلم أن ضرره من صغيرة نفسه أكثر من ضرره من كبيرةِ غيره، وإن لم يكن فيه عيب، فيعلم أن جهله بعيوب نفسه أعظم عيب. ومتى يخلو الإنسان من عيب؟ ثم إن خلا منه فليشكر الله تعالى بدلاً من الغيبة، فإن ثَلْبَ الناس وأكل لحم الميتة، من أعظم العيوب، فليحذر منه. ثم مهما سبق لسانه إلى الغيبة، فينبغي أن يستغفر الله تعالى، ويذهب إلى المغتاب ويقول: ظلمتك فاعف عني! فيستحله؛ فإن لم يصادفه فليكثر من الثناء عليه، ومن الدعاء له، ومن الحسنات، حتى إذا نقل بعضها إلى ديوان المظلوم، بقي له ما يكفيه؛ فهي كفّارة الغيبة.

#### الآفة الثالثة المراء والمجادلة

قال ﷺ: «من ترك المراء وهو محقّ بني له بيت في أعلى الجنة، ومن تركه وهو مُبطِل بني له بيت في ربض الجنة»، وهذا لأن الترك على المحق أشد. وقال عليه السلام: «لا يستكمل العبد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وهو محق». وحدّ المراء هو الاعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه، إما في اللفظ، وإما في المعنى. والباعث عليه تارة الترفع بإظهار الفضل، وسببه خبث الرعونة، وإما السَّبُعية[^85] التي في الطبع المتشوفة إلى تنقيص الغير وقهره. فالمراء والمجادلة تقوية لهذين الخبيثين المهلكين، بل الواجب أن يصدّق ما سمعه من الحق، ويسكت عما سمعه من الخطأ، إلا إذا كان في ذكره فائدة دينية، وكان يسمع منه، فيذكره برفق لا بعنف.

#### الآفة الرابعة المزاح

والإفراط فيه يكثر الضحك، ويميت القلب، ويورث الضغينة، ويسقط المهابة والوقار؛ قال ﷺ: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة يُضحك بها جلساءه فيهوي بها أبعد من الثريا». وقال عليه السلام: «لا تمار أخاك ولا تمازحه». واعلم أن اليسير منه في بعض الأوقات لا بأس به، لاسيما مع النساء والصبيان تطييباً لقلوبهم، نقل ذلك عن رسول الله ﷺ لكنه قال: «إني لأمزح ولا أقول إلا حقًّا»، ويعسر على غيره ضبط ذلك. وقد رُوي أنه سابق عائشة ـ رضي الله عنها ـ بالعَدْو. وقال عليه السلام لعجوز: «لا يدخل الجنة عجوز»، أي لا يبقى عجوز في الجنة[^86]. وقال لصبيّ: «يا أبا عُمير ما فعل النُّغَير؟»، والنغير ولد العصفور كان يلعب به الصبي. وقال ﷺ لصهيب وهو يأكل التمر: «أتأكل التمر وأنت رمد؟»، وقال: إنما آكل بالشق الآخر، فتبسم رسول الله ﷺ. فهذا وأمثاله من المفاكهة لا بأس بها، بشرط أن لا يتخذها عادة.

#### الآفة الخامسة المدح

كما جرت به عادة الناس عند المُحْتَشَمين[^87] من أبناء الدنيا، وكما جرت به عادة القصّاص والمذكرين، فإنهم يمدحون من يحضر مجالسهم من الأغنياء. وفي المدح ست آفات: أربع على المادح، واثنتان على الممدوح. وأما المادح، فالآفة الأولى فيه أنه قد يُفرِط فيه فيذكره بما ليس فيه فيكون كذاباً. الثانية: أنه قد يُظهر له من الحب ما لا يعتقده فيكون منافقاً مرائياً. الثالثة: أنه يقول ما لا يتحققه، فيكون مجازفاً، كقوله إنه عَدْل وإنه ورع وغير ذلك مما لا يتحقق فيه. مدح رجل بين يدي رسول الله ﷺ رجلاً، فقال عليه السلام: «ويحك قطعت عنق صاحبك! إن كان لا بد من كون أحدكم مادحاً أخاه فليقل: أحسب فلاناً ولا أزكّي على الله أحداً، حسيبه الله إن كان يرى أنه كذلك». الرابعة: أن يفرح الممدوح به، وربما كان ظالماً فيعصي بإدخال السرور على قلبه؛ وقال ﷺ: «إن الله ليغضب إذا مُدح الفاسق». وقال الحسن: «من دعا لفاسق بالبقاء فقد أحب أن يُعصى الله». فالظالم الفاسق ينبغي أن يذم لتفتر رغبته في الظلم والفسق.

وأما الممدوح، فإحدى الآفتين أن يحدث فيه كِبْراً أو إعجاباً وهما مهلكان؛ ولذلك قال عليه السلام: «قطعت عنق صاحبك». الثانية: أن يفرح به فيفتر عن العمل ويرضى عن نفسه؛ قال ﷺ: «لو مشى رجل إلى رجل بسكين مرهف، كان خيراً له من أن يثني عليه في وجهه».

وأما إذا سلم المدح من هذه الآفات في المادح والممدوح، فلا بأس به، وربما يُندب إليه؛ قال ﷺ: «لو وُزن إيمان أبي بكر بإيمان العالمين لَرَجَح». وقال ﷺ: «لو لم أُبعث لَبُعِثتَ يا عمر». وقد أثنى على كثير من الصحابة إذ علم أن ذلك يزيد في نشاطهم ولا يُورِثهم عُجْباً.

#### فصل

حق على الممدوح أن يتأمل في خطر الخاتمة، ودقائق الرياء، وآفات الأعمال، ويتذكر ما يعرفه من نفسه من القبائح الباطنة، لا سيما في أفكاره وحديث نفسه، ما لو عرفه المادح لكفّ عن المدح. وينبغي أن يظهر كراهة المدح ويكرهه بالقلب؛ وإليه الإشارة بقوله ﷺ: «احثُوا التراب في وجوه المدّاحين». وقال بعضهم لمّا أُثني عليه: اللهم إن عبدك هذا تقرّب إليّ بمقتك، وأنا أُشهدك على مقته. وقال عليّ ـ رضي الله عنه ـ لمّا أُثني عليه: «اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيراً مما يظنون».

### الأصل الثالث في الغضب

اعلم أن الغضب شعلة نار اقتُبست من نار الله الموقدة التي تَطَّلع على الأفئدة. ومن غلب عليه فقد نزع إلى عِرْق الشيطان فإنه مخلوق من النار. وكسْر شدّة الغضب من المهمات في الدين؛ قال ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». وقال عليه السلام: «الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصَّبِر العسل». وقال عليه السلام: «ما غضب أحد قط إلا أشْفَى على جهنم». وقال رجل: يا رسول الله، أي شيء أشد؟ قال: «غضب الله». قال: فما ينقذني من غضب الله؟ قال: «أن لا تغضب». وقال رجل لرسول الله ﷺ: مُرني بعمل وأقلِّل! فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تغضب»، فأعاد عليه رسول الله ﷺ مراراً وهو يقول: «لا تغضب». فكيف لا تعظم آفة الغضب، وهو يحمل في الظاهر على الضرب والشتم وإطالة اللسان، وفي الباطن، على الحقد والحسد وإظهار السوء والشماتة والعزم على إفشاء السرّ وهتك الستر، والفرح بمصيبة المغضوب عليه والغم بمسرته. وكل واحدة من هذه الخبائث مهلك.

#### فصل

عليك في صفة الغضب وظيفتان:

إحداهما: كسره بالرياضة؛ ولست أعني بكسره إماطته[^88]، فإنه لا يزول أصله ولا ينبغي أن يزول، بل إن زال وجب تحصيله، لأنه آلة القتال مع الكفار، والمنع من المنكرات وكثير من الخيرات[^89]. وهو ككلب الصائد، إنما رياضته في تأديبه حتى ينقاد للعقل والشرع فيهيج بإشارة العقل والشرع، ويسكن بإشارتهما ولا يخالفهما، كما ينقاد الكلب للصياد. وهذا ممكن بالمجاهدة، وهو اعتياد الحلم والاحتمال مع التعرض للمغضبات.

الثانية: ضبط الغضب عند الهيجان بالكظم. ويُعين عليه علم وعمل؛ أما العلم، فهو أن يعلم أنه لا سبب لغضبه إلا أنه أنكر أن يجري الشيء على مراد الله لا على مراده، وهذا غاية الجهل. والآخر أن يعلم أن غضب الله عليه أعظم من غضبه عليه، وأن فضل الله أكبر. وكم عصاه وخالف أمره! فلِمَ يغضب عليه إن خالفه غيره؟ فليس أمره عليه الزم على عبده وأهله ورفقته من أمر الله عليه. وأما العمل، فهو أن يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، إذ يعلم أن ذلك من الشيطان؛ فإن لم يسكن، جلس إن كان قائماً، ويضطجع إن كان قاعداً، وكذلك ورد الخبر باختلاف الحال أنه يؤثر في التسكين، وإن لم يسكن فيتوضأ؛ قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان خُلق من النار، وإنما تُطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ»، وقال عليه السلام: «ألا إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، ألا ترون إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليضرب خدّه بالأرض». وهذه إشارة إلى تمكين أعز الأعضاء من أذلّ المواضع، لينكسر الكبر، فإنه السبب الأعظم في الغضب، ليعلم أنه عبد ذليل فلا يليق به الكبر.

> **Passage douteux** — L’imprimé porte « الزم » sans hamza, probablement pour « ألزم » (plus contraignant) ; traduit dans ce sens.

قال رسول الله ﷺ: «إن الرجل ليدرك بالحلم درجة القائم والصائم، وإنه ليكتب جباراً وما يملك إلا أهل بيته»، وقال ﷺ: «من كَظَم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله تعالى قلبه يوم القيامة أمناً وإيماناً»، وقال عليه السلام: «ما من جرعة أحب إلى الله تعالى من جرعة غيظ يكظمها عبد، وما كظمها عبد إلا ملأ الله جوفه إيماناً».

### الأصل الرابع في الحسد

قال رسول الله ﷺ: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»، وقال عليه السلام: «ثلاث لا ينجو منهن أحد: الظن، والطِّيَرة، والحسد، وسأحدثكم بالمخرج من ذلك، إذا ظننت فلا تحقِّق، وإذا تطيَّرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغِ». وقال عليه السلام: «دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضة هي الحالقة[^90]». وقال زكريا عليه السلام: قال الله تعالى: «الحاسد عدو لنعمي، مسخط لقضائي، غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي».

واعلم أن الحسد حرام، وهو أن تحب زوال النعمة من غيرك، أو تحب نزول مصيبة به، ولا تحرَّم المنافسة، وهي أن تغبط وتشتهي لنفسك مثله، ولا تحب زوالها منه. ويجوز أن تحب زوال النعمة ممن يستعين بها على الظلم والمعصية، لأنك لا تريد زوال النعمة، وإنما تريد زوال الظلم؛ وعلامته أنه لو ترك الظلم والمعصية لم تحب زوال نعمته. وسبب الحسد إما الكِبْر، وإما العداوة، وإما خبث النفس، إذ يبخل بنعمة الله على عباده من غير غرض فيه له.

> **Passage douteux** — Mots partiellement masqués par le filigrane du scan, rétablis d’après le contexte.

#### فصل

اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلب، ومرض القلب لا يُداوَى إلا بمعجون العلم والعمل:

فأما العلاج العلمي: فهو أن يعلم أن حسده يضره ولا يضر محسوده بل ينفعه؛ أمّا أنه يضره، فهو أنه يبطل حسناته، ويعرضه لسخط الله تعالى، إذ يسخط قضاء الله ويشح بنعمته التي وسعها من خزائنه على عباده، وهذا ضرر في دينه. وأما ضرره في دنياه، فهو أنه لا يزال في غم دائم وكمد لازم: وذلك مراد عدوه منه، فإن أهم أغراض عدوه وأكمل النعمة عليه، حزن حاسده، فقد كان يريد المحنة لعدوه فحصلت له. والحسود لا يخلو قط من الغم والمحنة؛ إذ لا يزال أعداؤه أو واحد منهم في نعمة. وأمّا أنه ينفع عدوه ولا يضره؛ لأن النعمة لا تزول بحسده، وأنه يضاعف حسناته؛ إذ تنتقل حسنات الحاسد إليه، لا سيما إذا طوَّل اللسان فيه، فإنه مظلوم من الحاسد، فقد طلب الحاسد زوال نعمة الدنيا منه، فأضاف إليه نعمة الآخرة وحصل لنفسه مع عذاب الدنيا عذاب الآخرة، فهو كمن رمى عدوه بحجر فلم يصب عدوه، وعاد إلى عينه فأعماها، وزادت عليه شماتة عدوه إبليس، فإنه فاتته النعمة وفاته الرضاء بالقضاء، ولو رضي به لكان فيه ثواب، لا سيما إذا حسد على العلم والورع، فإن محب العلم يعظم ثوابه.

وأما العلاج العملي: فهو أن يعرف حكم الحسد وما يتقاضاه من قول وفعل، فيخالفه ويعمل بنقيضه، فيثني على المحسود، ويظهر الفرح بنعمته، ويتواضع له؛ وبذلك يعود المحسود صديقاً له، ويزايله الحسد، ويتخلص من إثمه وألمه، قال الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بالتي هي أحسنُ فإذا الذي بَيْنَك وبينَه عَداوةٌ كأنَّه وَليٌّ حميم﴾ [فصلت: ٣٤].

#### فصل

لعلّ نفسك لا تطاوعك على التسوية بين عدوك وصديقك، بل تكره مساءة الصديق دون العدو، وتحب نعمة الصديق دون العدو. ولست مكلفاً بما لا تطيق، فإن لم تقدر على ذلك فتتخلص من الإثم بأمرين: أحدهما، أن لا تظهر الحسد بلسانك وجوارحك وأعمالك الاختيارية، بل تخالف موجبها. والثاني، أن تكره من نفسك حبَّها زوال نعمة الله تعالى عن عبد من عباده. فإذا اقترنت الكراهة عن باعث الدين بحب زوال النعمة التي اقتضاه الطبع، اندفع عنك الإثم. وليس عليك تغيير الطبع، فإن ذلك لا تقدر عليه في أكثر الأحوال. وعلامة الكراهية أن تكون بحيث لو قدرت على إزالة نعمته لم تُقدم على الإزالة مع حبك لها، ولو قدرت على معونته في دوام نعمته أو في زيادتها فعلت مع كراهيتك لذلك. فإذا كنت كذلك، فلا إثم عليك فيما يتقاضاه طبعك، فإن الطبع إنما يصير مقهوراً في حق المستهتر بالله، الذي انقطع نظره عن الدنيا وعن الخلق؛ بل علم أنّ المُنعَم عليه إن كان في النار فما تنفع هذه النعمة، وإن كان في الجنة فأي نسبة لهذه النعمة إلى الجنة؛ بل يرى كلَّ الخلق عباد الله تعالى فيحبهم لأنهم عباد لمحبوبه، ويحب أن يظهر أثر نعمة محبوبه على عباده، وهذه حالة نادرة لا تدخل تحت التكليف.

### الأصل الخامس في البخل وحب المال

واعلم أن البخل من المهلكات العظيمة؛ قال الله تعالى: ﴿ومَنْ يُوقَ شُحَّ نفسِه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر: ٩، التغابن: ١٦]. وقال الله تعالى: ﴿ولا يحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلون بما آتاهم اللَّهُ مِن فضلِه﴾ [آل عمران: ١٨٠] الآية. وقال الله تعالى: ﴿الذين يَبْخلون ويأمرون الناسَ بالبُخل﴾ [النساء: ٣٧، الحديد: ٢٤] الآية. وقال ﷺ: «إياكم والبخل، فإنه أهلك من كان قبلكم». وقال ﷺ: «السخاء شَجرة تنبت في الجنة فلا يلجُ الجنة إلا سخيّ، والبخلُ شجرة تنبت في النار فلا يلج النارَ إلا بخيل». وقال عليه السلام «ثلاث مهلكات: شُحٌّ مُطاع، وهوًى مُتَّبع، وإعجابُ المرء بنفسِه». وقال عليه السلام: «شرٌّ ما في الرَّجل شحٌّ هالع وجبن خالع[^91]». وقال عليه السلام: «إن الله يمقت البخيل في حياته، ويحب السخي عند موته». وقال عليه السلام: «السخي الفاجر أحب إلى الله من العابد البخيل». وقال عليه السلام: «لا يجتمع اثنان في مؤمن: البخل وسوء الخلق».

#### فصل

اعلم أن أصل البخل حب المال، وهو مذموم. ومن لا مال له لا يظهر بخله بالإمساك، ولكن يظهر بحب المال، ورُبَّ رجل سخي لكنه يحب المال، فيسخى به ليُذكر بالسخاء؛ وذلك أيضاً مذموم، لأن حب المال يُلهي عن ذكر الله عز وجل، ويصرف وجه القلب إلى الدنيا، ويُحْكِم علاقته فيها، حتى يثقل عليه الموت الذي فيه لقاء الله تعالى؛ قال الله عز وجل: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا لا تُلْهِكم أموالُكم ولا أولادُكم عن ذكر الله﴾ [المنافقون: ٩] وقال الله تعالى: ﴿إنما أموالُكم وأولادُكم فتنة﴾ [التغابن: ١٥] وقال تعالى: ﴿ألهاكم التكاثر﴾ [التكاثر: ١]. وقال ﷺ: «لا تتخذوا الضيعة[^92] فتحبوا الدنيا». وقيل للنبي عليه الصلاة والسلام: أيّ أمتك أشرّ؟ فقال عليه السلام: «الأغنياء». وقال عليه السلام: «من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه، أخذ حتفه وهو لا يشعر». وقال رجل: يا رسول الله، إني لا أحب الموت، قال عليه السلام: «هل لك مال؟» قال: نعم، قال عليه السلام: «قدّم مالك، فإن قلب الرجل مع ماله، فإن قدمه أحب أن يلحقه، وإن أخره أحب أن يتخلف». وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا مات العبد قالت الملائكة: ما قدّم؟ وقال الناس: ما خلّف؟». وقال عليه الصلاة والسلام: «تعس[^93] عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتُقِش»[^94].

#### فصل

اعلم أن المال ليس مذموماً من كل وجه، وقد قال رسول الله ﷺ: «نعم المال الصالح للرجل الصالح»، وقال عليه الصلاة والسلام: «الدنيا مزرعة الآخرة». وكيف يكون مذموماً مطلقاً والعبد مسافر إلى الله تعالى، والدنيا منزل من منازل سفره، وبَدَنُه مركبه، ولا يمكنه السفر إلى الله إلا به، ولا يبقى البدن إلا بمطعَم وملبس، ولا وصول إليهما إلا بالمال؟ لكن من فهم فائدة المال وعلم أنه آلة عَلَفِ الدابة لسلوك الطريق، لم يُعرِّج عليه، ولم يأخذ منه إلا قدر الزاد، فإن اقتصر على ذلك سعد به كما قال النبي عليه السلام لعائشة ـ رضي الله عنها ـ: «إذا أردت اللحاق بي فاقنعي من الدنيا بزاد الراكب، ولا تجددي ولا تخلعي قميصاً حتى ترقعيه»، وقال عليه الصلاة والسلام: «اللهم اجعل قوت آل محمد كفافاً، وإن زاد على قدر الكفاية هلك». كما قال عليه الصلاة والسلام: «من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه، أخذ حتفه وهلك وهو لا يشعر». وكذلك المسافر، إذا أخذ ما يزيد على زاد الطريق مات تحت ثقله، ولم يبلغ مقصد سفره. فالزيادة على قدر الكفاية مَهْلكة من ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يدعو إلى المعاصي، فإنه يمكن منها ومن العصمة أن لا تقدر، وفتنة السرّاء[^95] أعظم من فتنة الضراء[^96]، والصبر مع القدرة أشد.

والثاني: أن يدعو إلى التنعم بالمباحات، وهو أقل الدرجات، فينبت على التنعم جسده، ولا يمكنه الصبر عنه. وذلك لا يمكن استدامته إلا بالاستعانة بالخلق والالتجاء إلى الظلمة، وذلك يدعو إلى النفاق والكذب والرياء والعداوة والبغضاء، ويتشعب منه جملة المهلكات؛ ولذلك قال ﷺ: «حب الدنيا رأس كل خطيئة».

والثالث: أن يلهى عن ذكر الله عز وجل الذي هو أساس السعادة الأخروية، إذ يزدحم على القلب خصومة المُلاحين، ومحاسبة الشركاء والتفكر في تدبير الحذر منهم، وتدبير استنماء المال وكيفية تحصيله أولاً، وحفظه ثانياً، وإخراجه ثالثاً؛ وكل ذلك مما يُسوِّد القلب، ويزيل صفاءه ويُلهي عن الذكر، كما قال الله تعالى: ﴿ألهاكم التكاثر﴾ إلى آخر السورة.

#### فصل

لعلك تشتهي أن تعرف مقدار الكفاية وتقول: ما من غني إلا ويدَّعي أن ما في يده دون مقدار الكفاية. فاعلم أن الضرورة إنما تدعو إلى المطعم والملبس فقط، فإن تركت التجمل في الملبس، فيكفيك في السنة ديناران لشتائك وصيفك، فتتخذ بهما ثوباً خشناً يدفع عنك الحرّ والبرد؛ وإن تركت التنعم في مطعمك والشبع من الطعام في جميع أحوالك، فيكفيك في كل يوم مُدٌّ، فيكون في السنة خمسمائة رطل، ويكفيك لإدامك ـ إن لم توسّع فيه واقتصرت على اليسير منه في بعض الأوقات ـ ثلاثة دنانير على التقريب في السنة، عند رخاء الأسعار. فإذاً يبلغ كفايتك خمسة دنانير وخمسمائة رطل، وهو القدر الذي نقدره إذا فرضنا نفقة العزب. فإن كنت معيلاً فخذ لكل واحد منهم مثل ذلك؛ فإذا كنت كسوباً وكسبت في اليوم ما يكفيك ليومك، فانصرف واشتغل بعبادتك، فإن طلبت الزيادة صرت من أهل الدنيا. وإن لم تكن كَسُوباً وكنت مشغولاً بالعلم والعبادة، واقتنيت ضيعة يدخل منها هذا القدر دائماً، فأرجو أن لا تصير بذلك من أهل الدنيا، لا سيما في هذه الأعصار[^97]، وقد تغيرت القلوب، واستولى عليها الشحُّ، وانصرفت الهمم عن تفقد ذوي الحاجات. فاقتناء هذا القدر أولى من السؤال؛ وهذا بشرط أن يكون بودِّك أن تتخلص من التعرض إلى الجوع والبرد، لتطرح الضيعة وتتركها، ولا تكون كارهاً للموت، ولا محباً للضيعة. ولتكن الضيعة ـ وهي مدخل طعامك ـ كالخلاء الذي هو موضع فراغك، فإنما تريده للضرورة، وبودك لو تخلصت منه لتخرج عن النهي في قوله ﷺ: «لا تتخذوا الضيعة فتحبوا الدنيا»؛ فإنك إذا قصدت الفراغة للاستعانة بها على الدين، كنت متزوداً مسافراً لا معرجاً على الضيعة.

وربما لا يحتمل بعض الأشخاص القناعة بالقدر الذي ذكرته إلا بشدة ومشقة. ولا حرج في الدين في ازدياد الضعف على هذا القدر؛ إذ لا يصير من أبناء الدنيا ولا يخرج من حزب أبناء الآخرة والمسافرين إلى الله تعالى ما دام يقصد بذلك دفع الألم الشاغل عن الذكر والعبادة دون التلذذ والتنعم في الدنيا. ثم ما فضَل من الطعام صرفه إلى البائس والأرامل، ولا يبقى بعد هذه الرخصة داعية إلى الزيادة إلا للتنعم أو للتصدق أو للاستظهار، لو أصاب المال آفة. أمّا التنعّم فإعراض عن الله تعالى، واشتغال بالدنيا، وأما التصدق، فترك المال أفضل منه؛ قال عيسى عليه السلام: «يا طالب الدنيا لتبرَّ فتركك لها أبرّ وأبرّ». وأما الاستظهار، لخوف آفة، فذلك لا مرد له، وهو سوء الظن لا آخر له، بل ينبغي أن تدفع ذلك بحسن الظن بتدبير الله عز وجل، وهو أن تتصور أن تصيب المال آفة من حيث لا يتوقع فيتصور أن ينفتح للرزق أيضاً باب لا يحتسب، ﴿ومَن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. وإن فرض على الندور خلافه، فلا ينبغي أن يعتقد العبد أن سلامته ـ طول عمره ـ عن البلاء محتوم، بل البلاء هو الذي يصقل القلب ويزكيه، ويخلصه من الخبائث كلها؛ ولهذا كان موكلاً بالأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل. فاتكل على فضل الله، واعلم أنك لا يصيبك إلا ما فيه خيْرُك وخيرَتك[^98]، فإن الله مدبِّر الملك والملكوت أعلم بمصالحك.

#### فصل

هذا الذي ذكرته تقريب يمكن الزيادة عليه والنقصان منه بالاجتهاد في بعض الأشخاص وفي بعض الأحوال. ولكن اعتقد قطعاً أن المال كالدواء النافع منه قدر مخصوص، والإفراط فيه قاتل، والقرب من الإفراط ممرض إن لم يقتل. فعليك بالتقليل والحذر من الإفراط والرفاهية، فذلك خطر عظيم. وليس في التقليل إلا مشقة قليلة في أيام قلائل؛ وذو الحزم لا يثقل عليه أن يجوّع نفسه لوليمة الفردوس، لعلمه أن اللذة على قدر الجوع.

#### فصل

لعلك ترغب في معرفة حدّ البخل، إذ الشخص الواحد قد تشك في أنه بخيل أم لا، ويختلف الناس فيه. فاعلم أن حدّ البخل منع ما يوجبه الشرع أو المروءة. ولا تظن أن من سلَّم إلى زوجته وقريبه ما فرضه القاضي، وضايق وراء ذلك في لقمة، فليس ببخيل، وأن من رد الخبز واللحم إلى الخباز والقصاب لنقصان قدر منه يسير ليس ببخيل، وإن كان له ذلك في الشرع، فإن معنى الشرع في هذه الأمور قطع خصومة البخلاء بتقدير مقدار يطيقه البخيل؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿إن يَسْأَلْكُمُوها فيُحْفِكُمْ تَبْخلوا﴾ [محمد: ٣٧]. بل لا بدّ من مراعاة المروءة ودفع قبح الأُحدوثة، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص وقدر المال. ومن له مال وأمكنه أن يقطع هجو شاعر وذمه عن نفسه بقدر يسير فلم يفعله، فهو بخيل، وإن لم يكن ذلك واجباً عليه، إذ قال ﷺ: «ما وقى المرءُ به عِرضَهُ فهو له صَدَقة». والتحقيق فيه أن المال خُلق لفائدة لأجلها يمسَك، وفي بذله أيضاً فائدة. فمهما ظهر له أن فائدة البذل أعظم من فائدة الإمساك، ثم شق عليه البذل فهو بخيل محب للمال. والمال لا ينبغي أن يُحَبّ لذاته بل لفائدته، فيصرف إلى أقوى فائدة. وحفظ المروءة أفضل وأقوى من التنعم بالأكل الكثير مثلاً. وقد يحمله البخل وحبُّ المال على أن يجهل أقوى الفائدتين وأَوْلاهما وذلك غاية البخل. فإن علم وعسر عليه البذل فهو بخيل أيضاً، وإن بذل تكلفاً؛ بل إنما يبرأ من البخل بأن لا يثقل عليه بذل المال فيما ينبغي أن يبذل فيه عقلاً وشرعاً. وأما درجة السخاء، فلا تنال إلا ببذل ما يزيد على واجب الشرع والمروءة جميعاً.

#### فصل

لعلك تريد أن تفهم علاج البخل. فاعلم أن دواءه معجون مركَّب من العلم والعمل. أما العلم فهو أن تعلم ما في البخل من الهلاك في دار الآخرة، والمذمة في الدنيا، وتعلم أن المال لا يتبعه ـ إن بقي ـ إلى قبره؛ وإنما المال لله تعالى، مكّنه منه لصرفه إلى أهمّ أموره. وتعلم أن إمساك المال، إن كان للتنعم في الشهوات، فحُسْن الأحدوثة وثواب الآخرة أعظم وألذّ منه. فقضاء الشهوة سجية البهائم، وهذه سجية العقلاء؛ وإن كان يمسكه ليتركه لولده فكأنه يترك ولده بخير ويقدم على ربه بشرّ، وهذا عين الجهل. وكيف وولده إن كان صالحاً فالله تعالى يكفيه، وإن كان فاسقاً فيستعين به[^99] على المعصية، ويكون هو سبب تمكنه منها، فيتضرر هو ويتنعَّم غيره! وأما العمل، فهو أن يحمل نفسه على البذل تكلُّفاً، ولا يزال يفعل ذلك حتى يصير له عادة. ومن نوافذ حيله فيه أن يخدعه بحسن الاسم وتوقع المكافأة حتى يرغب في البذل، ثم بعد ذلك يتدرج أيضاً إلى قمع هذه الصفات.

### الأصل السادس الرعونة وحب الجاه

قال الله عز وجل: ﴿تلك الدارُ الآخرةُ نَجعلها للذين لا يريدون عُلوًّا في الأرض ولا فساداً﴾ [القصص: ٨٣] الآية. وقال عليه السلام: «حب المال والجاه يُنْبتان النفاق في القلب، كما يُنبت الماء البَقْل». وقال عليه الصلاة والسلام: «ما ذئبان ضاريان أُرسِلا في زريبة غنم بأكثر فساداً فيها من حب المال والجاه في دين الرجل المسلم». وقال عليه الصلاة والسلام في مدح الخُمول: «رب أشعث أغبر ذي طِمْرين[^100] لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبرَّه». وقال عليه الصلاة والسلام: «إن أهل الجنة كل أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا، وإذا قالوا لم ينصت لهم، حوائج أحدهم تتجلجل في صدره، لو قسم نوره يوم القيامة على الناس لوسعهم».

وقال سليمان بن حنظلة: بينما نحن حول أُبيّ بن كعب نمشي خلفه، إذ رآه عمر فعلاه بالدِّرَّة، فقال: انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع، فقال: إن هذا مذلة للتابع وفتنة للمتبوع. وقال الحسن: إن خفق النعال خلف الرجل قلَّ ما يثبت معه قلوب الحمقاء. وقال أبو أيوب: والله ما صدق الله عبد إلا سرَّه أن لا يشعر بمكانه. فقد عرفت بهذا مذمة الشهرة والجاه إلا أن يشهر الله عبداً في الدين من غير طلب منه كما يشهّر الأنبياء والخلفاء الراشدين والعلماء والأولياء.

#### فصل

حقيقة الجاه هي ملك القلوب لتتسخر لذي الجاه على حسب مراده، وتطلق اللسان بالثناء عليه، وتسعى في حاجته. وكما أن معنى المال ملك الدراهم ليتوصل بها إلى الأغراض، كذلك معنى الجاه ملك القلوب، لكن الجاه أحب، لأن التوصل به إلى المال أيسر من التوصل بالمال إلى الجاه، ولأنه محفوظ من أن يُسرق ويُغْصب أو تَعرض له الآفة، ولأنه يسري وينمو من غير تكلف؛ فإن من ملك قلبه باعتقاد التعظيم، فلا يزال يثني ويقتنص قلوب سائر الناس لصاحبه. وفيه سرٌّ آخر، وهو أن الجاه معناه العلوّ والكبرياء والعز، وهي من الصفات الإلهية، والصفات الإلهية محبوبة للإنسان بالطبع؛ بل هي ألذّ الأشياء عنده؛ وذلك لسرّ خفي في مناسبة الرّوح للأمور الإلهية، وعنه العبارة بقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]. فهو أمر رباني شغفه من حيث الطبع للاستبداد والانفراد بالوجود، وهو حقيقة الإلهية؛ إذ ليس مع الله موجود، بل الموجودات كلها كالظل من نور القدرة، فلها رتبة التبعية لا رتبة المعيّة. فليس في الوجود مع الله غيره. وكان الإنسان يشتهي ذلك، بل في كل نفس أن يقول أنا ربكم الأعلى، لكن أظهره فرعون وأخفاه غيره. ولكن إن فاته الانفراد بالموجود، فيشتهي أن لا يفوته الاستعلاء والاستيلاء على الموجودات كلها، ليتصرف فيها على حسب مراده وهو الإلهية. لكن تعذر على الإنسان ذلك في السموات والكواكب والبحار والجبال، فاشتهى الاستيلاء على جميعها بالعلم، لأن العلم نوع استيلاء أيضاً، كما أن مَنْ عجز عن وضع الأشياء العجيبة، فيشتهي أن يعرف كيفية الوضع. وكذلك يشتهي أن يعرف عجائب البحر وما تحت الجبال، ويتصور أن يتسخر له الأعيان التي على وجه الأرض من الحيوان والمعادن والنبات، فيحبّ أن يتملكها ويقوّلها ويتصور أن يتسخر له الإنسان، فيحب أن يتسخره بواسطة قلبه. ويملك قلبه بإلقاء التعظيم فيه. ويحصل التعظيم بأن يعتقد فيه كمال الخصال، فإن الإجلال يتبع اعتقاد الكمال، فلهذا يحب الإنسان أن يتسع جاهه وينتشر صيته حتى إلى البلاد التي يعلم قطعاً أنه لا يطؤها ولا يرى أهلها، لأن كل ذلك يناسب صفات الربوبية. وكلما صار أعقل، كانت هذه الصفة عليه أغلب، وشهواته البهيمية فيه أضعف.

#### فصل

لعلك تقول: فإذا كان كذلك، فلمَ كان طلب الرفعة مذموماً وهو من نتائج العقل وخواص الروح المناسبة للأمور الربانية؟.

فاعلم أن الرفعة الحقيقية طلبها محمود غير مذموم، إذ مطلوب الكل هو القرب من الله تعالى، وذلك هو الرفعة والكمال إذ هو عزٌّ لا ذل فيه، وغنى لا فقر معه، وبقاء لا فناء بعده، ولذة لا كدورة لها؛ وطلب ذلك محمود؛ وإنما المذموم طلب الكمال الوهمي دون الحقيقي، والكمال الحقيقي يرجع إلى العلم والحرية والقدرة؛ وهو أن لا يكون مقيداً بغيره. ولا يتصور للعبد حقيقة القدرة، فإن قدرته إنما تكون بالمال والجاه، وذلك كمال وهميٌّ، فإنه أمر عارض لا بقاء له، ولا خير فيما لا بقاء له، بل قيل:

أشدّ الغمّ عندي في سرور ... تيقّن عنه صاحبه انتقالا

كيف، وهذه القدرة العارضة مع سرعة انقضائها بالموت وبآفاتها قبله، لا تصفو من الكدورات! فمن توهمها كمالاً فقد زلّ، بل الكمال في الباقيات الصالحات التي تنال بها القرب من الله سبحانه، ولا تزول بالموت، بل تتضاعف تضاعفاً غير محدود. وذلك هو المعرفة الحقيقية بذات الله تعالى، وصفاته وأفعاله، وهو العلم بكل الموجودات؛ إذ ليس في الوجود إلا الله تعالى وأفعاله. لكن قد ينظر فيها الناظر لا من حيث إنها أفعال الله تعالى، كالذي ينظر في التشريح لغرض الطب، أو ينظر في هيئة العالم لمعرفة الاستدلال بأحكام النجوم، فهذا لا قدر له. ومن الكمال الحقيقي الحرية، وهو انقطاع علاقتك عن جميع علائق الدنيا، بل عن كل ما يفارقك بالموت، والاقتصار في الالتفات إلى لازمك الذي لابد لك منه، وهو الله تعالى. كما أوحى الله إلى داود: «يا داود! أنا بدّك[^101] اللازم فالزم بدّك». فالعلم والحرية من الباقيات الصالحات، وهما كمالان حقيقيّان؛ والمال والبنون زينة الحياة الدنيا، وهما كمالان وهميّان. والمنكوسون هم الذين عكسوا الحقيقة، فأعرضوا عن طلب الكمال الحقيقي، واشتغلوا بطلب الكمال الوهميّ، وهم الذين يحترقون عند الموت بنيران الحسرة إذ يشاهدون أنهم خسروا الدنيا والآخرة: وأما الآخرة، فلأنهم يطلبونها ولم يحصّلوا أسبابها من المعرفة والحرية؛ وأما الدنيا، فلأنها ودعتهم وانقلبت إلى أعدائهم وهم ورثتهم. ولا تظنن أن الإيمان والعلم يفارقانك بالموت، فالموت لا يهدم محل العلم أصلاً، وليس الموت عدماً حتى تظن أنك إذا عدمت عدمت صفاتك؛ بل معنى الموت قطع علاقة الروح من البدن إلى أن تعاد إليه؛ وإذا تجرد عن البدن فهو على ما كان عليه قبل الموت من العلم والجهل، وفَهْمُ هذا طويل، وتحته أسرار لا يحتمل هذا الكتاب كشفها.

#### فصل

إذا عرفت حقيقة الجاه وماهيته، وأنه كمال وهميٌّ، فقد عرفت أن طريق العلاج في قمع حبه من القلب. إذا علمت أن أهل الأرض لو سجدوا لك مثلاً، لما بقي ـ إلا مدة قريبة ـ لا الساجد ولا المسجود له. كيف! ويشح الدهر عليك بأن يسلم لك الملك في محلّتك فضلاً عن قريتك أو بلدتك. فكيف ترضى أن تترك ملك الأبد والجاه الطويل العريض عند الله تعالى وعند ملائكته، بجاهك الحقير المنغص عند جماعة من الحمقى لا ينفعونك ولا يضرونك ولا يملكون لك موتاً ولا حياة ولا نشوراً ولا رزقاً ولا أجلاً؟

> **Passage douteux** — Mot en partie caché par le filigrane, lu avec une bonne certitude.

نعم ملك القلوب كملك الأعيان[^102]، وأنت محتاج منه إلى قدر يسير لتحرس نفسك عن الظلم والعدوان، وعما يشوش عليك سلامتك وفراغك التي تستعين بها على دينك. فطلبك لهذا القدر مباح، بشرط القناعة بقدر الضرورة كما في المال، وبشرط أن لا تكتسبه بالمراءاة بالعبادات فذلك حرام كما سيأتي؛ وأن لا تكتسبه بالتلبيس[^103] بأن تظهر من نفسك ما أنت خال منه، فلا فرق بين من يملك القلوب بالتلبيس، وبين من يملك الأموال. فإذا حصّلت الجاه بطريقة واقتصرت على قدر التحرز من الآفات فترجى لك السلامة، إلا أنك في خطر عظيم أكثر من خطر المال، لأن قليل الجاه يدعو إلى كثيره، فإنه ألذّ من المال، ولذلك لا يسلم الدين مجاناً غالباً إلا لخامل مجهول لا يعرف، كما فهمت ذلك من الأخبار.

#### فصل

من البواعث على طلب الجاه حب المدح، فإن الإنسان يتلذذ به من ثلاثة أوجه: أحدها، أنه يشعر صاحبه بكمال نفسه، والشعور بالكمال لذيذ؛ لأن الكمال من الصفات الإلهية. والثاني، أنه يشعر بملك قلب المادح وقيام الجاه عنده وكونه مسخراً له. الثالث، أنه يشعر صاحبه بأن المادح يصغي إلى مدحه فينتشر بسببه جاهه. فكذلك إذا صدر المدح من بصير بصفات الكمال واسع الجاه والقدرة في نفسه، وكان على ملأ من الناس، تضاعفت لذة المدح. وتزول اللذّة الأولى بأن يصدر عن غير أهل البصيرة، فإنه لا يشعر بالكمال، وتزول الثانية بأن يصدر عن خسيس لا قدرة له، لأن ملك قلبه لا يُعتدّ به. وتزول الثالثة بأن يمدح في الخلوة لا في الملأ، إلا من حيث يتوقع أنه أيضاً ربما يمدح في الملأ.

> **Passage douteux** — Gardé tel qu’imprimé (« fa-kadhâlika »), alors que le sens appellerait plutôt « wa-li-dhâlika ».

وأما الذم، فإنه مكروه لنقيض هذه الأسباب. وأكثر الخلق أهلكهم حب المدح وكراهية الذم، ويحملهم ذلك على المراءاة وفنون المعصية. وعلاج ذلك أن يتفكر في اللذة الأولى، فإن مدح بكثرة المال والجاه فيعلم أنه كمال وهميٌّ، وهو سبب فوات كمال حقيقي، فهو جدير بأن يحزن لأجله، لا أن يفرح به. وإن مدح بكمال العلم والورع، فينبغي أن يكون فرحه بوجود تلك الصفات ويشكر الله تعالى عليها لا يشكر غيره، هذا إن كان متصفاً به، وأما إن كان غير متصف به، ففرحه به حماقة كفرح من يثني عليه غيره ويقول: ما أطيب العطر الذي في أحشائك أو أمعائك، وهو يعلم ما فيها من الأقذار والأنتان. وهذا حال من يفرح من المدح بالورع والزهد والعلم وهو يعلم من باطن نفسه أنه خال عنه.

وأما اللذة الثانية والثالثة، وهو لذة الجاه عند المادح وغيره، فعلاجه ما ذكرناه في حب الجاه.

> **Passage douteux** — L’imprimé porte « ath-thânba » : coquille corrigée en « ath-thâniya » (la seconde).

### الأصل السابع حب الدنيا

واعلم ان حب الدنيا رأس كل خطيئة. وليس الدنيا عبارة عن المال والجاه فقط، بل هما حظّان من حظوظ الدنيا، وشعبتان من شعبها؛ وشعب الدنيا كثيرة. ودنياك عبارة عن حالتك قبل الموت، وآخرتك عبارة عن حالتك بعد الموت. وكل ما لك فيه حظ قبل الموت فهو من دنياك؛ إلا العلم والمعرفة والحرية، وما يبقى معك بعد الموت فإنها أيضاً لذيذة عند أهل البصائر، ولكنها ليست من الدنيا وإن كانت في الدنيا. ولهذه الحظوظ الدنيوية تعاون وتعلق بما فيه الحظ، وتعلق بأعمالك المتعلقة بإصلاحها، فهي ترجع إلى أعيان موجودة، وإلى حظك فيها، وإلى شغلك في إصلاحها.

أما الأعيان، فهي الأرض وما عليها؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف: ٧] الآية، ومطلوب الآدمي من الأرض. أما عينها فللمسكن والمحرث. وأما نباتها فللتداوي والاقتيات. وأما معادنها فللنقود والأواني والآلات. وأما حيواناتها فللمركب والمأكل. وأما الآدميون منها فللمنكح والاستحسان. وقد جمع الله سبحانه ذلك في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤] الآية. وأما حظك منها، فقد عبر القرآن الكريم عنه بالهوى فقال الله تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] وقال تعالى تفصيلاً له: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: ٢٠] الآية. وذلك يندرج فيه جميع المهلكات الباطنة من الغلّ والكبر والحسد والرياء والنفاق والتفاخر والتكاثر وحب الدنيا وحب الثناء، وهي الدنيا الباطنة. وأما الأعيان، فهي الدنيا الظاهرة، وأما شغلك في إصلاحها، فهي جملة الحِرَف والصناعات التي الخلق مشغولون بها، وقد نسوا فيها أنفسهم ومبدأهم ومعادهم، لاستغراقهم بأشغالهم بها، وإنما شاغلهم العلاقتان: علاقة القلب بحب حظوظها، وعلاقة البدن بشغل إصلاحها.

فهذه هي حقيقة الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة. وإنما خلقت للتزود منها إلى الآخرة؛ ولكن كثرة أشغالها وفنون شهواتها أنْسَت الحمقى سَفَرهم ومقصدهم، فقصَروا عليها همتهم، فكانوا كالحاج في البداية، يشتغل بتعهد الناقة وعلفها وتسمينها، فيتخلف عن الرفقة حتى يفوته الحج، وتهلكه سباع البادية.

#### فصل

هذه الدنيا المذمومة المهلكة، هي بعينها مزرعة الآخرة في حق من عرفها، إذ يعرف أنها مَنزل من منازل السائرين إلى الله عز وجل، وهي كرباط[^104] بُنِيَ على قارعة الطريق، أعد فيها العلف والزاد وأسباب السفر. فمن تزود منها لآخرته واقتصر منها على قدر الضرورة التي ذكرناها في المطعم والملبس والمنكح وسائر الضرورات، فقد حَرَث وبذَر، وسيحصد في الآخرة ما زرع. ومن عرج عليها واشتغل بلذاتها هلك. ومَثَلُ الخلق فيها كمثل قوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملّاح بالخروج لقضاء الحاجة، وخوّفهم المقامَ واستعجالَ السفينة، فتفرقوا فيها، فبادر بعضهم وقضى حاجته ورجع إلى السفينة فوجد مكاناً خالياً واسعاً، ووقف بعضهم فنظر في أزهار الجزيرة وأنوارها وظرائف أحجارها وعجائب غياضها ونغمات طيورها، فرجع إلى السفينة فلم يجد إلا مكاناً ضيقاً حَرِجاً، وأكبّ بعضهم على تلك الأصداف والأحجار وأعجبه حسنها فلم تسمح نفسه إلا بأن يستصحب شيئاً منها، فلم يجد في السفينة إلا مكاناً ضيقاً، وزادته الحجارة ثقلاً وضيقاً، فلم يقدر على رَميها ولم يجد لها مكاناً، فحملها على عنقه وهو ينوء بأعبائها. وتولج بعضهم الغياض ونسي المركب واشتغل بالتفرج في تلك الأزهار والتناول من تلك الثمار وهو في تفرجه غير خال من خوف السباع والحذر من السقطات والنكبات، فلما رجع إلى السفينة لم يصادفها فبقي على الساحل، فافترسته السباع ومزقته الهوامّ. فهذه صورة أهل الدنيا بالإضافة إلى الدنيا والآخرة، فتأملها واستخرج وجه الموازنة فيها إن كنت ذا بصيرة.

#### فصل

من عرف نفسه، وعرف ربه، وعرف زينة الدنيا وعرف الآخرة، شاهد بنور البصيرة وجه عداوة الدنيا للآخرة، إذ ينكشف له قطعاً أن لا سعادة في الآخرة إلا لمن قدم على الله سبحانه عارفاً به محباً له؛ فإن المحبة لا تناله إلا بدوام الذّكر، وإن المعرفة لا تنال إلا بدوام الطلب والفكر، ولا يتفرغ لهما إلا من أعرض عن أشغال الدنيا. ولا تستولي المعرفة والحب على القلب ما لم يفرغ من حب غير الله تعالى؛ ففراغ القلب عن غير الله ضرورة اشتغاله بحب الله تعالى ومعرفته. ولن يتصور ذلك إلا لِمُعْرِض عن الدنيا، قانع منها بقدر الزاد والضرورة. فإن كنت من أهل البصيرة فقد صرت من أهل الذوق والمشاهدة؛ وإن لم تكن كذلك، فكن من أهل التقليد والإيمان، وانظر إلى تحذير الله سبحانه إياك، والكتاب والسنة، وقد قال عز وجل: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥] الآية. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٧] الآية. وقال عز اسمه: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النازعات: ٣٧، ٣٨] الآية.

ولعل ثلث القرآن في ذم الدنيا وذم أهلها، وقد قال ﷺ: «الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها، إلا ما كان لله تعالى منها». وقال ﷺ: «يا عجباً كلّ العجب للمصدق بدار الآخرة، وهو يسعى لدار الغرور». وقال عليه السلام: «الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظرٌ كيف تعملون». وقال عليه السلام: «إن الله عز وجل لم يخلق خلقاً أبغض إليه من الدنيا، وإنه لم ينظر إليها منذ خلقها». وقال عليه السلام: «من أصبح والدنيا أكبر همّه فليس من الله في شيء، وألزم قلبه أربع خصال: همّاً لا ينقطع عنه أبداً، وشغلاً لا يتفرغ عنه أبداً، وفقراً لا يبلغ غناه أبداً، وأملاً لا يبلغ منتهاه أبداً».

وقال أبو هريرة: قال ﷺ: «يا أبا هريرة ألا أريك الدنيا جميعها؟ قلت: نعم. فأخذ بيدي إلى مزبلة فيها رؤوس أناس وعذرات[^105] وخرق وعظام، فقال عليه السلام: يا أبا هريرة هذه الرؤوس كانت تحرص كحرصكم وتأمل آمالكم، ثم هي اليوم عظام بلا جلد، ثم ستصير رماداً. وهذه العذرات ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها، ثم قذفوها من بطونهم، فأصبحت والناس يتحامونها. وهذه الخرق البالية كانت رياشهم ولباسهم فأصبحت والرياح تصفّقها. وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا ينتجعون[^106] عليها أطراف البلاد، فمن كان باكياً على الدنيا فليبك». وقال ﷺ: «ليَجيئنّ أقوام يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة، فيؤمر بهم إلى النار». قالوا: يا رسول الله: مصلين؟ قال: «نعم، كانوا يصلون ويصومون ويأخذون هَنة[^107] من الليل، فإذا عُرِض لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه».

وقال عيسى عليه السلام: «لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب مؤمن، كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد».

وقال نبينا ﷺ: «احذروا الدنيا، فإنها أسحر من هاروت وماروت».

وقال عيسى عليه السلام: «يا معشر الحواريين ارضوا بدنيّ الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بدنيّ الدين مع سلامة الدنيا». وقال عيسى عليه السلام للحواريين: «لأكل خبز الشعير بالملح الجريش[^108] ولبس المسوح والنوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا والآخرة».

وروي أن عيسى ـ عليه السلام ـ كوشف بالدنيا فرآها في صورة عجوز شوهاء عليها من كل زينة، فقال لها: كم نكحت؟ فقالت: إني لا أُحصيهم، فقال: يطلقونك أو ماتوا عنك؟ فقالت: بل قتلت كلهم. فقال عيسى ـ عليه السلام ـ: عجباً لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين.

#### فصل

اعلم أن من ظن أنه يلابس الدنيا ببدنه ويخلو عنها بقلبه فهو مغرور. وقال النبي ﷺ: «مَثَل صاحب الدنيا كمثل الماشي في الماء، هل يستطيع الذي يمشي في الماء ألا يبتلّ قدماه؟». وكتب عليّ ـ رضوان الله عليه ـ إلى سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ: «مثل الدنيا مثل الحية، يلين مسها ويقتل سمها، فأعرض عما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها، لما أيقنت من فراقها، وكن أسرّ ما تكون بها أحذر ما تكون منها، فإن صاحبها كلما اطمأنّ منها إلى سرور أشخصه[^109] عنه مكروه».

وقال عيسى ـ عليه السلام ـ: «مثل الدنيا مَثَل شارب ماء البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً حتى يقتله». واعلم أن من اطمأن إلى الدنيا وهو يتيقن أنه راحل عنها هو في غاية الحماقة، بل مثل الدنيا مثل دار هيأها صاحبها، وزينها لضيافة الواردين والصادرين، فدخل واحد داره فقدم إليه طبقاً من ذهب عليه بخور وريحان ليشمها ويتركه لمن يلحقه لا ليتملكه، فجهل رسمه فظن أنه وهب ذلك له، فلما تعلق به قلبه استرجع منه، فضجر وتوجع، ومن كان عالماً برسمه انتفع به وشكره ورده بطيبة قلبه وانشراح صدره، فكذلك سنّة الله في الدنيا، فإنها دار ضيافته على المجتازين لا على المقيمين ليتزودوا منها ما ينتفعون به كما يُنتفع بالعارية[^110]، ثم يتركونها لمن يلحق بعدهم بطيبة نفس من غير تعلق القلب بها لا كَمَنْ يتعلّق القلب بها.

### الأصل الثامن في الكبر

قال الله سبحانه: ﴿كذلك يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قلبِ متكبرٍ جَبَّار﴾ [غافر: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿فبِئسَ مَثْوَى المتكبِّرين﴾ [الزمر: ٧٢، غافر: ٧٦]، وقال ﷺ: قال الله تعالى: «العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قصمته». قال ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كِبر». وقال - عليه السلام -: «يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة في صور الذرّ، يطؤهم الناس لِهَوانهم على الله عز وجل». وقال ﷺ لبلال: «إن في جهنم وادياً يقال له: هبهب، حق على الله سبحانه أن يسكنه كل جبار، فإياك يا بلال أن تكون ممن يسكنه». وقال - عليه السلام -: «اللهم إني أعوذ بك من نفخة الكبر». وقال - عليه السلام -: «لا ينظر الله تعالى إلى من جرّ ثوبه خُيَلاء». وقال - عليه السلام -: «من تعظم في نفسه واختال في مشيته، لقي الله وهو عليه غضبان». وقال - عليه السلام - في فضيلة التواضع: «ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزّاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». وقال - عليه السلام -: «طوبى لمن تواضع في غير مسكنة». وأوحى الله تعالى إلى موسى - عليه السلام -: «إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي ولم يتعظم على خلقي، وألزمَ قلبه خوفي، وقطع النهار بذكري، وكفّ نفسه عن الشهوات من أجلي». وقال نبينا ﷺ: «إذا تواضع العبد لله رفعه الله إلى السماء السابعة». وقال - عليه السلام -: «إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة، فتواضعوا رحمكم الله». وقال - عليه السلام -: «إنه ليعجبني أن يحمل الرجل الشيء في يده فيكون مهنة لأهله يدفع به الكبر عن نفسه».

#### فصل

حقيقة الكبر أن يرى نفسه فوق غيره في صفات الكمال، فيحصل فيه نفخة وهزة من هذه الرذيلة والعقيدة، ولذلك قال ﷺ: «أعوذ بك من نفخة الكبر»، ولذلك استأذن بعضهم عمر - رضي الله عنه - ليعظ الناس بعد الصبح، فقال: لأخشى أن تنتفخ حتى تبلغ الثريا. ثم هذه النفخة يصدر منها أفعال على الظاهر، كالترفع في المجالس، والتقدم في الطريق، والنظر بعين التحقير، والغضب إذا لم يبدأ السلام وقصّر في حوائجه وتعظيمه، ويحمله على أن يأنف إذا وعظ، ويعنّف إذا وعظ وعلّم، ويجحد الحق إذا ناظر، وينظر إلى العامة كأنه ينظر إلى الحمير. وإنما عُظِّم الكبر حتى لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة منه، لأن تحته ثلاثة أنواع من الخبائث العظيمة:

أولها: أنه منازعة الله تعالى في خصوص صفته، إذ الكبرياء رداؤه، كما قال الله؛ فإن العظمة لا تليق إلا به. ومن أين تليق العظمة بالعبد الذليل الذي لا يملك من أمر نفسه شيئاً، فضلاً عن أمر غيره.

الثانية: أن يحمله على جحد الحق وازدراء الخلق. قال ﷺ في بيان الكبر: «الكِبْر مِنْ سَفَهِ الحقّ، وغَمْصِ[^111] الناس، والأنفة من الحق، تغلق باب السعادة، وكذا استحقار الخلق». وقال بعضهم: إن الله سبحانه خبأ ثلاثاً في ثلاث: خبأ رضاه في طاعته، فلا تحقرن شيئاً منها لعل رضاء الله فيه، وخبأ سخطه في معصيته، فلا تحقرن شيئاً منها صغيرة، فلعل سخط الله تعالى فيها، وخبأ ولايته في عباده، فلا تحقرن أحداً منهم فلعله وليُّ الله تعالى.

> **Passage douteux** — Ponctuation ambiguë : on ne sait pas si la phrase qui suit fait partie du hadith ou est un commentaire d’al-Ghazâlî ; traduite comme faisant partie du hadith.

الثالثة: أنه يحول بينه وبين جميع الأخلاق المحمودة، لأن المتكبر لا يقدر أن يحب للناس ما يحب لنفسه، ولا يقدر على التواضع، وعلى ترك الأنفة والحسد والغضب، ولا يقدر على كظم الغيظ، وعلى اللطف في النصح، وعلى ترك الرياء. وبالجملة فلا يبقى خلق مذموم إلا ويضطر المتكبر إلى ارتكابه، ولا خلق محمود إلا ويضطر إلى تركه.

#### فصل

العلاج الجُمْلي لقمع رذيلة الكبر أن يعرف الإنسان نفسه، وأن أوله نطفة مَذِرَة[^112]، وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة، ويفهم قوله تعالى: ﴿قُتل الإنسانُ ما أكْفَرَه، من أي شيءٍ خَلَقه، مِن نُطفةٍ خَلَقه فقدَّره، ثم السبيلَ يسَّرَه، ثم أماتَه فأقْبَره﴾ [عبس: ١٧ - ٢١]، فليعلم أنه خلق من كتم[^113] العدم، وأنه لم يك شيئاً مذكوراً؛ فلا شيء أقل من العدم. ثم خلقه من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مُضْغة، ليس له سمع ولا بصر ولا حياة ولا قوة. وخلق له ذلك كله وهو بعد غاية النقصان تستولي عليه الأمراض والعلل، ويتضاد فيه الطبائع، فيهدم بعضها بعضاً، فيمرض كَرْهاً ويجوع كرهاً، ويعطش كرهاً، ويريد أن يعلم الشيء فيجهله، ويريد أن ينسى الشيء فيذكره، ويكره الشيء فينفعه، ويشتهي الشيء فيضره، لا يأمن في لحظة من أن يُختلس روحه أو عقله أو صحته أو عضو من أعضائه، ثم آخره الموت والتعرض للعقاب والحساب. فإن كان من أهل النار فالخنزير خير منه، فمن أين يليق به الكبر وهو عبد مملوك ذليل لا يقدر على شيء. قال الحسن البصري - رحمة الله عليه - لبعض من يتبختر في مشيته: «ما هذه المشية لمن في بطنه خراء»، فكيف يليق الكبر بمن يغسل العذرة بيده مرتين في كل يوم، وهو حامل لها على الدوام؟

#### فصل

علاج الكبر على التفصيل بالنظر إلى ما به التكبر، وهو أربع خصال:

#### الأولى العلم

قال ﷺ: «آفة العلم الخُيَلاء». وقال - عليه السلام -: «لا تكونوا من جبابرة العلماء، فلا يَفِي علمكم بجهلكم». وقلَّ ما يخلو العالم من آفة الكبر، فإنه يرى نفسه فوق الناس بالعلم الذي هو أشرف فضيلة عند الله عزّ وجل، فيتكبَّر تارة بالدِّين بأن يرى نفسه عند الله عز وجل أفضل من غيره، وتارة في الدنيا بأن يرى حقَّه واجباً على الناس، ويتعجب منهم إن لم يتواضعوا له. وهذا لأن يسمّى جاهلاً أولى، لأنَّ العلم الحقيقيَّ ما يعرف به ربه ونفسه وخطر خاتمته وحجة الله عز وجل عليه، ويلاحظ الخاتمة فلا يرى جاهلاً إلا ويقول: إنه عصى الله تعالى بجهل، وأنا عصيته بعلم، فحجة الله تعالى عليّ آكد. قال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: مَن ازداد علماً ازداد تواضعاً. قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبعَكَ مِنَ المُؤمنين﴾ [الشعراء: ٢١٥]. وقال - عليه السلام -: «يكون قوم يقرأون القرآن فلا يجاوز حناجرهم، يقولون قد قرأنا القرآن، فمن أقرأ منا ومن أعلم منا؟»، ثم التفت وقال: «أولئك منكم أيُّها الأمة[^114]، أولئك هم وقود النار». ومن هذا اشتد حذر السلف، حتى إنه صلى حذيفة مرة - رحمه الله - بقوم، فلما سلم قال: «لتلتمسُنَّ إماماً غيري أو لتصلُّنَّ وحداناً، إني رأيت في نفسي أنه ليس في القوم أفضل مني». وينبغي أن يتذكر الإنسان أنه كم من مسلم نظر إلى عمر - رضي الله عنه - قبل إسلامه واستحقره، ثم كانت خاتمة عمر كما كانت، وذلك المسلم لعله ارتد بعده، فكان المتكبر من أهل النار والمتكبَّر عليه من أهل الجنة. وما من عالِم إلا ويتصور أن يختم له بالسوء، ويختم للجاهل بالسعادة؛ فكيف يكون الكبر مع معرفة ذلك، وقد قال ﷺ: «يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه[^115] فتدور به كما يدور الحمار بالرحا، فيطيف به أهل النار فيقولون: مالك! فيقول كنت آمر بالخير ولا آتيه، وأنهى عن الشر وآتيه». فأيُّ عالم يسلم من ذلك فلم لا يشغله خوفه عن التكبر؟ وقد قال الله تعالى في بلعم بن باعورا وهو من أكابر العلماء: ﴿فمَثَلُه كمَثَلِ الكلبِ إن تحمِلْ عليه يَلْهَثْ أو تتركْه يلهثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦] الآية، لأنه أخلد إلى الشهوات. وقال بعلماء اليهود: ﴿كمثَلِ الحِمارِ يحمِلُ أسفاراً﴾ [الجمعة: ٥]. فلينظر في الأخبار التي وردت في علماء السوء حتى يغلب خوفُه كبرَه؛ وإنما يبقى الكبر مع هذا لمن اشتغل بعلوم غير نافعة في الدين، كالجدل واللغة وغيرهما، أو لمن اشتغل بالعلم وهو خبيث الباطن فازداد خبثه بسببه.

> **Passage douteux** — Gardé tel qu’imprimé ; l’éditeur suppose une altération de « al-a’imma » (les imams).

#### السبب الثاني الورع والعبادة

ولا يخلو المتعبد في باطنه عن كبر، وقد تنتهي الحماقة ببعضهم إلى أن يحمل مصائب الناس ومسراتهم على كرامته. فمن آذاه ومات أو مرض يقول: قد رأيتم ما فعل الله سبحانه به. وربما يقول عند الإيذاء: سترون ما يجري عليه. وليس يدري الأحمق أن جماعة من الكفار ضربوا الأنبياء وآذوهم، ثم مُتِّعوا في الدنيا فلم يُنتَقم منهم، بل ربما أسلم بعضهم فسعد في الدنيا والآخرة، فكأنه يرى نفسه أفضل من الأنبياء ومؤذيه أخس من الكفار. وحقّ العابد إذا نظر إلى عالِم أن يتواضع له لجهله، وإن نظر إلى فاسق أن يقول لعل فيه خلقاً باطناً يستر معاصيه الظاهرة، ولعل في باطني حسداً أو رياءً أو خبثاً خفيّاً مقتني الله سبحانه عليه فلا يقبل أعمالي الظاهرة، وأن الله سبحانه ينظر إلى القلوب لا إلى الصور. ومن الخبث الباطن الكبر، إذ رُوي أن رجلاً من بني إسرائيل يقال له خليع بني إسرائيل لكثرة فساده، جلس إلى عابد بني إسرائيل وقال: لعل الله تعالى يرحمني ببركته، فقال العابد في نفسه: كيف يجلس معي مثل هذا الفاسق؟ وقال له: قم عني! فأوحى الله سبحانه إلى نبيّ زمانه: مُرْهُما ليستأنفا العمل، فقد غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد. وروي أن رجلاً وَطِئ رقبة عابد من بني إسرائيل وهو ساجد، فقال له: ارفع، فوالله لا يغفر الله لك، فأوحى الله سبحانه إليه: أيها المتألّي[^116] عليّ بل لا يغفر الله لك. فالأكياس[^117] يحذرون من ذلك ويقولون ما كان يقول له عطاء السلمي مع شدَّة ورعه؛ كان إذا هبت ريح عاصف أو صاعقة يقول: ما يصيب الناس ذلك إلا بسببي، ولو مات عطاء لتخلصوا. وقال بعضهم في عرفات: أنا أرجو الرحمة لجميعهم لولا كوني فيهم. فانظر كم بين من يخلص العمل والورع ثم يخاف على نفسه، وبين من يتكلف أعمالاً ظاهرة لعلها لا تخلو عن الرياء والآفات ثم يمن على الله بعمله.

> **Passage douteux** — Tournure grammaticalement étrange dans l’imprimé ; gardée telle quelle.

#### السبب الثالث الكبر بالنسب

وعلاجه أن ينظر في نسبه، فإن أباه نطفة مذرة، وجده التراب، ولا أقذر من النطفة ولا أذل من التراب. ثم المفتخر بالنسب يفتخر بخصال غيره، ولو نطق آباؤه لقالوا: من أنت في نفسك! ما أنت إلا دودة من بول من له خصلة حسنة؛ ولذلك قيل:

لئن فخرت بآباء ذوي نسب ... لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا

وكيف يتكبر بنسب ذوي الدنيا ولعلهم صاروا حممة[^118] في النار يودّون لو كانوا خنازير أو كلاباً يتخلصون مما هم فيه. وكيف يتكبر بنسب أهل الدِّين وهم في أنفسهم ما كانوا يتكبرون، وكان شرفهم بالدِّين، ومن الدِّين التواضع. وكان أحدهم يقول: ليتني كنت تبنةً وليتني كنت طائراً. كلهم قد شغلهم خوف العاقبة عن الكبر مع عظم علمهم وعملهم. فكيف يتكبرون بنسبهم إلى من هو عاطل عن خصالهم!

#### السبب الرابع الكبر بالمال والجمال والأتباع

والكبر بهم جهل، فإنها أمور خارجة عن الذات، أعني المال والأتباع. وكيف يتكبر بخصلة تمتد إليها يد السارق والغاصب! وكيف يفتخر بالجمال وحُمَّى شهر تفسده والجدريُّ يزيله! ولو تفكر الجميل في أقذار باطنه لأدهشه ذلك عن تزويق ظاهره، ولو لم يتعهد الجميلُ بدنَه أسبوعاً بالغسل والتنظيف لصار أقذر من الجيفة، من تغيّر النكهة والصُّنان[^119] ورائحة العذرة، وكراهية الوسخ والمخاط والرَّمص[^120]. فمن أين للمزبلة أن تفتخر بجمالها! والإنسان بالحقيقة مزبلة، فإنه منبع الأقذار والنجاسات.

### الأصل التاسع العجب

قال الله تعالى: ﴿ويومَ حُنَيْنٍ إذ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم﴾ [التوبة: ٢٥] الآية. وقال عز وجل: ﴿وهم يحْسَبون أنهم يحسنون صنعاً﴾ [الكهف: ١٠٤]، وقال: ﴿فلا[^121] تُزكّوا أنفُسَكم هو أعلم بمن اتقى﴾ [النجم: ٣٢]. وقال - عليه السلام -: «ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوًى متبع، وإعجاب المرء بنفسه». وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «الهلاك في اثنين: القنوط والعجب». وإنما جمع بينهما لأن القانط لا يطلب السعادة لقنوطه، والمُعجَب لا يطلبها لظنه أنه قد ظفر بها. وقال ﷺ: «لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أعظم من ذلك، العُجْب العُجْب». وقيل لعائشة - رضي الله عنها -: متى يكون الرجل مسيئاً؟ فقالت: «إذا ظن أنه مُحسن».

ونظر رجل إلى بشر بن منصور وهو يطيل الصلاة ويحسن العبادة، فلما فرغ قال: «لا يغرّنك ما رأيت مني، فإن إبليس عَبَدَ الله تعالى وصلّى آلاف السنين، ثم صار إلى ما صار إليه».

#### فصل

حقيقة العجب استعظام النفس وخصالها التي هي من النعم، والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المُنعم والأمْن من زوالها. فإن أضاف إليه أن رأى لنفسه عند الله حقاً ومكاناً، سمي ذلك إدلالاً؛ وفي الخبر أن صلاة المدلّ لا ترتفع فوق رأسه، وعلامة إدلاله أن يتعجب من رد دعائه، ويتعجب من استقامة حال من يؤذيه. والعُجب هو سبب الكبر، ولكن الكبر يستدعي مُتكبَّراً عليه، والعجب مقصور على الانفراد. أما من رأى نعمة الله على نفسه بعمل أو عِلم أو غيره وهو خائف على زواله، وفرح بنعمة الله تعالى عليه من حيث إنها من الله، فليس بمعجَب، بل العُجب أن يأمن وينسى الإضافة إلى المنعِم.

#### فصل

العجب جهل محض، فعلاجه العلم المحض، فإنه إن أعجب بقوة وجمال أو أمر مما ليس يتعلق باختياره، فهو جهل أيضاً، إذ ليس ذلك إليه، فينبغي أن يعجب بمن أعطاه ذلك من غير استحقاق، وينبغي أن يتفكر في زوال ذلك المخوف على القرب بأدنى مرض وضعف، وإن أُعجب بعلمه وعمله وما يدخل تحت اختياره فينبغي أن يتفكر في تلك الأعمال بماذا تيسرت له، وأنها لا تتيسر إلا بعضو وقدرة وإرادة ومعرفة، وأن جميع ذلك من خلق الله عز وجل، وإذا خلق الله العضو والقدرة وسلَّط الدواعي وصرَّف الصوارف، كان حصول الفعل ضرورياً، وليس للمضطر أن يتعجب بما يحصل منه اضطراراً، وهو مضطر إلى اختياره، فإنه لا يفعل إن شاء، ولكن إن يشأ الله، شاء أو لم يشأ، مهما خلقت فيه المشيئة، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾ [الإنسان: ٣٠، التكوير: ٢٩] فمفتاح العمل انجزام المشيئة وانصراف الدواعي الصارفة مع كمال القدرة والأعضاء، وكل ذلك بيد الله تعالى. أرأيت لو كان بيد ملك مفتاح خزانة فأعطاك إياه فأخذت منها أموالاً، أتعجب بجوده إذا أعطاك المفتاح بغير استحقاق، أو بكمالك في أخذه، وأي كمال في الأخذ بعد التمكّن؟

#### فصل

ومن العجائب أن يعجب العاقل بعلمه وعقله، حتى يتعجب إن أفقره الله تعالى وأغنى بعض الجهال ويقول: كيف وسّع النعمة على الجاهل وحرمني؟ فيقال له: كيف رزقك العلم والعقل وحرمهما الجاهل؟ فهذه عطية منه، أفتجعلها سبباً لاستحقاق عطية أخرى؟ بل لو جمع لك بين العقل والغنى وحرم الجاهل منهما جميعاً كان ذلك أولى بالتعجب، وما تعجب العاقل منه إلا كتعجب من أعطاه الملك فرساً وأعطى غيره غلاماً، ويقول: كيف يعطي الغلام لفلان ولا فرس له، ويحرمني وأنا صاحب الفرس؟ وإنما صار صاحب الفرس بعطائه، فيجعل عطاءه سبباً لاستحقاق عطاء آخر، وهو عين الجهل. بل العاقل يكون أبداً تعجبه من فضل الله تعالى وجُوده من حيث أعطاه العلم والعقل، ووفقه للعبادة من غير تقدم استحقاق منه، وحرم غيره ذلك وسلط عليه دواعي الفساد، واضطره إليه بصرف دواعي الخير عنه، وذلك بغير جريمة سابقة منه. وإذا شاهد ذلك تحقيقاً غلب عليه الخوف، إذ قد يقول: قد أنعم الله عليَّ في الدنيا من غير وسيلة، وخصَّني به دون غيري، ومن يفعل مثل هذا بغير سبب، فيوشك أن يعذب ويسلب النعم أيضاً بغير جناية وسبب؛ فماذا أصنع إن كان ما أفاضه عليَّ من النعم مَكْراً أو استدراجاً بما فتحه؟ كما قال الله تعالى: ﴿فَتَحنا عليهم أبوابَ كلِّ شيءٍ حتى إذا فَرِحوا بما أُوتُوا أخذناهم بَغْتة﴾ [الأنعام: ٤٤] وكما قال تعالى: ﴿سنستدرجهم من حيثُ لا يَعلمون﴾ [الأعراف: ١٨٢].

### الأصل العاشر في الرياء

قال الله تعالى: ﴿فويلٌ للمُصَلِّين الذين هُم عن صَلاتِهِم ساهُون الذين هم يراؤون﴾ [الماعون: ٤، ٥، ٦] وقال تعالى: ﴿إنما نُطْعِمُكم لوجه اللهِ لا نُريدُ منكم جزاءً ولا شكوراً﴾ [الإنسان: ٩]، وقال تعالى: ﴿فمَنْ كان يرجو لقاءَ ربِّه فليعمل عملاً صالحاً ولا يُشْرِكْ﴾ [الكهف: ١١٠] الآية، أراد به الإخلاص. وقال ﷺ: «إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم الشِّرك الأصغر»، قيل: وما هو؟ قال - عليه السلام -: «الرياء، يقول الله عز وجل يوم القيامة، إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء؟».

وقال ﷺ: «استعيذوا بالله من جُبِّ الحزن»، قيل: وما هو؟ قال - عليه السلام -: «وادٍ في جهنم أُعدّ للقرّاء المرائين». وقد قال تعالى: «من عمل لي عملاً أشرك فيه غيري فهو له كله، وأنا منه بريء، وأنا أغنى الأغنياء عن الشِّرك». وقال - عليه السلام -: «لا يقبل الله عملاً فيه مقدار ذرة من الرياء». وقال عليه السلام: «إن أدنى الرياء الشرك». وقال عيسى - عليه السلام -: «إذا كان يوم صوم أحدكم فليَدْهُن رأسه ولحيته ويمسح شفتيه لكيلا يرى الناس أنه صائم، وإذا أعطى بيمينه فليُخْفِ عن شماله، وإذا صلى فليُرْخِ ستر بابه، فإن الله تعالى يقسم الثناء كما يقسم الرزق».

ولهذا قال عمر - رضي الله عنه - لرجل طأطأ رقبته: «يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك؛ ليس الخشوع في الرقاب، وإنما الخشوع في القلوب». وقال نبينا ﷺ: «إن المرائي ينادى يومَ القيامة بأربعة أسماء: يا مرائي، يا غاوي، يا فاجر، يا خاسر، اذهب فخذ أجرك ممن عملت له، فلا أجر لك عندنا». وقال قتادة - رحمة الله عليه -: إذا راءى العبد يقول الله تعالى: «انظروا كيف يستهزيء بي». وقال الحسن - رحمه الله عليه -: «صحبت أقواماً إن كان أحدهم لتُعْرَضُ له الحكمة لو نطق بها نفعته ونفعت أصحابه، وما يمنعه منها إلا الشهرة».

#### فصل

حقيقة الرياء طلب المنزلة في قلوب الناس بالعبادات وأعمال الخير. وما يُراءى به ستة أصناف:

الأول: الرياء من جهة البدن: وهو إظهار النحول والصغار ليُظَنّ به السهر والصيام، وإظهار الحزن ليظن به أنه شديد الاهتمام بأمر الدين، وإظهار شعث الشعر ليظن به أنه لشدة استغراقه بالدين ليس يتفرّغ لنفسه، وإظهار ذُبُول[^122] الشفتين ليستدل به على صومه، وخفض الصوت ليستدل به على ضعفه من شدة المجاهدة.

الثاني: الرياء بالهيئة: كحَلْق الشارب وإطراق الرأس في المشي، والهدوء في الحركة، وإبقاء أثر السجود على الوجه، وتغميض العينين ليظن به أنه في الوجد والمكاشفة أو غائصٌ في الفكر.

الثالث: الرياء في الثياب: كلبس الصوف والثوب الخشن وتقصيره إلى قريب من الساق، وتقصير الكُمّين وترك الثوب مخرّقاً ووسخاً، ليُظَنّ أنه مستغرق الوقت عن الفراغ له، ولبس المرقّعة والسجادة، ليُظَنّ أنه من الصوفية مع إفلاسه عن حقائق التصوف، ولبس الدّرّاعة والطيلسان[^123]، وتوسيع الأكمام ليظن أنه عالم، والتقنّع فوق العمامة بإزار، ولبس الجوارب ليُظَنّ أنه متقشف لشدة ورعه من غبار الطريق. ثم منهم من يطلب المنزلة في قلوب أهل الصلاح، فيلازم الثوب الخَلِق، ولو لبس ثوباً جديداً لكان عنده كالذبح، إذ يخاف أن يقول الناس قد بَدَا له من الزهد. ومنهم من يطلب المنزلة من السلاطين والتجار، ولو لبس خُلْقان الثياب لازدروه، ولو لبس فاخر الثياب لم يعتقدوا زهده، فيطلب المرقعة المصبوغة والفوطة الرقيقة، والأصواف الرفيعة، فتكون ثيابهم في القيمة والنفاسة كثياب الأغنياء، وفي اللون والهيئة كثياب الصُّلحاء، ولو كُلّفوا أن يلبسوا الخَلَق لكان عندهم كالذبح خيفة عن السقوط من أعين الأغنياء، ولو كُلّفوا لبس الخزّ والقَصَبيّ والديبقي وما يباح لبسه، قيمته دون قيمة ثيابهم، لاشتد عليهم خوفاً عن سقوط منزلتهم عن القلوب الصلحاء، إذ يقولون: بَدا له من الزهد.

الرابع: الرياء بالقول: كرياء أهل الوعظ والتذكير، وتحسين الألفاظ وتسجيعها، والنطق بالحكمة، والأخبار، وكلام السلف، مع ترقيق الصوت وإظهار الحزن، مع الخلوّ عن حقيقة الصدق والإخلاص في الباطن، بل ليُظَنّ به ذلك، وكادّعاء حفظ الحديث ولقاء الشيوخ والمبادرة إلى الحديث أنه صحيح أو سقيم، ليُظن به غزارة العلم. وكتحريك الشفتين بالذِّكر، والأمر بالمعروف بمشهد الناس مع خلوّ القلب عن التفجع بالمعصية. وكإظهار الغضب عن المنكرات والأسف عن المعاصي مع خلوّ القلب عن التألم به.

الخامس: الرياء بالعمل: كتطويل القيام وتحسين الركوع والسجود، وإطراق الرأس، وقلة الالتفات، والتصدّق، والصوم، والحج، والإخبات[^124] في المشي مع إرخاء الجفون، مع أن الله تعالى عالم أن باطنه لو كان خالياً لما فعل شيئاً من ذلك، بل تساهل في الصلاة وتسرّع في المشي، وقد يفعل ذلك في المشي[^125]، فإذا شعر باطلاع غيره عليه عاد إلى السكينة كي يظن به الخشوع.

السادس: الرياء بكثرة التلامذة والأصحاب وكثرة ذكر الشيوخ: ليُظن أنه لقي شيوخاً كثيرة، وكمَنْ يحب أن يزوره العلماء والسلاطين ليقال إنه ممن يُتبرّك به.

فهذه مجامع ما يراءى به في الدين؛ وكل ذلك حرام، بل هو من الكبائر. وأما طلب المنزلة في قلوب الناس بأفعال ليست من العبادات وأعمال الدين فليست بحرام، ما لم يكن فيه تلبيس كما ذكرناه في طلب الجاه. فأهل الدنيا قد يطلبون الجاه بكثرة المال، والغلمان، وحسن الثياب الفاخرة، وحفظ الأشعار، وعلم الطب، والحساب، والنحو، واللغة، وغير ذلك من الأعمال والأحوال. ولم يحرم ذلك ما لم ينته إلى الإيذاء بالتكبر وإلى أخلاق أُخرى مذمومة، وإنما استقصينا أقسام الرياء لأنه أغلب الأخلاق الذميمة على النفوس، فمن لا يعرف الشرّ ومواقعه، لا يمكنه أن يتّقيه.

#### فصل

الرياء على درجات خبيثة:

إحداها: أن لا يكون بالأمور الدينية والعبادات، كالذي يلبس عند الخروج ثياباً حسنة خلاف ما يلبسه في الخلوة، وكالذي ينفق في الضيافات وعلى الأغنياء أموالاً، ليُعتقد أنه سخي، لا ليعتقد أنه ورع صالح، فذلك ليس بحرام؛ فإنّ تملك القلوب كتملك الأموال. نعم، القليل منه صالح نافع، والكثير منه يُلهي عن ذكر الله، كالكثير من المال. ومهما انصرفت الهمة إلى سعة الجاه، فيجرّ ذلك إلى الغفلة والمعاصي، فيكون محذوراً بذلك لا لنفسه، وأما إظهار الشمائل التي ذكرناها ليعتقد الناسُ فيه الدينَ والورعَ فحرام لشيئين: أحدهما، أنه تلبيس إذا أراد أن يعتقد الناس أنه مخلص مطيع لله محبٌّ، وهو بهذه النية فاسق ممقوت عند الله. ولو سلّم الرجل دراهم إلى جماعة يخيل إليهم أنه يجود عليهم بها، وإنما هي ديون لازمة، عصى لتلبيسه، وإن لم يطلب به أن يعتقد صلاحه لأن ملك القلوب بالتلبيس حرام.

الثاني: أنه إذا قصد بعبادة الله خلق الله فهو مستهزيء، ومن وقف بين يدي ملك في معرض الخدمة وليس غرضه ذلك بل غرضه ملاحظة عبد من عبيد الملك أو جارية من جواريه، فانظر ماذا يستحقه من النَّكال لاستهزائه بالملك، فكأنه إذا قصد العبادَ بالعبادة فقد اعتقد أن عباد الله أقدر على نفعه وضره من الله تعالى، إذ عَظَمة العباد في قلبه دعته إلى أن يتجمل عندهم بعبادة الله، ولهذا سمي الرياء الشرك الأصغر، ثم يزداد الإثم بزيادة فساد القصد والنية.

ومن المرائين من لا يطلب إلا مجرد الجاه. ومنهم من يطلب أن يودعَ الودائع وتوقف عنده الأوقاف ومال الأيتام ليختزل منها، وذلك أخبث لا محالة. ومنهم من يُرائي ليقصد إليه النساء والصبيان، ليتمكن من الفجور، أو ليكثر عنده المال ليصرفه إلى الخمر والملاهي، وهذا هو الأعظم، إذ جعل عبادة الله تعالى وسيلة إلى مخالفته، والعياذ بالله.

#### فصل

كما يعظم الرياء ويتغلظ إثمه بسبب اختلاف الغرض الباعث عليه، فيعظم أيضاً بما به المراءاة وبقوة قصد الرياء. أما ما به المراءاة فهي على ثلاث درجات: أغلظها أن يُرائي بأصل الإيمان، كالمنافق يظهر أنه مسلم وليس بمسلم بقلبه، وكالملحد ومعتقد الإباحة يظهر أنه مستديم الإيمان وقد انسلّ منه باطنه. الثانية: الرياء بأصل العبادات، كمن يصلي ويُخرج الزكاة بين يدي الناس، والله يعلم من باطنه أنه لو خلا بنفسه لم يفعل ذلك. الثالثة: وهي أدناها، أن لا يُرائي بالفرائض ويرائي بالنوافل، كالذي يكثر النافلة، ويحسن هيئة الفريضة، ويخرج الزكاة من أجود ماله، أو يتهجد أو يصوم يوم عرفة وعاشوراء، والله يعلم من باطنه أنه لو خلا بنفسه لم يفعل شيئاً من ذلك؛ وهذا أيضاً حرام، وإن كان لا ينتهي شدة العقوبة فيه إلى حدّ الرياء بالأصول.

وأما تغليظه بدرجات القصد فهو أنه قد يتجرد قصد الرياء حتى يصلّي مثلاً على غير طهارة لأجل الناس، أو يصوم ولو خلا بنفسه لأفطر، وقد يضاف إليه قصد العبادة أيضاً، وله ثلاث أحوال: إحداها: أن تكون نية العبادة باعثة مستقلة لو خلا بنفسه، ولكن زاده رؤية غيره ومشاهدته نشاطاً، وخف عليه العمل بسببه، فأرجو أن لا يحبط ذلك القدر عمله بل تصح عبادته ويثاب عليها، ويعاقب على قصد الرياء أو ينقص من ثوابه. الثانية: أن يكون قصْد العبادة ضعيفاً بحيث لو انفرد عن الناس ما استقل بالحمل على العبادة؛ فهذا لا تصح عبادته، والقصد الضعيف لا ينفي عنه شدة المقت. الثالثة: أن يتساوى القصدان بحيث لا يستقلُّ كلّ واحد بالحمل لو انفرد، أو لا ينبعث للفعل بأحدهما بل بمجموعهما، فهذا قد أصلح شيئاً وأفسد مثله، فالغالب أنه لا يسلَم رأساً برأس، ويحتمل أن يقال إذا تساوى القصدان، فأحدهما كفّارة للآخر؛ وقوله تعالى: «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك» يدل على أنه لا يقبله ولا يُثيبه عليه. أما إنه يعاقبه عليه ففيه نظر، فالأغلب عندي - والعلم عند الله - أنه لا يخلو عن إثم وعقاب.

#### فصل

اعلم أن بعض الرياء جليٌّ، وبعضه أخفى من دبيب النمل. أما الجليُّ، فما يبعث على العمل، حتى لولاه لم يرغب في العمل، وأخفى منه أن لا يستقل بالحمل عليه، ولكن يخفف العمل ويزيد في نشاطه، كالذي يتهجد كل ليلة وإذا كان عنده ضيف زاد نشاطه؛ وأخفى منه أن لا يزيد نشاطه، ولكن لو اطّلع غيره على تهجده قبل فراغه أو بعده فرح به ووجد في نفسه هزّة، وذلك يدل على أن الرياء كان مستكنًّا في باطن القلب استكنان النار تحت الرماد حتى ترشّح منه السرور عند الاطلاع، وقد كان غافلاً عنه قبله، وأخفى منه أن لا يسر بالاطلاع، لكن يتوقع أن يبدأ بالسلام ويوقر، ويتعجب ممن يسيء إليه ولا يسامحه في المعاملة، ولا يحترمه، وذلك يدل على أنه يمنّ على الناس بعمله، فكأنه يتوقع احترامهم وتوقيرهم بعبادته مع إخفائه عنهم. وأمثال هذه الخفايا لا يخلو عنها إلا الصدّيقون، وجميع ذلك إثم، ويخاف منه إحباط العمل. نعم، لا بأس أن يفرح باطلاع غيره عليه إذا كان فرحه بالله تعالى من حيث أظهر منه الجميل، وستر منه القبيح، مع أنه قصد سترهما جميعاً، فيفرح بلطف صنع الله تعالى؛ وكذلك يفرح لأنه يبشره بأنه حيث أحسن صنعه به في الدنيا، فكذلك يصنع به في الآخرة. أو يفرح ليقتدي به من يراه أو يطيع الله بحمده له عليه. وعلامة هذا أن يفرح أيضاً، إذا اطلع على غيره ممن يرتجي قدوته.

ومن أجل خفاء أبواب الرياء وشدة استيلائه على الباطن احترز أولو الحزم فأخفوا عبادتهم، وجاهدوا أنفسهم. وقد قال عليٌّ - رضي الله عنه -: إن الله عز وجل يقول للقراء يوم القيامة، «ألم يكن يرخّص عليكم في السعر، أو لم تكونوا تبدؤون بالسلام، ألم تكن تقضى لكم الحوائج؟ لا أجر لكم فقد استوفيتم أجوركم». فاجتهد إن أردت الخلاص أن يكون الناس عندك كالبهايم والصبيان، فلا تفرق في عبادتك بين وجودهم وعدمهم، وعلمهم بها أو غفلتهم عنها، وتقنع بعلم الله تعالى وحده، وتطلب الأجر منه، فإنه لا يقبل إلا الخالص كي لا تحرم من فائدته في أحوج أوقاتك إليه.

#### فصل

لعلك تقول ما أقدر على انفكاك الرياء الخفيّ كما وصفته، وإن قدرت على الرياء الجلي، فهل تنعقد عبادتي مع ذلك؟

فاعلم أن وارد الرياء لا يخلو إما أن يرد مع أول العمل، أو في دَوامه، أو بعد الفراغ منه. أما ما يقارن الابتداء فيبطله ويمنع انعقاده إن صار باعثاً مؤثراً في الحمل على العمل، بل أول العقد يجب أن يكون خالصاً، وإنما يبطل بالرياء الباعث على أصل العمل. وأما إذا لم يحمل إلا على المبادرة في أول الوقت مثلاً، فأظن - والعلم عند الله تعالى - أن أصل الصلاة يصح، وإنما تفوته فضيلة المبادرة، ويعصي بقصد المراءاة به، ولكن يقصد الفرض عنه. وأما ما يرد في دوام الصلاة - إن أبطل باعث الصلاة - فتبطل الصلاة؛ مثاله: أن يحضر في أثناء الصلاة أوطاره، أو يتذكر نسيان شيء، ولو خلا لقطع الصلاة، لكنه أتمّ حياء من الناس، فهذا لا يسقط الفرض عنه، لأن النية قد انقطعت وانقطع باعث العبادة؛ وأما إذا لم تنقطع نيته، لكن صار مغلوباً مغموراً كما لو حضر قوم فغلب على قلبه الفرح بإطلاعهم، وانغمر باعث العبادة، فغالب الظن أنه إن انقضى ركن ولم يعاوده الباعث الأصلي فسدت صلاته؛ لأنّا نستصحب نية البداية بشرط أن لا يطرأ ما لو قارن ابتداءها لمنع. وإن لم ينغمر باعث العبادة، ولكن حصل مجرد سرور ولم يؤثر في العمل، بل في تحسين الصلاة فقط، فغالب الظن أن الصلاة لا تفسد ويتأدّى الفرض. وأما ما يطرأ بعد الصلاة من ذكر وسرور ومراءاة فلا ينعطف على ما مضى ولكن يعصي به ويأثم، ويكون عقابه بقدر قصده وإظهاره. ومهما ظهرت له داعية ذكر العبادة إما بالتصريح وإما بالتعريض، فذلك يدل على أن الرياء كان خفيًّا في باطنه.

> **Passage douteux** — Le sens attendu serait « yasqut al-fard ʿanhu » (l’obligation est acquittée) ; texte imprimé gardé, traduit au plus près.

#### فصل

إذا عرفت حقيقة الرياء، وكثرة مداخلته، فعليك بالتشمّر في معالجته. وعلاجه في دفع الأسباب الباعثة عليه وهي ثلاث: حب المدح، وخوف الذم، والطمع.

أما حب المدح، فكمن يهجم على صف القتال ليقال إنه شجاع، أو يُظهر العبادات ليقال إنه وَرِع. وعلاجه ما تقدم في علاج حبّ الجاه، وهو أن تعلم أنه كمال وهميّ، لا حقيقة له. وعلاجه في الرياء خاصة، أن يقرر على نفسه ما فيه من الضرر، فإن العسل - وإن كان لذيذاً - فإذا علم أن فيه سمًّا سهل تركه. فليقرّر على نفسه أنه يقال له في يوم فقره بسبب ريائه: يا فاجر يا غاوي استهزأت بالله عز وجل وراقبت العباد وتحببت إليهم، واشتريت حمدهم بذم الله تعالى، وطلبت رضاءهم بسخطه، أمَا كان أحد أهون عليك من الله تعالى؟ فلو لم يكن إلا هذا الخزي والخجلة، لكان كافياً في المنع عنه، كيف وقد انضم إليه العقوبة وإحباط العبادة، وأنه ربما يترجح به كفة السيئات بعد أن قارنت كفة الحسنات، فيكون سبب هلاكه! وليقرر على نفسه أن رضى الناس غاية لا تدرك، ومن طلب رضى الناس بسخط الله تعالى أسخط الله عليه. فكيف يترك رضى الله بما لا يطمع في حصوله؟

وأما الباعث الثاني، وهو الخوف من ذمهم؛ فيقرر على نفسه أن ذمهم لن يضره إن كان محموداً عند الله عز وجل، ولم يتعرض لذم الله ومقته خوفاً من ذم الخلق، ويكفيه أن الناس لو علموا ما في باطنه من قصد الرياء لمقتوه، ويأبى الله إلا أن يكشف سره حتى يعرف نفاقه فيمقته الناس أيضاً بعد أن يمقته الله عز وجل. ولو أخلص وأعرض بقلبه عنهم وجرّد نظره إلى الله تعالى لكشف لهم إخلاصه وأحبوه.

وأما باعث الطمع، فيدفعه بأن يعلم أن ذلك أمر موهوم، وفوات رضى الله تعالى ناجز، ويعلم أن الله تعالى هو المسخر للقلوب، وأن من طمع في الخلق لم يخل عن الذل والمهانة والمنّة، ومن أعرض عن الطمع في الخلق كفاه الله تعالى وسخر له القلوب. فإذا أحضر في قلبه نعيم الآخرة والدرجات الرفيعة، وعلم أن ذلك يفوت بالرياء أعرض قلبه عن الخلق واجتمع همه وفاضت عليه أنوار الإخلاص وأمده الله سبحانه بمعونته وتوفيقه.

#### فصل

لعلك تقول إني قرّرت هذا كله في نفسي، ونفر عن الرياء قلبي، ولكن ربما هجم عليّ وارد الرياء بغتة في بعض العبادات عند اطّلاع الخلق، فما العلاج منه عند هجومه؟

فاعلم أن أصل هذا العلاج، أن تخفي عبادتك كما تخفي فواحشك، ففيه السلامة. روي أن بعض أصحاب أبي حفص الحداد ذمّ الدنيا وأهلها فقال له: أظهرت ما كان سبيلك أن تخفيه، لا تجالسنا بعد هذا. وإخفاء العبادة، إنما يشق في البداية، فإذا صار عادة ألف الطبع لذة المناجاة في الخلوة. ومهما هجم وارد الرياء فعلاجه أن تجدّد على قلبك ما رسخ فيه من قبل من المعرفة بالتعرض لمقت الله عز وجل، مع عجز الناس عن منفعتك ومضرّتك، حتى تنبعث منه كراهية لداعية الرياء. ثم الشهوة تدعو إلى إجابة الرياء بتحسين العمل والفرح به، والكراهية تدعو إلى رده والإعراض عنه، وتكون اليد للأقوى. فإن قويت الكراهية حتى منعتك من الركون إليه، واستصحبت حالتك التي كنت عليها، فلم تزد ولم تنقص ولم تتكلف إظهار الفعل وإيثاره، فقد اندفع عنك الإثم ولم تكلف أكثر من ذلك. وأما دفع الخواطر ودفع الطبع عن الميل إلى أقوال الناس، فلا يدخل تحت التكليف، وإنما منتهى التكليف الكراهية والإباء عن إجابة الداعية.

#### فصل

يجوز إظهار الطاعات لأجل اقتداء الناس وترغيبهم إذا صحت النية، ولم يكن معه شهوة خفية، وعلامته أن يقدّر أن الناس لو اقتَدَوا بأحد أقرانه وكُفِيَ مؤونة الترغيب، وأخبر بأن أجره في الإسرار كأجره في الإظهار فلا يرغب في الإظهار؛ فإن كان ميله إلى أن يكون هو المقتدى به أكثر، ففيه داعية الرياء، لأنه إن كان يطلب سعادة الناس وخلاصهم، فقد حصل ذلك بغيره ولم يفته إلا إظهار نفسه. وكذلك يجوز كتمان المعاصي والذنوب، ولكن بشرط أن يكون غرضه أن لا يُعْتَقد فيه الورع، بل لا يعتقد فيه الفسق، ولا بأس بفرحه باستتار معاصيه، وحزنه بانكشافها، إما فرحاً بستر الله عليه، وإما فرحاً بموافقة أمر الله تعالى، فإنه تعالى يحب كتمان المعاصي، وينهى عن المجاهرة بها. وإما لأنه يكره أن يذم فيتألم به، إذ التألم بذم الناس ليس بحرام بل يوجبه الطبع، وإنما الحرام الفرح بمدح الناس إياه بالعبادة؛ فإن ذلك كأجر يأخذه على العبادة. وإما لأنه يستحي من ظهورها، والحياء غير الرياء، ولكن قد يمتزج به. وأما ترك الطاعة خوفاً من الرياء فلا وجه له.

قال الفضيل: الرياء ترك العمل خوفاً من الرياء، أما العمل لأجل الناس فهو شِرْك، بل ينبغي أن يعمل ويخلص، إلا إذا كان العمل فيما يتعلق بالخلق كالقضاء والإمامة والوعظ، فإذا علم من نفسه أنه بعد الخوض فيه لا يملك نفسه، بل يميل إلى دواعي الهوى، فيجب عليه الإعراض والهرب، كذلك فعل جماعة من السلف. وأما الصلاة والصدقة فلا يتركهما إلا إذا لم تحضره أصلاً نية العبادة. بل لو تجرّد نية الرياء فلا يصح عمله فليتركه[^126]. أما من اعتاد فعله فحضر جماعة فيخاف على نفسه من الرياء، فلا ينبغي أن يتركه بل ينبغي أن يستمر على عبادته ويجتهد في دفع باعث الرياء.

> **Passage douteux** — L’imprimé porte « aslâniyyat al-ʿibâda », lu « aslan niyyat al-ʿibâda » ; l’éditeur signale que le sens de la phrase suivante est incertain.

### خاتمة في مجامع الأخلاق ومواقع الغرور فيها

اعلم ان الأخلاق المذمومة كثيرة، ولكن ترجع أصولها إلى ما ذكرناه. ولا يكفيك تزكية النفس عن بعضها حتى تتزكى عن جميعها. ولو تركت واحداً منها غالباً عليك، فذلك يدعوك إلى البقية، لأن بعض هذه يرتبط بالبعض، ويتقاضى بعض الأخلاق الذميمة بعضاً، ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم، والسلامة المطلقة لا تُنال بدفع بعض الأمراض، بل إنما تنال بالصحة المطلقة، كما أنّ الحُسْن لا يحصل بحسن بعض الأعضاء ما لم يحسن جميع الأطراف، والنجاة في حسن الخلق. قال النبي ﷺ: «أثقل ما يوضع في الميزان خلق حسن»، وقد قال النبي عليه السلام: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وقيل له: ما الدين؟ قال عليه السلام: «الخلق الحسن»، وقال عليه السلام: «حُسن الخلق خلق الله تعالى». وقال عليه السلام: «أفضل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً». وقد كثرت الأقاويل في حقيقته وبيان حدّه، والأكثرون تعرضوا لبعض ثمراته، ولم يحيطوا بجميع تفصيله، والذي يطلعك على حقيقته، أن تعلم أن الخَلْق والخُلُق عبارتان فيراد بالخَلْق الصورة الظاهرة، وبالخُلُق الصورة الباطنة، وذلك لأن الإنسان مركَّب من جسد يدرك بالبصر، ومن روح ونفس يدرك بالبصيرة لا بالبصر، ولكل واحد منهما هيئة، إما قبيحة وإما حسنة. والنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدراً، ولذلك أضافه الله عز وجل إلى نفسه، وأضاف البدن إلى الطين، فقال: ﴿إني خالقٌ بَشَراً مِن طين، فإذا سَوَّيتُه ونَفَختُ فيه مِن رُوحي﴾ [ص: ٧١-٧٢]، ووصف الروح بأنه أمر رباني فقال: ﴿قل الروحُ مِن أمر رَبّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، وأعني بالرّوح والنفس ههنا معنى واحداً وهو الجوهر العارف المدرك من الإنسان بإلهام الله تعالى، كما قال: ﴿ونفسٍ وما سوّاها فألهمَها فجورَها وتقواها، قد أفلحَ مَن زكّاها وقد خابَ من دسّاها﴾ [الشمس: ٧-١٠]، وكما أن للحُسن الظاهر أركاناً كالعين والأنف والفم والخد - ولا يوصف الظاهر بالحسن ما لم يحسن جميعها - فكذلك الصورة الباطنة لها أركان لا بدّ من حُسن جميعها حتى يحسن الخلق، وهي أربعة معان: قوة العلم، وقوة الغضب، وقوة الشهوة، وقوة العدل، بين هذه القوى الأربع؛ فإذا استوت هذه الأركان الأربعة، واعتدلت، وتناسقت، حصل حسن الخلق.

أما قوّة العلم، فاعتدالها وحسنها أن تصير بحيث يُدرك بها الفرق بين الصدق والكَذب في الأقوال، وبين الحق والباطل في الاعتقادات، وبين الجميل والقبيح في الأعمال. فإذا انحصلت هذه القوة كذلك، حصلت منها ثمرة الحكمة، وهي رأس الفضائل؛ قال الله عز وجل: ﴿ومَنْ يؤتَ الحكمةَ فقد أُوتي خيراً كثيراً، وما يَذَّكَّرُ إلاّ أولو الألباب﴾ [البقرة: ٢٦٩].

> **Passage douteux** — Mot qui ressemble à une coquille de l’imprimé ; gardé tel quel.

وأما قوة الغضب فاعتدالها أن يحصل انقباضها وانبساطها على موجب إشارة الحكمة والشرع، وكذلك قوة الشهوة.

وأما قوة العدل فهي في ضبط قوة الغضب، وقوة الشهوة تحت إشارة الدين والعقل، فالعقل منزلته منزلة الناصح، وقوة العدل هي القدرة، ومنزلتها منزلة المنفذ الممضي لإشارة العقل، والغضب والشهوة، وهما اللذان تنفّذ بهما الإشارة، وهما كالكلب والفرس للصياد. فإن حَسُنَ بعض هذه دون بعض، كان كما لو حسن بعض أعضاء الوجه، فلا يطلق اسم الحسن له إلا إذا حسن الجميع واعتدل، فإذا حسنت واعتدلت انشعب منه جميع الأخلاق. وأما قوة الغضب، فيعبر عن اعتدالها بالشجاعة، والله تعالى يحب الشجاعة، وإن مالت إلى طرف الزيادة سميت تَهوّراً، وإن مالت إلى النقصان تسمّى جبناً. ويتشعب من اعتدالها: خلق الكرم، والنجدة، والشهامة، والحلم، والثبات، وكظم الغيظ، والوقار، والتُّؤَدَة. وأما إفراطها فيحصل منه: خلق التهوّر، والصَّلَف، والبذخ، والاستشاطة، والكبر، والعجب. وأما تفريطها فيحصل منه: الجبن، والمهانة، والذلة، والخساسة، وعدم الغيرة، وضعف الحمية على الأهل، وصِغر النفس. وأما الشهوة، فيعبر عن اعتدالها بالعفة، وعن إفراطها بالشَّره، وعن تفريطها وضعفها بالخمود، فيصدر من العفة: السخاء، والحياء، والصبر، والسماحة، والقناعة، والورع، والمساعدة، والظرف، وقلة الطمع. ويصدر عن إفراطها: الحرص، والشره، والوقاحة، والتبذير، والتقتير، والرياء، والهتكة، والمجانة، والملق، والحسد، والشماتة، والتذلل للأغنياء، واستحقار الفقراء، وغير ذلك. وأما قوة العقل، فيصدر من اعتدالها: حسن التدبير، وجودة الذهن، وثقابة الرأي، وإصابة الظن، والتفطن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفس. وأما إفراطها فيحصل منه: الجربزة[^127]، والدهاء، والمكر، والخداع. ويحصل من تفريطها وضعفها: البله، والحمق، والغمارة[^128]، والبلادة، والانخداع.

فهذه هي روابط الأخلاق؛ وإنما معنى حسن الخلق في الجميع وسط بين الإفراط والتفريط، فخير الأمور أوسطها، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم. ولذلك قال عز وجل: ﴿ولا تجعلْ يَدَكَ مغلولةً إلى عُنقِك ولا تَبسطْها كلَّ البسط﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يُسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿أشداءُ على الكُفّار رُحماءُ بينهم﴾ [الفتح: ٢٩]. ومهما مال واحد من هذه الجملة إلى الإفراط والتفريط فبعد لم يكمل حسن الخلق.

#### فصل

طريق إصلاح هذه الأخلاق كلها المجاهدة والرياضة. ومعنى المجاهدة أن يكلّف الصفة المفرطة الغالبة خلاف مقتضاها فتعمل بنقيض موجبها، فإن غلب البخل فلا تزال تتكلف البذل بالمجهود، وتداوم عليه مرة بعد أخرى، حتى يسهل عليك البذل في محله؛ فإن غلب التبذير فلا تزال تتكلف الإمساك حتى يصير عادة فيسهل عليك الإمساك في محله. وكذلك في خلق الكبر وسائر الأخلاق، وقد ذكرناه في كتاب رياضة النفوس على التفصيل. وينبغي أن تعلم أنّ مَن يبذل تكلّفاً فليس بسخيّ، وأن من يتواضع تكلفاً فهو ثقيل على نفسه، وهو عاطل عن خلق التواضع، بل الخلق عبارة عن هيئة للنفس يصدر عنها الفعل بسهولة من غير رويّة وتكلف. لكن التكلف هو طريق تحصيل الخلق، فإنه لا يزال يتكلف أوّلاً حتى يصير طبعاً وعادة. فيفهم من هذا أن البخيل قد يَبذل وأن السخيّ قد يُمسك. فلا تنظر إلى الفعل بل إلى الهيئة الراسخة التي تصدر منها الأفعال بيُسْر من غير تكلف. واعلم أن تفاوت الناس في الحسن الباطن، كتفاوتهم في الحسن الظاهر، ولن يسلم الحسن المطلق إلا على الندور، وإنما سلم ذلك لرسول الله ﷺ حتى أثنى الله سبحانه عليه فقال: ﴿وإنك لعَلى خلق عظيم﴾ [القلم: ٤]. وليست النجاة موقوفة على الكمال البالغ لكن على أن يكون الميل إلى الحسن أكثر، فإن القبيح المطلق في الظاهر ممقوت، والحسن المطلق معشوق، وما بينهما درجات، فالقريب من الحسن المطلق أسعد في الدنيا من القريب إلى القبح المطلق. وكذلك تتفاوت سعادة الآخرة بحسب تفاوت حسن الصورة الباطنة.

#### فصل

اعلم أنك قد تظن بنفسك حسن الخلق وأنت عاطل عنه، فإياك أن تغتر، وينبغي ان تُحكِّم فيه غيرك فتسأل عنه صديقاً بصيراً لا يداهنك. وبالجملة إذا نسبك غيرك إلى سوء الخلق أوشك أن تكون كذلك؛ لأن أكثر الأخلاق يتعلق بالغير فينبغي أن تظهر لهم. ومن مواقع الغرور فيه مثلاً أن تغضب فتظن أنك تغضب الله تعالى، وتظهر العبادة وتظن أنك تظهر للاقتداء، أو تكف عن الأكل أو طلب الدنيا أو تكظم الغيظ. وإنما يهون عليك ذلك أن تُعرَف به فيكون الرياء الباعث على الجميع. وكذلك يكثر مواقع الغرور فيه على ما ذكرناه في كتاب الغرور؛ فإن هذا الكتاب لا يحتمل استقصاءه.

#### فصل

ينبغي أن تتفقد هذه الأخلاق في قلبك، وتبدأ بالأهم فالأهم، فتُقْبل على أغلب هذه الصفات فتكسرُها على التدريج. وأظن أن الأغلب عليك حبّ الدنيا، وسائر المعاصي والأخلاق المذمومة تتبعها. ولا يمكنك الخلاص من حب الدنيا إلا بأن تطلب خلوة خالية، وتتفكر في سبب إقبالك على الدنيا وإعراضك عن الآخرة، فلا تجد له سبباً إلا محض الجهل والغفلة، فإن أقصى عمرك في الدنيا مائة سنة. فهب أن مملكة وجه الأرض تسلم لك من المشرق إلى المغرب في ماية سنة، أليس يفوتك بها المملكة في مدة لا آخر لها وهي مملكة الآخرة؟ فإن كان لا يدخل في خيالك طول الأبد، فقدّر الدنيا كلّها مملوءة ذُرة، فقدِّر طائراً يأخذ في كلّ ألف ألف سنة حبة واحدة فتفنى الذرة ولم ينقص من الأبد شيء، لأن الباقي أيضاً لا نهاية له كما كان قبل ذلك. وأنت ترى نفسك ترضى بتعب الأسفار إمّا في تجارة أو طلب رئاسة، وهذا التعب الناجذ[^129] لأجل شيء موهوم ربما يدركك الموت قبله، وربما لا يصفو لك إن ظفرت به؛ وإنما ترضى بذلك لأنك تستحقر التعب سنة مثلاً بالإضافة إلى بقية العمر، وجملة عمرك بالإضافة إلى الأبد أقلّ من سنة بالإضافة إلى عمرك، بل لا إضافة بينهما، فتفكر فيه لينكشف لك جهلك على القرب. ولعلك تقول إنما أفعل ذلك على توقع العفو، فإن الله تعالى كريم رحيم. فأقول: ولم لا تترك الحراثة والتجارة وطلب المال على توقع العثور على كنز في خراب، فإن الله كريم لا ينقص من ملكه شيء لو عرّفك في منامك كنزاً من الكنوز حتى تأخذه؟ فإن قلت: ذلك نادر وإن كان داخلاً في قدرة الله تعالى. فاعلم أن توقع العفو مع خراب الأعمال والأخلاق كتوقع كنز في خراب بل أبعد منه وأندر؛ وقد نبهك الله تعالى عليه وقال: ﴿وأنْ ليس للإنسان إلاّ ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩]، وقال الله تعالى: ﴿أم نجعلُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسِدين في الأرض﴾ [ص: ٢٨] الآية. ورغبك عن طلب المال فقال الله تعالى: ﴿وما من دابّةٍ في الأرض إلا على الله رزقُها﴾ [هود: ٦].

> **Passage douteux** — Graphie de l’imprimé (« mâya » pour « mi’a », cent) gardée telle quelle.

فما بالك تكذّب بكرمه في الدنيا ولا تتكل عليه، ثم تخدع نفسك بالكرم في الآخرة وأنت تعلم أن رب الدنيا والآخرة واحد؟

#### فصل

لعلك تقول: عواقب أمور الدنيا قد انكشفت لي بالعيان واطمأن قلبي إليها، وأما أمر الآخرة فلم أشاهده ولست أجد تصديقه الحقيقي في قلبي؛ فلذلك فَتَرَتْ رغبتي في ترك الدنيا نقداً بما هو موعود نَسيئة ولست أثق به. فأقول: لو كنت من أرباب البصائر لانكشف لك أمر الآخرة صريحاً كما انكشف أمر الدنيا؛ وإذا لم تكن من أهله فتفكر في أقاويل أرباب البصائر، فإن الناس في أمر الآخرة أربعة أصناف:

صنف أثبتوا الجنة والنار كما ورد به القرآن، وقد سمعت أنواع نعيمها وأنكال جحيمها.

وصنف لم يثبتوا اللّذات والآلام الحسية بل أثبتوهما على سبيل التخيل، كما في المنام، حتى يكون كل واحد في جنة أو نار يراها وحده، وزعموا أن تأثير ذلك فيه كتأثير الحقيقة، لأن تألم النائم كتألم اليقظان، وإنما يخلص عنه بالتنبه، وذلك في الآخرة دائم لا انقطاع له.

وصنف ثالث أثبتوا آلاماً عقلية ولذات عقلية، وزعموا أن ذلك أعظم من الحسية؛ ومثلوا ذلك باستشعار لذة الملك واستشعار زوالها؛ فإن زوال الملك يؤرث[^130] آلاماً كثيرة بدنية على ما يظفر به عدوه ويأخذ مملكته ويستسخره، مع أن ظفر العدوّ لا يؤلم البدن.

وهؤلاء هم أصناف النظّار، أعني الأصناف الثلاثة، وهم الأنبياء والأولياء والحكماء، وكلّهم اتفقوا على إثبات سعادة مؤبدة وشقاوة مؤبدة. فإن السعادة لا تنال إلا بترك الدنيا والإقبال على الله عزّ وجلّ، ولو مرضت ولم تكن من أهل البصيرة في طب ورأيت أفاضل الأطباء قد اتفقوا على شيء لم تتوقف في اتباعهم.

وصنف رابع ليسوا من النظّار في الأمور الإلهية، بل من الأطباء والمنجمين اقتصر نظرهم على الطبائع الأربع ومزاجها، ورأوا قوام الروح موقوفاً عليها، ولم يتفطنوا لحقيقة الرّوح الإلهيّ الحقيقي الذي هو العارف بالله تعالى، بل لم يدركوا إلا الروح الجسماني الذي هو بخارٌ أنضجته حرارة القلب، ينتشر في العروق الضوارب إلى جميع البدن، فيقوم به الحس والحركة، وهي الروح التي توجد للبهائم أيضاً.

فأما الروح الخاص الإنساني المنسوب إلى الله سبحانه، حيث قال: ﴿وَنَفَخْتُ فيه مِنْ رُوحي﴾ [الحجر: ٢٩، ص: ٧٢]، فلم يتفطنوا لها، فظنوا أن الموت عدم، وأنه يرجع إلى فساد المزاج. وأنت في حق هؤلاء بين أمرين: إما أن تجوّز غَلَطهم، أو تعلم قطعاً صحة قولهم؛ فإن جوّزت خطاهم لزمك الإعراض عن الدنيا بمجرد الاحتمال، فإنك لو كنت صادق الجوع وظفرت بطعام وهممت بأكله، فأخبرك صبي أن فيه سمّاً وأن حية ولغت فيه، قاسيت الجوع وتركت الأكل، لأنك تقول: إن كان كاذباً فليس تفوتني إلا لذة الأكل، وإن كان صادقاً ففيه الهلاك؛ وبمثل هذا الاحتمال لا يمكن الهجوم عليه. فليت شعري مع احتمال الخلود في النار كيف يَستجرئ العاقل الهجوم عليه، فكيف لا يكون كاليقين التام في الحذر منه، حتى تنبه الشاعر عليه مع ركاكة عقله فقال:

> **Passage douteux** — Mot qui ressemble à une coquille de l’imprimé ; gardé tel quel.

زَعَمَ المنجمُ والطبيبُ كلاهما ... لا تُحشرُ الأمواتُ قلتُ إليكما\
إن صحّ قولكما فلستُ بخاسرٍ ... إن[^131] صحّ قولي فالخَسارُ عليكما

فإن قلت: إني أعلم ضرورة صدق هؤلاء، فإن الموت عدم وأنه لا عقاب ولا ثواب، فإن الأنبياء والأولياء مغرورون أو ملبِّسون، وإنما الذي انكشفت له حقيقة الحق هو هذا الطبيب الجاهل، وزعمت أني أعلم ذلك كما أعلم أن الاثنين أكثر من الواحد حتى لا يخالجني فيه ريب، فيدل هذا على فساد المزاج وركاكة العقل والبعد عن قبول العلاج. ولكن مع هذا يقال لك: إن كنت تطلب الراحة في الدنيا فقد يتقاضاك عقلك أيضاً مجاهدة الشهوات وكسرها؛ فإن الراحة في الحرية، والخلاص في كسر الشهوات لا في اتباعها، فإنها إذا سلطت على النفس فهي آلام ناجزة تحمل النفس على احتمال كل ذلّ ومشقة، وما المستريح في الدنيا إلا تاركها والزاهد فيها، وأما طالبها فلا يزال منها في عَناء. فالمعطل أيضاً - إن عقل قليلاً - ترك الدنيا لكثرة عنائها وسرعة فنائها وخسة شركائها. فإن لم تكن في أمر الآخرة على تخمين، ولا من مشاهدة آفات الدنيا على يقين، فما أنت إلا من الحمقى المغرورين، ولتعلمنّ نبأه بعد حين، ولذلك قال الله تعالى: ﴿ذَرْهُم يأكلُوا ويتمتّعوا ويُلْهِهِم الأملُ فسوفَ يَعلمون﴾ [الحجر: ٣].

## القسم الرابع في الأخلاق المحمودة وهي أيضاً عشرة أصول

### الأصل الأول التوبة

فإنها مبدأ طريق السالكين، ومفتاح سعادة المريدين. قال الله تعالى: ﴿إن الله يحبّ التوّابين ويحبُّ المُتَطَهِّرين﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً﴾ [النور: ٣١]، وقال النبي عليه السلام: «التائبُ حبيبُ الله، والتائبُ من الذنب كمن لا ذنبَ له». وقال عليه السلام: «اللهُ أفرح بتوبة عبده المؤمن مِن رجل نزل في أرض فلاة دوية[^132] مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فانفلتت، فطلبها حتى اشتد عليه الجوع والعطش أو ما شاء الله عز وجل؛ قال أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده، وعليها زاده وشرابه. فالله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن من هذا براحلته وزاده».

#### فصل

حقيقة التوبة الرجوع عن طريق البعد إلى طريق القرب، ولكن لها ركن ومبدأ وكمال: أما مبدؤها فهو الإيمان، ومعناه سطوع نور المعرفة على القلب حتى يتّضح فيه أن الذنوب سموم مهلكة، فيشتعل منه نار الخوف والندم، وينبعث من هذه النار صدق الرغبة في التلافي والحذر. أما في الحال فبترك الذنوب، وأما في الاستقبال فبالعزم على الترك، وأما في الماضي فبالتلافي على حسب الإمكان؛ وبذلك يحصل الكمال.

#### فصل

إذا عرفت حقيقة التوبة انكشف لك أنها واجبة على كل أحد، وفي كل حال؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً﴾ [النور: ٣١]، فخاطب الجميع مطلقاً. أما وجوبها فلأن معناها معرفة كون الذنوب مهلكة، والانبعاث لتركها، وهو جزء من الإيمان، أعني هذه المعرفة، فكيف لا تجب؟ وأما وجوبها على كل واحد فهو أن الإنسان مركب من صفات بهيمية وسبعيّة وشيطانية وربوبية، حتى يصدر من البهيمية الشهوة والشره والفجور، ومن السَّبُعية الغضب والحسد والعداوة والبغضاء، ومن الشيطانية المكر والحيلة والخداع، ومن الربوبية الكبر والعز وحب المدح والاستيلاء. وأصول هذه الأخلاق هذه الأربع، وقد عجنت في طينة الإنسان عجناً محكماً لا يكاد يتخلص منها، وإنما ينجو من ظلماتها بنور الإيمان المستفاد من العقل والشرع. فأول ما يخلق في الآدمي البهيمية فيغلب عليه الشَّره والشهوة في الصبا، ثم يخلق فيه السَّبُعية فيغلب عليه المعاداة والمنافسة، ثم يخلق فيه الشيطانية فيغلب عليه المكر والخداع، إذ تدعوه السبعية والبهيمية إلى أن يستعمل كياسته في حيل قضاء الشهوة وتنفيذ الغضب. ثم يظهر فيه بعد ذلك صفات الربوبية، وهو الكبر والاستيلاء وطلب العلو. ثم بعد ذلك يخلق العقل الذي يظهر فيه نور الإيمان وهو من حزب الله وجنود الملائكة. وتلك الصفات من جنود الشيطان. وجنود العقل يكمل عند الأربعين، ويبدو أصله عند البلوغ. وأما سائر جنود الشيطان يكون قد سبق إلى القلب قبل البلوغ، واستولى عليه وألِفَتْه النفس، واسترسلت في الشهوات متابعة لها، إلى أن يرد نور العقل فيقوم القتال والتطارد بينهما في معركة القلب. فإن ضعف جند العقل ونور الإيمان لم يقو على إزعاج جنود الشيطان فتبقى جنود الشيطان مستقرة آخراً كما سبق إلى النزول أولاً، وقد سلم للشيطان مملكة القلب. وهذا القتال ضروري في فطرة الآدمي، إذ لا يتَّسع له خلقة الولد لما لا يتسع له خلقة الأب؛ وإنما حكى لك حال آدم صلوات الله عليه لتتنبّه به أن ذلك كان مكتوباً عليه، وهو مكتوب على جميع أولاده في القضاء الأزلي الذي لا يقبل التبديل؛ فإذاً لا يستغني أحد عن التوبة.

#### فصل

وأما وجوبها في كل حال، فلأن الإنسان لا يخلو في جميع أحواله عن ذنب في جوارحه أو في قلبه، ولا يخلو عن خلق من الأخلاق الذميمة مما يجب تزكية القلب عنه، فإنه مبعد عن الله، والاشتغال بإماطته توبة، لأنه رجوع عن طريق البعد إلى طريق القرب. فإن خلا عن جميع ذلك فلا يخلو عن غفلة عن الله، وذلك أيضاً طريق البعد. ويلزمه الرجوع عنه بالذكر، ولذلك قال الله تعالى: ﴿واذكُرْ ربَّكَ إذا نسيت﴾ [الكهف: ٢٤]، وإن كان حاضراً على الدوام؛ وأنَّى يتصور ذلك؟ فلا يخلو عن ملازمة مقام نازل عن المقامات الرفيعة وراءه، وعليه أن يترقى منه إلى ما فوقه؛ ومهما ترقى منه استغفر عن مقامه الذي خلَّفه، لأنه تقصير بالإضافة إلى ما أدركه؛ وذلك لا نهاية له، فلذلك قال عليه السلام: «وإنه ليغان[^133] على قلبي حتى أستغفر الله تعالى في اليوم والليلة سبعين مرة». وكل ذلك كان توبة منه؛ إلا أن توبة العوام عن الذنوب الظاهرة، وتوبة الصالحين عن الأخلاق الذميمة الباطنة، وتوبة المتقين عن مواقع الريبة، وتوبة المحبين عن الغفلة المنسية للذكر، وتوبة العارفين عن الوقوف على مقام يتصور أن يكون وراءه مقام: والمقامات في القرب من الله لا نهاية لها، فتوبة العارف لا نهاية لها أيضاً.

#### فصل

التوبة إذا اجتمعت شرائطها، فهي مقبولة لا محالة. ولا يخفى عليك ذلك إن فهمت معنى القبول؛ فمعنى القبول: أن يحصل في قلبك استعداد القبول لتجلي أنوار المعرفة في القلب، وإنما قلبك كالمرآة يحجبه عن التجلي كُدُورات الشهوة والرغبة فيها، ويرتفع من كل ذنب ظلمة إليه، ومن كل حسنة نور إليه، فالحسنات تصقل النفس، ولذلك قال النبي ﷺ: «أتبع السيئة الحسنة تمحها». ونسبة التوبة إلى القلب نسبة الصابون إلى الثوب، ولا بد أن يزول منه الوسخ إذا استعمل فيه على وجهه. ومن تاب فإنما يشك في قبول التوبة لأنه ليس يستيقن تمام شروطها، كما أن من شرب المسهل لا يستيقن حصول الإسهال به لأنه لا يدري وجود تمام الشرائط في أدويتها، ولو تصور أن يعلم ذلك، لتصوَّر أن يعلم القبول في حق الشخص المعين. ولكن هذا الشك في الأعيان لا يشكِّكنا في أنَّ التوبة في نفسها بطريق القبول لا محالة.

#### فصل

علاج التوبة حل عقدة الإصرار، فإنه لا مانع منها سوى الإصرار، ولا حامل عليه سوى الغفلة والشهوة؛ وذلك مرض في القلب، وعلاجه كعلاج أمراض البدن. لكن هذا المرض أكثر من مرض الأبدان لثلاثة أسباب:

> **Passage douteux** — L’imprimé porte « akthar » (plus répandue) ; on attendrait plutôt « akhtar » (plus grave). Texte imprimé gardé.

أحدها: أنه من مرض لا يعرف صاحبه أنه مريض، وهو كبرص على وجه مَن لا مرآة له، فإنه لا يعالجه لأنه لا يعرفه، ولو أخبره غيره ربما لم يصدقه. الثاني: أن عاقبة هذا المرض لم يشاهدها الإنسان ولم يجرِّبها، فلذلك تراه يتكل على عفو الله ويجتهد في علاج مرض البدن غاية الجهد. الثالث: وهو الداء العضال فَقْدُ الأطباء؛ فإن الطبيب هو العالم العامل. وقد مرض العلماء في هذه الأعصار مرضاً عسر عليهم علاج أنفسهم، لأن الداء المهلك هو حب الدنيا، وقد غلب ذلك على العلماء، واضطرّوا إلى الكف عن تحذير الخلق من الدنيا كيلا تتكشف فضيحتهم، فافتضحوا لمّا اصطلحوا على الإقبال على الدنيا والتجاذب لها والتكالب عليها. فبهذا السبب عم الداء وانقطع الدواء، واشتغل الأطباء بفنون الإغواء، فليتهم إذا لم يصلحوا لم يفسدوا، وليتهم سكتوا وما نطقوا، بل صار كل واحد كأنه صخرة في فم الوادي، لا هي تشرب ولا تترك الماء ليشربه غيرها.

وجملة القول في علاجه أن تنظر في سبب الإصرار وهو يرجع إلى خمسة أبواب:

أولها: أن العقاب الموعود ليس بنقد، والطبع يستهين بما لا يوجد محققاً في الحال. وعلاجه أن تتفكر لتعلم أن كلّ ما هو آت قريب، وأن البعيد ما ليس بآت، وأن الموت أقرب إلى كل أحد من شِراك نعله؛ فما يدريه لعله في آخر أيامه، أو في آخر سنة من عمره، ثم يتفكر أنه كيف يتعب في الأسفار فيركب الأخطار خوفاً من الفقر في الاستقبال.

الثاني: أن اللّذات والشهوات أخذت بمخنقه في الحال، فليس يقدر على قلعها، وعلاجه أن يتفكر أنه لو ذكر له طبيب نصرانيّ بأن شُرب الماء البارد يضره ويسوقه إلى الموت، وهو ألذّ الأشياء عنده، كيف يتركه! فليعلم أن الله تعالى ورسوله ﷺ أصدق من الطبيب النصراني، والخلود في النار أشد من الموت بالمرض، وليقرر على نفسه أنه إذا كان يشق عليه ترك اللذات أياماً قلائل، فكيف لا يشق عليه ملابسة النار والحرمان عن الفردوس ونعيمه أبد الدهر؟

الثالث: أنه يسوّف بالتوبة يوماً فيوماً؛ وعلاجه أن يتفكر ويعلم أن بناء خطر السعادة والشقاوة على ما ليس إليه جهل، فمن أين يعلم أنه يبقى إلى أن يتوب؟ وإنّ أكثر صياح أهل النار من التسويف، لأنهم سوّفوا حتى فاجأهم مرض ساقهم إلى الموت، كيف، وإنما يسوّف لأنه يعجز عن قمع الشهوات في الحال! فإن كان ينتظر يوماً يسهل فيه قمع الشهوات، فهذا يوم لم يخلق أصلاً، بل مثاله مثال امرئ يريد أن يقلع شجرة عجز عنها لضعفه وقوة رسوخ الشجرة، فيؤخر إلى السنة القابلة وهو يعلم أن الشجرة تزداد كلّ يوم رسوخاً، وقوته تزداد كل يوم قصوراً ونقصاناً، وذلك غاية الجهل.

الرابع: أن يعد نفسه بالكرم والعفو، وذلك غاية الحمق أوردها الشيطان في معرض الدّين؛ قال النبي ﷺ: «الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمقُ من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله تعالى».

الخامس: أن يكون ـ والعياذ بالله ـ شاكّاً في أمر الآخرة؛ وقد ذكرنا علاجه في خاتمة الأخلاق الذميمة.

#### فصل

التوبة من الذنوب كلها مهمة واجبة، وعن الكبائر أهم؛ والإصرار على الصغيرة أيضاً كبيرة؛ فلا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع رجوع واستغفار، وتواتر الصغائر عظيم التأثير في تسويد القلب، وهو كتواتر قطرات الماء على الحجر، فإنه يحدث فيه حفرة لا محالة، مع لين الماء وصلابة الحجر. وتعظم الصغيرة بأسباب:

إحداها: أن يستصغرها العبد ويستهين بها، فلا يغتم بسببها؛ قال بعضهم: الذنب الذي لا يغفر قول العبد ليت كل شيء عملته مثل هذا. الثاني: السرور بها، والتبجح بسببها، واعتقاد التمكن منها نعمة، حتى أن المذنب ليفتخر فيقول: ما رأيتني كيف شتمته، وكيف مزقت عرضه، وكيف خدعته في المعاملة؟ وذلك عظيم التأثير في تسويد القلب. الثالث: أن يتهاون بستر الله عليه، ويظن أن ذلك لكرامة عند الله تعالى، ولا يدري أنه ممقوت؛ وقد أمهل ليزداد إثماً فيكون في الدرك الأسفل من النار. الرابع: أن يجاهر بالذنب ويظهره، أو يذكره بعد فعله؛ وفي الخبر: كل الناس معافى إلا المجاهرون. الخامس: أن يصدر الصغيرة عن عالم يُقتدى به، فذلك عظيم، لأنه يبقى بعد موته، فطوبى لمن مات وماتت معه ذنوبه؛ ومن سنّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. وروي أن بعض علماء بني إسرائيل تاب عن ذنوبه وبدعته، فأوحى الله إلى نبيّ زمانه أن ذنبك لو كان فيما بيني وبينك لغفرته لك، ولكن كيف بمن أضللت من عبادي فأدخلتهم النار. وعلى الجملة، فلا باعث على التوبة إلا الخوف الصادر عن البصيرة والمعرفة، فلنذكر فضيلة الخوف.

### الأصل الثاني في الخوف

وقد جمع الله تعالى للخائفين الهدى والرحمة والعلم والرضوان، وناهيك بذلك فضلاً، فقال تعالى: ﴿هُدًى ورحمةٌ للذين هم لربِّهم يَرْهبون﴾ [الأعراف: ١٥٤]، وقال: ﴿إنما يخشى اللَّهَ من عبادِهِ العُلماءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وقال الله تعالى: ﴿رضيَ اللَّهُ عَنهُم ورَضُوا عنه، ذلك لِمَن خَشِيَ رَبَّه﴾ [البيّنة: ٨]. وقال ﷺ: «رأسُ الحكمةِ مَخَافَةُ الله»، وقال عليه السلام: «من خاف الله تعالى خافه كل شيء، ومن خاف غير الله تعالى خوّفه الله من كل شيء»، وقال عليه السلام: «قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين، فإذا أمِنَني في الدنيا أخفته يوم القيامة، وإذا خافني في الدنيا أمَّنته يومَ القيامة».

#### فصل

اعلم أن حقيقة الخوف هو تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال. وقد يكون ذلك الخوف من جريان ذنوب، وقد يكون الخوف من الله تعالى بمعرفة صفاته التي توجب الخوف لا محالة، وهذا أكمل وأتم، لأن مَن عرف الله خافه بالضرورة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عبادِه العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]. وقد أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: «خَفْني كما تخاف السَّبع الضَّاري»؛ ولذلك قال النبي ﷺ: «أنا أخوَفُكم لله تعالى». واعلم أن الواقع في مخالب السبع إنما لا يخافه إذا لم يعرف السَّبع، فإنَّ من علم أن من صفة السبع أنه يُهلكه ولا يبالي، فإن تركه لم يكن لرقته عليه وشفقته، فإنه أحقر عنده من أن يشفق عليه، فلا بد من أن يخاف، ولله المثلُ الأعلى وهو العزيز الحكيم، ولكن من عرف أنه لو أهلك الأولين والآخرين لم يبال ولم ينقص شيء من ملكه ﴿قل فمن يملكُ لكم من اللَّهِ شيئاً إن أرادَ أن يُهلكَ المسيحَ ابنَ مريمَ وأُمَّه ومَن في الأرض جميعاً﴾ [المائدة: ١٧]. وكم أهلك من عباده في الدنيا، وعرَّضهم لأنواع العذاب ولم تأخذه رقة ولا شفقة، فإن ذلك مُحال عليه، فلا بد وأن يخاف. فمعرفة الجلال والعزة والاستغناء، يورث الهيبة بالضرورة، وهذا أكمل أنواع الخوف وأفضلها.

#### فصل

علاج الخوف وتحصيله على رتبتين: إحداهما، معرفة الله تعالى، فإنها توجب الخوف بالضرورة؛ فإن الواقع في مخالب السبع لا يحتاج إلى علاج ليخاف إن كان يعرف السبع. ومن عرف جلال الله تعالى واستغناءه وأنه خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً، وأنه تمت كلمته بالسعادة والشقاوة في حق كل أحد صدقاً وعدلاً، وأن ذلك لا يُتصوَّر تغييره ولا يصرفه عن تنفيذ قضائه الأزليّ صارفٌ، وهو لا يدري ما الذي سبق به القضاء في حقه، ولا يدري ما الذي يختم له به، واحتمل عنده أن يكون مقضيّاً له بشقاوة الأبد، فهذا لا يتصور أن لا يخاف. وأما من عجز عن حقيقة المعرفة فعلاجه النظر إلى الخائفين، ومشاهدة أحوالهم أو سماع ذلك؛ فإن أخوف خلق الله الأنبياء، والأولياء، والعلماء، وأهل البصيرة، وأعظم الخلق أمناً الغافلون الأغبياء، الذين لا يمتد نظرهم لا إلى السابقة، ولا إلى الخاتمة، ولا إلى معرفة جلال الله تعالى. وهذا، كما أن الصبي لا يخاف الحية ما لم ينظر إلى أبيه يخافها ويهرب منها وترتعد فرائصه إذا رآها، فينظر إليه فيقلده، ويستشعر خوفه، وإن لم يعرف بالحقيقة صفة الحية؛ وقد قال ﷺ: «ما جاءني جبرائيل عليه السلام قط إلا وهو يرتعد فرائصه فرقاً[^134] من النار». وقيل لما ظهر على إبليس ما ظهر، طفق جبرائيل وميكائيل يبكيان، فأوحى الله سبحانه إليهما: ما لكما تبكيان؟ قالا: يا رب ما نأمن مكرك، فقال الله تعالى: هكذا كونا لا تأمنا مكري! ﴿فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ [الأعراف: ٩٩].

وقيل لما خلق الله تعالى النار، طارت أفئدة الملائكة عن أماكنها، فلما خلق بني آدم عادت. وكان أزيز[^135] قلب إبراهيم ـ عليه السلام ـ يسمع في الصلاة من مسيرة ميل. وبقي داود ـ عليه السلام ـ أربعين يوماً ساجداً لا يرفع رأسه حتى نبت الرعى[^136] من دموعه. وقال أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ لطائر: «ليتني مثلك يا طائر ولم أخلق». وقال أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ: «وددت لو أني شجرة تعضد»[^137]. وقالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «وددت لو أني نسياً منسيّاً». وقد حكينا أحوال الخائفين في كتاب الخوف، فليتأمل القاصر عن ذروة المعرفة، أحوال الأنبياء والأولياء والعارفين، ليعلم أنه أحقّ بالخوف منهم، وإذا تأمل ذلك بالحقيقة غلبه خوفه.

#### فصل

الخوف سوط يسوق العبد إلى السعادة. ولا ينبغي أن يفرط بحيث يورث القنوط، فذلك مذموم؛ بل إذا غلب ينبغي أن يمزج الرجاء به. نعم، ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء ما دام العبد مقارفاً للذنوب، فأما المطيع المتجرد لله تعالى، فينبغي أن يعتدل خوفه ورجاؤه، مثل عمر ـ رضي الله عنه ـ حيث قال: «لو نودي ليدخلن الجنة جميع الخلق إلا رجل واحد لخفت أن أكون أنا ذلك الرجل، ولو نودي ليدخلن النار جميع الخلق إلا رجل واحد لرجوت أن أكون أنا ذلك الرجل». وأما اذا قرب الموت فالرجاء وحسن الظن بربه أولى به، قال ﷺ: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربّه».

والرجاء يخالف التمنّي، فإن من لا يتعاهد الأرض ولا يبث البذر، ثم ينتظر الزرع، فهو متمنٍّ مغرور فليس براجٍ، إنما الرّاجي من تعهد الأرض وسقاها، وبث البذر وحصل كل سبب يتعلّق باختياره، ثم بقي يرجو أن يدفع الله الصواعق والقواطع، وأن يمكّنه من الحصاد بعد الإنبات، ولذلك قال عز وجل: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجرُوا وجاهَدوا في سبيلِ الله أولئكَ يَرْجُونَ رَحمةَ اللَّهِ واللَّهُ غفورٌ رحيم﴾ [البقرة: ٢١٨]. وبالجملة فثمرة الرجاءِ الترغيب في الطلب، وثمرة الخوف الترغيب في الهرب. ومن رجا شيئاً طلبه، ومن خاف شيئاً هرب منه. وأقلّ درجات الخوف ما يحمل على ترك الذنوب، وعلى الإعراض عن الدنيا، وما لا يحمل على ذلك فهو حديث نفس، وخواطر لا وزن لها، تشبه رقة النساء، ولا ثمرة لها؛ بل الخوف إذا تم أثمر الزهد في الدنيا، فلنذكر الزهد ومعناه:

### الأصل الثالث في الزهد

قال الله تعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عينيك إلى ما مَتَّعنا به أزواجاً منهم زهرةَ الحياةِ الدنيا لنَفْتِنَهم فيه، ورزقُ رَبِّك خيرٌ وأبقى﴾ [طه: ١٣١]، وقال: ﴿مَن كان يُريدُ حَرْثَ الآخرةِ نَزِدْ له في حَرْثِه، ومَنْ كان يريدُ حرثَ الدنيا نُؤْتِه منها، وما له في الآخرةِ من نصيب﴾ [الشورى: ٢٠]. وقال الله تعالى في حق قارون: ﴿فخَرَجَ على قومِه في زينته، قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثلَ ما أوتي قارون، إنه لَذو حظٍّ عظيم، وقال الذين أُوتوا العِلم وَيْلكم ثَوابُ اللَّه خيرٌ لِمن آمَنَ وعملَ صالحاً﴾ [القصص: ٧٩، ٨٠]. فبيّن أن الزهد من ثمرات العلم. وقال ﷺ: «من أصبح وهمّه الدّنيا شتّت الله عليه أمره، وفرّق عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له. ومن أصبح وهمّه الآخرة، جمع الله له همه، وحفظ عليه ضيعته، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة».

ولما سئل ﷺ عن قوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وعن معنى الشرح، قال عليه السلام: «إن النور إذا دخل القلب انشرح الصدر وانفسح، قيل: وهل لذلك من علامة؟ قال: نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله». وقال عليه السلام: «استحيوا من الله حق الحياء». وقيل إنا نستحي، قال عليه السلام: «تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون». وقال عليه السلام: «من زهد في الدنيا أدخل الله الحكمة قلبه، وأنطق بها لسانه، وعرّفه داء الدنيا ودواءها، وأخرجه منها سالماً إلى دار السلام». وقال عليه السلام: «لا يستكمل العبد حقيقة الإيمان حتى يكون أن لا يعرف أحب إليه من أن يعرف، وحتى يكون قلة الشيء أحب إليه من كثرته». وقال عليه السلام: «إذا أراد الله بعبد خيراً، زهّده في الدنيا، ورغّبه في الآخرة، وبصّره بعيوب نفسه». وقال عليه السلام: «ازهد في الدنيا يحبك الله تعالى، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس». وقال عليه السلام: «من أراد أن يؤتيه الله علماً بغير تعلم وهدى بغير هداية فليزهد في الدنيا».

#### فصل

للزهد في الدنيا حقيقة وأصل وثمرة؛ أما حقيقته فهو عزوف النفس عن الدنيا وانزواؤها عنها طوعاً مع القدرة عليها.

وأصلها العلم والنور الذي يشرق في القلب حتى ينشرح به الصدر، ويتضح به أنّ الآخرة خير وأبقى، وأن نسبة الدنيا إلى الآخرة أقلّ من نسبة خزفة إلى جوهرة، وثمرتها القناعة من الدنيا بقدر الضرورة، وهو قَدْرُ زادِ الراكب، فالأصل نور المعرفة، فيثمر حال الانزواء، ويظهر على الجوارح بالكفّ إلا عن قدر الضرورة في زاد الطريق. والضروريّ من زاد الطريق مسكن وملبس ومطعم وأثاث.

أما المطعم، فله طول وعرض: أما طوله، فبالإضافة إلى الزمان، وأقصر درجاته الاقتصار على دفع الجوع في الحال، فإذا دفعه غدوة لم يدخر شيئاً لعشائه، وأوسطه أن يدّخر لشهر إلى أربعين يوماً فقط؛ وأدناه أن يدّخر لسنة؛ فإن جاوز ذلك خرج عن جميع أبواب الزهد، إلا أن لا يكون له كسب ولا يأخذ من الأيدي، كداود الطائي، فإنه ملك عشرين ديناراً، فأمسكها وقنع بها عشرين سنة؛ فذلك لا يبطل مقام الزهد ودرجته في الآخرة إلا عند من يشرط التوكل في الزّهد. وأما عرضه فأقله نصف رطل، وأوسطه رطل، وأعلاه مُدّ؛ والزيادة عليه تبطل رتبة الزهد. وأما الجنس، فأقله ما يقوت ولو النخالة، وأوسطه خبز الشعير، وأعلاه خبز البرّ غير منخول، فإن نخل فهو تنعم لا زهد. فأما الإدام فأقله الخل والبقل والملح، وأوسطه الأدهان، وأعلاه اللّحم؛ وذلك في الأسبوع مرة أو مرتين، فإذا دام لم يكن صاحبه زاهداً.

قالت عائشة - رضي الله عنها -: «كان يأتي أربعون ليلة وما يوقد في بيت رسول الله ﷺ مصباح ولا نار»، وقيل: ما شبع رسول الله ﷺ منذ قدم المدينة ثلاثة أيام من خبز البر.

وأما الملبس فأقله ما يستر العورة ويدفع الحرّ والبرد، وأعلاه قميص وسراويل ومنديل من الجنس الخشن، ويكون بحيث لو غسل ثوبه لم يجد غيره؛ فإن كان صاحب القميصين لم يكن زاهداً. قال أبو ذر: أخرجت عائشة - رضي الله عنها - كساء ملبداً وإزاراً غليظاً، فقالت: «قبض رسول الله ﷺ في هذين». وصلى رسول الله ﷺ في خميصة[^138] لها علم، فلما سلم قال: «شغلني النظر إلى هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم..» الحديث. وكان شراك نعله قد أخلق فأبدل بسير جديد، فلما سلم عن صلاته قال: «أعيدوا الشراك الخلِق، فإني نظرت إليه في الصلاة». وكان عليه السلام قد احتذى نعلين جديدين، فأعجبه حسنهما فخرّ ساجداً، فقال عليه السلام: «أعجبني حسنهما فتواضعت لربي خشية أن يمقتني»، ثم خرج بهما فدفعهما إلى أول مسكين رآه. وقد عُدّ على قميص عمر - رضي الله عنه - اثنتا عشرة رقعة بعضها من أدم. واشترى علي - رضوان الله عليه - في خلافته ثوباً بثلاثة دراهم، وقطع كميه من الرُّسغين، وقال: الحمد لله الذي هذا من رياشه. وقال بعضهم: قوّمت ثوب سفيان ونعله بدرهم ودانقين. وقال علي - رضوان الله عليه -: إن الله عز وجل أخذ على أئمة الهدى أن يكونوا في مثل أدنى أحوال الناس، ليقتدي بهم الغني ولا يزري بالفقير فقره.

> **Passage douteux** — Tournure elliptique dans l’imprimé ; traduction libre « de qui vient cette parure ».

وأما المسكن، فأدناه أن تقنع بزاوية في مسجد أو رباط، كأهل الصُّفّة، وأعلاه أن يطلب لنفسه موضعاً خاصّاً وهي حُجرة إما بشراء أو إجارة، بشرط أن لا يزيد سعته على قدر الحاجة، ولا يرفع بناؤه، ولا يهتم بتجصيصه، وفي الأثر: أن من يرفع بناءه فوق ستة أذرع ناداه مناد إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ومات رسول الله ﷺ ولم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة. وقال عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما -: مرّ بنا رسول الله ﷺ ونحن نعالج خُصّاً[^139] فقال: إن الأمر أعجل من ذلك. واتخذ نوح - عليه السلام - بيتاً من خص، فقيل له: لو شئت لاتخذته من الطين، فقال: هذا كثير لمن يموت. وقال ﷺ: «من بنى فوق ما يكفيه كلّف أن يحمله يوم القيامة»، وقال عليه السلام: «كل بناء وبالٌ على صاحبه يوم القيامة إلا ما أكَنّ[^140] من حرّ وبرد».

وأما أثاث البيت ففيه أيضاً درجات، وأدناها حال عيسى ابن مريم - عليه السلام - إذ لم يكن معه إلا مشط وكوز، فرأى إنساناً يمشط بأصابعه فرمى المشط، ورأى آخر يشرب بيده، فرمى الكوز. وأوسطه، أن يستعمل الجنس الخشن واحداً في كلّ غرض، ويجتهد أن يستعمل واحداً في أغراض. وقال عمر - رضي الله عنه - لعمير بن سعيد - وهو أمير حمص -: ما معك من الدنيا؟ فقال: معي عصاي أتوكأ عليها، وأقتل بها حية إن لقيتها، ومعي جرابي أحمل فيها طعامي، ومعي قَصْعتي آكل فيها وأغسل رأسي وثوبي، ومعي مطهرتي أحمل فيها شرابي ووضوئي، فما كان بعد هذا من الدنيا فهو تبع لما معي. فقال: صدقت. وقال الحسن: أدركت سبعين من الأخيار ما لأحدهم إلا ثوبه، وما وضع أحدهم بينه وبين الأرض ثوباً. وكان فراش رسول الله ﷺ الذي ينام عليه وسادة من أدم حشوها ليف، وعباءة خشنة. فهذه سيرة الزهّاد في الدنيا، فمن حرم هذه الرتبة فلا أقل من أن يتحسّر على فَواتها، ويجتهد أن يكون قربه منهم أكثر من قربه من المتنعّمين في الدنيا.

> **Passage douteux** — Nom gardé tel qu’imprimé ; les sources le donnent plutôt comme ʿUmayr ibn Saʿd.

#### فصل

الزهد على درجات: **إحداها**: أن يزهد ونفسه مائلة إلى الدنيا ولكن يجاهدها؛ وهذا متزهد، وليس بزاهد؛ ولكن بداية الزهد التزهد. **الثانية**: أن تفر نفسه عن الدنيا ولا تميل إليها، لعلمه أن الجمع بينها وبين نعيم الآخرة غير ممكن، فتسمح نفسه بتركها، كما تسمح نفس من يبذل درهماً ليشتري جوهرة، وإن كان الدرهم محبوباً عنده؛ وهذا زهد. **الثالثة**: أن لا تميل نفسه إلى الدنيا ولا تنفر عنها، بل يكون وجودها وعدمها عنده بمثابة واحدة، ويكون المال عنده كالماء، وخزانة الله تعالى كالبحر، فلا يلتفت قلبه إليه رغبة ونفوراً، وهذا هو الأكمل؛ لأن الذي يبغض شيئاً فهو مشغول به، كالذي يحبه؛ ولذلك ذمّ الدنيا عند رابعة العدوية، فقالت: «لولا قدرها في قلوبكم ما ذممتموها». وحمل إلى عائشة - رضي الله عنها - مِاية ألف درهم فلم تنفر عنها، ولكن فرقتها في يومها، فقالت خادمتها: لو اشتريت بدرهم لحماً تفطرين عليه، فقالت: لو ذكرتني لفعلت. فهذا هو الغنى، وهو أكمل من الزّهد؛ ولكنه مظنّة غرور الحمقى، إذ كل مغرور يستشعر في نفسه أن لا علاقة لقلبه مع الدنيا؛ وعلامة ذلك، أن لا يدرك الفرق بين أن يسرق جميع ماله أو يسرق مال غيره، فما دام يدرك التفرقة فهو مشغول به.

#### فصل

كمال الزهد، هو الزهد في الزهد، بأن لا يَعتدّ به ولا يراه منصباً؛ فإن من ترك الدنيا وظن أنه ترك شيئاً فقد عظّم الدنيا، إذ الدنيا عند ذوي البصائر لا شيء، وصاحبها كمن منعه عن دار الملك كلبٌ على بابه، فألقى إليه لقمة خبز وشغله بها ودخل دار الملك وجلس على سرير الملك؛ فإن الشيطان كلب على باب الله تعالى، والدنيا كلها أقل من لقمة بالإضافة إلى الملك، إذ اللقمة لها نسبة إلى الملك إذ يفنى بأمثالها، والآخرة لا يتصور أن تفنى بأمثالها الدنيا لأنها لا نهاية لها.

#### فصل

الزهد باعتبار الباعث عليه على ثلاث درجات: **إحداها**: أن يكون باعثه الخوف من النار وهذا زهد الخائفين. **الثانية**: وهي أعلى منه أن يكون باعثه الرغبة في نعيم الآخرة، وهذا زهد الراجين. والعبادة على الرجاء أفضل منها على الخوف، لأن الرجاء يقتضي المحبة. **الثالثة**: وهي أعلاها، أن يكون الباعث عليه الترفع عن الالتفات إلى ما سِوَى الحق، تنزيهاً للنفس عنه، واستحقاراً لما سِوَى الله؛ وهذا زهد العارفين، وهو الزهد المحقق، وما قبله معاملة، إذ ينزل صاحبها عن شيء عاجلاً ليعتاض عنه أضعافه آجلاً.

#### فصل

الزهد باعتبار ما فيه من الزهد على درجات، وكماله الزهد في كلّ ما سوى الله تعالى في الدنيا والآخرة، ودونه الزهد في الدنيا خاصة دون الآخرة. ثم يدخل فيه كل ما فيه حظ وتمتع في الدنيا، من مال وجاه وتنعم. ودون ذلك أن يزهد في المال دون الجاه، أو في بعض الأشياء دون البعض، وذلك ضعيف، لأن الجاه ألذّ وأشهى من المال، فالزهد فيه أهمّ.

#### فصل

الزهد أن تنزوي عن الدنيا طوعاً مع القدرة عليها، أما إن انزوت الدنيا عنك وأنت راغب فيها، فذلك فقر وليس بزهد. ولكن للفقر أيضاً فضل على الغنى، لأنه منع عن التمتع بالدنيا، وهذا هو أفضل ممن مُكّن من الدنيا والتمتع بها حتى ألِفها واطمأن إليها، ولم يتجافَ قلبه عنها، فيعظم الألم والحسرة عند الموت، وتكون الدنيا كأنها جنة الغنيّ، وتكون كأنها سجن الفقير، إذ يشتهي الخلاص من آلامها. والفقر من أسباب السعادة؛ قال النبي ﷺ: «إن الله تعالى يحمي عبده عن الدنيا وهو يحبه، كما يحمي أحدكم مريضه عن الطعام والشّراب»، وقال عليه السلام: «يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائها بخمسمائة عام»، وقال عليه السلام: «خير هذه الأمة فقراؤها»، وقال عليه السلام: «إذا رأيت الفقر مقبلاً فقل مرحباً بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلاً فقل ذنبٌ عُجّلت عقوبته»، وقال موسى - عليه السلام -: يا رب مَن أحباؤك من خلقك حتى أحبهم لأجلك؟ فقال: كل فقير.

واعلم أن الفقير إن كان قانعاً بما أُعطي، غير شديد الحرص على الطلب، فدرجته قريب من درجة الزاهد. وقال ﷺ: «طوبى لمن هُدي للإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع به». وقال ﷺ: «الفقراء الصبراء هم جلساء الله تبارك وتعالى». وقال عليه السلام: «أحب العباد إلى الله تعالى الفقير القانع». وأوحى الله تعالى إلى إسماعيل - صلوات الله عليه وسلامه - اطلبني عند المنكسرة قلوبهم، قال: ومن هم؟ قال: الفقراء الصادقون. وعلى الجملة، إنما يعظم ثواب الفقير عند القناعة والصبر، والرضى والصبر على الفقر مبدأ الزهد، ولا تتم هذه المقامات إلا بالصبر فلنذكره:

### الأصل الرابع في الصبر

قال الله تعالى: ﴿واصبروا إن الله مع الصابرين﴾ [الأنفال: ٤٦]، وجمع للصابرين بين أمور لم يجمعها لغيرهم، فقال عزّ من قائل: ﴿أولئك عليهم صَلَواتٌ من ربّهم ورَحْمة، وأولئك هُمُ المُهْتَدُون﴾ [البقرة: ١٥٧]. وقال تعالى: ﴿ولَنَجْزِيَنَّ الذين صَبَروا أَجْرَهم بأحسنِ ما كانوا يَعْمَلون﴾ [النحل: ٩٦]. وقال تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿إنما يوفّى الصابرون أجْرَهم بغير حساب﴾ [الزمر: ١٠]. وذكر الله سبحانه في القرآن الصبر في نيف وسبعين موضعاً. وقال ﷺ: «الصبر نصف الإيمان»، وقال عليه السلام: «من أقلّ ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومَن أعطي حظّه منهما لم يبال بما فاته من قيام الليل وصيام النهار». وقال عليه السلام: «الصبر كنز من كنوز الجنّة». وسئل النبي - عليه السلام - مرة عن الإيمان فقال: «هو الصبر». وقال عيسى - عليه السلام -: إنكم لا تدركون ما تحبون إلا بصبركم على ما تكرهون.

#### فصل

حقيقة الصبر ثباتُ باعثِ الدّين في مقابلة باعث الهوى، وهو من خاصيةِ الآدميّ الذي هو كالمركّب من شعب مَلَكيّة وبهيمية، لأن البهيمة لم يسلّط عليها إلا دواعي الشهوة، والملائكة لم يسلّط عليهم الشهوة بل جُرّدوا للشوق إلى مطالعة جمال الحضرة الربوبية، والابتهاج بدرجة القرب منها، فهم يسبّحون الليل والنهار لا يفترون؛ فليس فيهم داعية الشهوة. فلم يتصور الصبر لملك ولا بهيمة، بل الإنسان سُلّط عليه جندان يتطاردان، أحدهما من حزب الله وملائكته، وهو العقل وبواعثه، والثاني من جنود الشيطان وهي الشهوات ودواعيها بعد البلوغ يظهر بواعث الدين والعقل إذ يحمل على النظر إلى العواقب، وتبتدئ بقتال جند الشيطان، فإن ثبت باعث الدين في مقابلة باعث الهوى حتى غلبه، فقد حصل مقام الصبر، إذ لا يتصور الصبر، إلا عند تعارض الباعثين على التناقض، وذلك كالصبر على شرب الدواء البشيع، إذ يدعو إليه داعي العقل، ويمنع منه داعي الشهوة. وكل من غلبته شهوته لم يعزم عليه، ومن غلب عقله شهوته صبر على مرارته لينال الشفاء. وشطر الإيمان إنما يتم بالصبر؛ ولذلك قال النبي - عليه السلام -: «الصبر نصف الإيمان»، لأن الإيمان يطلق على المعارف والأعمال جميعاً، وسائر الأعمال في طرفي الكف والإقدام والتزكية والتحلية لا يتم إلا بالصبر؛ لأن جملة أعمال الإيمان على خلاف باعث الشهوة، فلا يتم إلا بثبات باعث الدين في مقابلته؛ ولذلك قال - عليه السلام -: «الصوم نصف الصبر»، لأن الصبر تارة في مقابلة داعي الشهوة، وتارة في مقابلة داعي الغضب؛ والصوم هو كسر لداعية الشهوة.

#### فصل

الصبر له ثلاث درجات بحسب ضعفه وقوته:

**الدرجة العليا**: أن تقمع داعية الهوى بالكلية، حتى لا يبقى لها قوة للمنازعة. ويُتوصل إليها بدوام الصبر وطول المجاهدة؛ وذلك من الذين قيل لهم: ﴿إن الذين قالوا ربُّنا الله ثُمّ استقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠، الأحقاف: ١٣]، وإياهم ينادي المنادي: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة، ارْجعي إلى ربِّكِ راضيةً مَرْضيّةً﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨].

**الدرجة السفلى**: أن تقوى داعية الهوى وتسقط منازعة باعث الدين، ويغلب الهوى ويسلم القلب لجند الشيطان؛ وذلك من الذين قيل فيهم: ﴿ولَكِن حقَّ القول مِنّي لأملأنّ جَهَنَّم من الجِنّةِ والناس أجمعين﴾ [السجدة: ١٣]. وعلامته شيئان: أحدهما، أن يقول: أنا أشتاق إلى التوبة ولكن تعذرت عليّ، فلست أطمع فيها؛ فهذا هو القانط وهو الهالك. الثاني: أن لا يبقى فيه شوق إلى التوبة، ولكن يقول: الله كريم رحيم وهو مُستغنٍ عن توبتي فلا تضيق الجنة الواسعة والمغفرة الشاملة عنّي. وهذا المسكين قد صار عقله أسير شهوته، ولا يستعمله إلا في استنباط حيل قضاء الشهوة، فصار عقله كالمسلم الأسير بين الكفّار، يستسخرونه في رعاية الخنازير، وحفظ الخمور، وحملها على العنق والظهر إلى بيوتهم. فانظر كيف يكون حال العبد إذا أخذ أعز أولاد الملك وسلمه إلى أخس أعدائه حتى استرقه واستسخره، ففي مثل حاله يكون قدوم هذا الغافل المنهمك على الله تعالى. نعوذ بالله منه.

**الدرجة الوسطى**: أن لا يفتر على المحاربة، ولكن يكون الحرب بينهما سجالاً، تارة له اليد، وتارة عليه اليد؛ وهذا من المجاهدين الذين ﴿خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً...﴾ [التوبة: ١٠٢] الآية. وعلامة هذا أن يترك من الشهوات ما هو أضعف، ويعجز عما هو أغلب؛ وربما يغلبها في بعض الأوقات دون بعض، وهو في جميع الأحوال متحسر على عجزه، ومستمر المعاودة إلى مجاهدته وقتاله، وذلك هو الجهاد الأكبر. ومهما اتقى وصدّق بالحسنى فسنيسّره لليُسرى. وبالجملة فقد قصر عن البهيمة إنسيٌّ لم يقاوم بقوة عقله شهوته وقد أيد بالعقل وحرم عنه البهيمة، ولذلك قال الله تعالى: «أولئك كالأنعام بل هم أضلّ سبيلاً»[^141].

#### فصل

اعلم أن الحاجة إلى الصبر عامة في جميع الأحوال، لأن جميع ما يلقى العبد في هذه الحياة لا يخلو من نوعين: فإنه إمّا أن يوافق هواه أو يخالفه. فإن وافق هواه كالصحّة والسّلامة والثروة والجاه وكثرة العشيرة، فما أحوجه إلى الصبر معها، فإنه إن لم يضبط نفسه طغى واسترسل في التنعم واتباع الهوى، ونسي المبتدى والمنتهى؛ ولذلك قالت الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -: بُلينا بفتنة الضرّاء فصبرنا، وبلينا بفتنة السرّاء فلم نصبر؛ ولذلك قيل: يصبر على البلاء كلّ مؤمن، ولا يصبر على العافية إلا صدّيق. ومعنى الصبر فيها، أن لا يركن إليها، ويعلم أن كل ذلك وديعة عنده، ويسترجع على القرب، وأن لا ينهمك في الغفلة والتنعّم، ويؤدي حق شكر النعمة، وذلك مما يطول شرحه.

النوع الثاني: ما يخالف الهوى، وذلك أربعة أقسام:

**القسم الأول الطاعات**: والنفس تنفر عن بعضها بمجرّد الكسل كالصلاة، وعن بعضها بالبخل كالزكاة، وعن بعضها بهما جميعاً كالحج والجهاد، والصبر على الطاعة من الشدائد. ويحتاج المطيع إلى الصبر في ثلاث أحوال: أحدها: أول العبادة بتصحيح الإخلاص، والصبر عن شوائب الرياء ومكائد الشيطان، ومكائد النفس وغرورها. الثانية: حالة العمل كيلا يتكاسل عن تحقيق أدائه بفروضه وسننه، ويوقع على شرط الأدب مع حضور القلب ونفي الوسواس. الثالثة: بعد الفراغ، وهو أن يصبر عن ذكره وإفشائه للتظاهر به رياء وسمعة. وكل ذلك من الصبر الشديد على النفس.

**القسم الثاني المعاصي**: وقد قال ﷺ: «المجاهد من جاهد هواه، والمهاجر من هجر السوء»، والصبر عن المعاصي أشدّ، لا سيما عن معصية صارت عادة مألوفة، إذ يتظاهر فيه على بواعث الدين جندان: جند الهوى، وجند العادة. فإن انضم إلى ذلك سهولة وخفة المؤونة فيه، لم يصبر عنها إلا الصدّيق؛ وذلك كمعاصي اللسان، فإنها هيّنة سهلة؛ وذلك كالغيبة والكذب والمراء والثناء على النفس. ويحتاج في دفع ذلك إلى أشد أنواع الصبر.

**القسم الثالث**: ما لا يرتبط باختيار العبد، ولكن له اختيار في دفعه وتداركه، كالأذى الذي يناله من غيره بيد أو لسان. فالصبر على ذلك بترك المكافأة تارة يجب، وتارة يستحب. قال بعض الصحابة: ما كنا نعدّ إيمان الرجل إيماناً إذا لم يصبر على الأذى. قال الله عز وجل: ﴿ولَنَصْبِرَنَّ على ما آذيتمونا، وعلى الله فلْيتوكلِ المُتوكّلون﴾ [إبراهيم: ١٢]. وقال الله تعالى: ﴿ودَعْ أذاهُمْ وتَوكّلْ على الله﴾ [الأحزاب: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿ولقدْ نَعلم أنك يَضيقُ صدرك بما يقولون، فسبِّح بحمدِ ربِّك وكن من السّاجدين﴾ [الحجر: ٩٧].

**القسم الرابع**: ما لا يدخل أوله وآخره تحت الاختيار، كالمصائب بموت الأعزّة، وهلاك الأموال، والمرض، وذهاب بعض الأعضاء، وسائر أنواع البلاء، والصبر عليه من أعلى المقامات. قال ابن عباس - رضي الله عنه -: الصبر في القرآن على ثلاث مقامات: صبر على أداء الفرائض وله ثلاثمائة درجة، وصبر على محارم الله تعالى وله ستمائة درجة، وصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى وله تسعمائة درجة. وقال ﷺ: قال الله تعالى: «إذا ابتليت عبدي ببلاء فصبر ولم يشتك إلى عُوّاده أبدلته لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، فإن أبرأته أبدلته ولا ذنب له، وإن توفيته فإلى رحمتي». وقال النبي - عليه السلام -: «قال الله تعالى: إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو في ماله أو ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل، استحييتُ منه يوم القيامة أن أنصب له ميزاناً، أو أنشر له ديواناً».

وقال عليه السلام: «انتظار الفرج بالصبر عبادة». وقال عليه السلام: «من إجلال الله تعالى ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك، ولا تذكر مصيبتك». فقد عرفت أنك لا تستغني عن الصبر في جميع أوقاتك، وبه يظهر أنه شطر الإيمان؛ وشطره الآخر فيما يتعلق بالأعمال وهو الشكر، فقد قال ﷺ: «الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر». وهذا باعتبار النظر إلى الأعمال والتعبير بالإيمان عنها.

### الأصل الخامس الشكر

وقد قال الله تعالى: ﴿وقليلٌ من عبادِيَ الشَّكُور﴾ [سبأ: ١٣] وقال: ﴿لئن شكرتُم لأزيدنَّكم﴾ [إبراهيم: ٧]، وقال: ﴿واشكُروا لي ولا تَكْفُرون﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال: ﴿وسيجزي اللهُ الشاكرين﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وقال: ﴿ما يفعلُ اللهُ بعذابِكم إن شكرتُم وآمنتم﴾ [النساء: ١٤٧]. وقال النبي ﷺ: «للطاعم الشاكر منزلة الصائم الصابر عند الله». وكان رسول الله ﷺ يبكي في تهجده، فقالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: وما يبكيك؟ وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر. فقال ـ عليه السلام ـ: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟»، وقال: «يُنادَى يوم القيامة ليقم الحامدون، فيقوم زمرة فيُنصب لهم لواء فيدخلون الجنّة»، فقيل: ومن الحامدون؟ قال: «الذين يَشكرون الله على كل حال». وقال: «الحمد رداء الرحمن».

#### فصل

اعلم أن الشكر من المقامات العالية، وهو أعلى من الصبر والخوف والزهد وجميع المقامات التي سبق ذكرها، لأنها ليست مقصودة في أنفسها، وإنما تراد لغيرها. فالصبر يراد منه قهر الهوى، والخوف سوط يسوق الخائف إلى المقامات المقصودة المحمودة، والزهد هرب من العلائق الشاغلة عن الله تعالى، وأما الشكر فمقصود في نفسه ولذلك لا ينقطع في الجنة، وليس فيها توبة ولا خوف ولا صبر ولا زهد. والشكر دائم في الجنة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهُم أن الحمدُ لله ربِّ العالمين﴾ [يونس: ١٠]. وتعرف ذلك بأن تعرف حقيقة الشكر، وأنه ينتظم من علم وحال وعمل: أما العلم، فالعلم بالنعمة والمنعم، بأن النِّعَم كلها من الله تعالى، وهو المنفرد بجميعها. والوسائط كلّهم مسخرون مقهورون. وهذه المعرفة وراء التقديس والتوحيد، فإنهما داخلان فيه؛ بل الرتبة الأولى في معارف الإيمان التقديس، ثم إذا عرفت ذاتاً مقدسة وعرفت أنه لا مقدس إلا واحد، فهو التوحيد. ثم إذا علمت أن كل ما في العالم فهو موجود من ذلك الواحد، والكل نعمة منه خاصة، فهو الحمد. وإلى هذا الترتيب الإشارة بقوله ﷺ: «من قال سبحان الله، فله عشر حسنات، ومن قال لا إله إلا الله، فله عشرون حسنة، ومن قال الحمد لله، فله ثلاثون حسنة». وهذا لأن التقديس والتوحيد داخلان في الحمد وزيادة، وهذه الدرجات بإزاء هذه المعارف. وأما حركة اللسان ففضلها بحسب صدورها عن المعرفة أو تجديدها للاعتقاد في القلب، فإن الفم آلة لإزالة الغفلة لينمحي أثرها.

واعلم أنك إذا اعتقدت أن لغير الله دخلاً في النعمة الواصلة إليك لم يصح حمدك، ولم تتم معرفتك وشكرك، وكنت كمن يخلع عليه الملِكُ وهو يرى أن لعناية الوزير دخلاً في خلعة الملك أو في إيصاله إليه. أو في تيسيرها؛ وكل ذلك اشتراك في النعمة، ويتوزع فرحك في النعمة عليهما. نعم، لو رأيت الخلعة الواصلة إليك بتوقيع الملك بقلمه، فذلك لا يقصر من شكرك، لأنك تعلم أن القلم مسخر له، لا دخل له في النعمة بنفسه؛ ولذلك لا يلتفت قلبك إلى الفرح بالقلم والشكر له؛ ولذلك قد لا يلتفت إلى الخازن والوكيل إذ يعلم أنهما مضطران إلى العطاء بعد الأمر، مسخران لا مدخل لهما بأنفسهما في النّعمة.

فكذلك من انفتحت بصيرته عَلِمَ أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمر الله تعالى، كالقلم والكاغد[^142] والحبر في التّوقيع؛ وأن قلوب الخلق خزائن الله تعالى، ومفاتيحها بيد الله عز وجل، فيفتحها بأن يسلط عليها دواعي جازمة حتى يعتقد أن خيرها في البذل مثلاً، وعند ذلك لا يستطيع ترك البذل، فيكون مضطراً إلى الاختيار لِما سلط عليه من دواعي الاختيار، فإنه لا يعطيك أحد شيئاً إلا لغرض نفسه ليستفيد به في الآجل ثواباً، وفي العاجل ثناء وذكراً، أو غير ذلك؛ وما لم يعلم أن منفعته في منفعتك، فلا يعطيك؛ فإذاً ليس هو منعماً عليك إذ يسعى لنفسه، إنما المنعم عليك من سخره وسلّط هذه الدواعي عليه، وقرر في نفسه أن غرضه منوط بالأداء والإنعام. فإن عرفت الأمور كذلك، كنت موحّداً وتصوِّر منك الشكر، بل هذه المعرفة هي عين الشكر. قال موسى ـ عليه السلام ـ في مناجاته: إلهي خلقت آدم بيدك وفعلت وفعلت، فكيف شكرك؟ قال: علم أن ذلك منّي فكان معرفة ذلك شكراً.

الركن الثاني: الحال المستثمرة من المعرفة، وهي الفرح بالمنعم مع هيئة الخضوع والإجلال. ومن يرسل إليه بعض الملوك فرساً فيتصور أن يفرح به من ثلاثة أوجه: إحداها من حيث أنه ينتفع بالفرس، أو من حيث يستدل به على عناية الملك بشأنه، وأنه سينعم عليه بما هو أعظم منه، أو من حيث أن الفرس يكون مركباً له حتى يسافر إلى حضرة الملك ويخدمه. والأول ليس من الشكر في شيء، فإنه فرح بالنعمة لا بالمنعم. والثاني، داخل في الشكر شيئاً، لكنه ضعيف بالإضافة إلى الثالث، فكمال الشكر أن يكون الفرح بما يفتح الله تعالى من نعمه، لا بالنعمة من حيث هي نعمة، بل بها من حيث إنها وسيلة إليه، إذ بنعمته تتم الصالحات، وعلامة هذا أن لا يفرح بكلّ نعمة تلهيه عن ذكر الله تعالى، بل يغتمّ بها ويفرح بما زَوَى[^143] الله تعالى عنه من شغل الدنيا وفضولها، وهذا أكمل الشكر. فمن لم يستطع فعليه بالثاني. وأما الأول، ففرح بالنّعمة لا بالمنعم، وليس ذلك من الشكر في شيء.

الركن الثالث: العمل؛ وذلك بأن يستعمل نعمه في محابّه لا في معاصيه، وهذا لا يقوم به إلا من يعرف حكمة الله تعالى في جميع خلقه، وأنه لماذا خلق كل شيء؛ وشرْح ذلك يطول. وقد ذكرنا منه طرفاً في الإحياء[^144]، وجملته أن يعلم مثلاً أن عينه نعمة منه، فشكْرُها أن يستعملها في مطالعة كتاب الله، وكتب العلم، ومطالعة السموات والأرض، ليعتبر بهما ويعظم خالقها، وأن يستر كلّ عورة يراها من المسلمين، ويستعمل أذنه في سماع الذكر، وما ينفعه في الآخرة، ويُعرض عن الإصغاء إلى الهجر والفضول، ويستعمل اللسان في ذكر الله تعالى والحمد له، في إظهار الشكر منه دون الشكوى؛ ومن سئل عن حاله فشكى فهو عاص، لأنه شكى ملك الملوك إلى عبد ذليل لا يقدر على شيء، فإن شكر فهو مطيع. وأما شُكر القلب، فاستعماله في الفكر والذكر والمعرفة وإضمار الخير للخلق وحسن النية، وكذلك في اليد والرجل وسائر الأعضاء والأموال، وغير ذلك مما لا ينحصر.

#### فصل

اعلم أنه إنما يتمكن في كمال الشكر، من شرح الله صدره للإسلام، فهو على نور من ربه، يرى في كل شيء حكمته وسره ومحبوب الله فيه. ومن لم ينكشف له ذلك فعليه باتباع السنّة وحدود الشرع، فتحتها أسرار الشكر. وليعلم أنه لو نظر إلى غير مَحْرَم مثلاً فقد كفر نعمة العين، ونعمة الشمس، وكل نعمة لا يتم النظر إليها إلا بها، فإن الإبصار إنما يتم بالعين ونور الشمس، والشمس إنما تتم بالسموات، فكأنه كفر أَنْعُمَ الله تعالى في السموات والأرض. وقس على هذا كل معصية، فإنها إنما تتمكن بأسباب تستدعي وجود جميعها خلق السموات والأرض. ولهذا غَوْر عميق أشرنا إليه في كتاب الشكر من كتاب الإحياء؛ ويكفيك هٰهنا مثال واحد: وهو أن الله تعالى خلق الدراهم والدنانير لتكون حاكمة في الأحوال كلها، يقدّر بها القيم، ولولاها لتعذرت المعاملات، إذ لا يدرى كيف يشتري الثياب بالزَّعفران، والدواب بالأطعمة، فإنها لا مناسبة بينهما، وإنما يشتركان في روح المالية. ومعيار مقدار أرواحهما هو النَّقْدان، فمن كنزهما كان كمن حبس حاكماً من حكام المسلمين حتى تعطلت الأحكام. ومن اتخذ منهما آنية، كان كمن استعمل حاكماً من حكام المسلمين في الحياكة والفلاحة التي يقدر عليها كلّ أحد حتى يتعطل الحكم، وذلك أشد من الحبس. ومن أربى فيهما وجعلهما مقصد تجارته بالمصارفة بين جيّدهما ورديئهما كان كمن شغل الحاكم عن الحكم، فاتخذه سخرة لنفسه ليحتطب له، ويكنس له، ويكتسب له القوت. وكل ذلك ظلم وتغيير لحكم الله عز وجل في خلقه وعباده ومعاداة لله تعالى في محابه. ومن لا ينكشف له بنور البصيرة هذه الأسرار، عرف على لسان الشرع صورته دون معناه، وقيل له: ﴿الذين يَكْنِزُون الذهبَ والفِضةَ ولا يُنْفِقُونها في سبيلِ اللهِ فبشِّرهم بعذابٍ أليم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿... يكنزون﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥].

وقيل: «من شرب في إناء من ذهب أو فضة، فكأنما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنم». وقيل: ﴿الذين يأكلون الرِّبا لا يَقومون إلاّ كما يَتخبَّطُه الشيطانُ من المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] الآية. فالصالحون يقفون على الحدود ولا يعرفون أسرارها، والعارفون إذا أطّلعوا على الأسرار بأنفسهم وشاهدوا شواهد الشرع ازدادوا نوراً على نور، والعميان الجاهلون يحرمون الوقوف على الحدود، والعثور على الأسرار جميعاً، فلا هم كعبيد أتْقياء، ولا كأحرار كرام؛ وهم الذين قال فيهم: ﴿ولكن حَقَّ القولُ منّي...﴾[^145] الآية. وقال تعالى: ﴿أفمنْ يَعلمُ أنما أُنزِل إليك من رَبِّك الحقّ كمن هو أعْمَى...﴾ [الرعد: ١٩] الآية. وقال: ﴿ومَنْ أعرضَ عن ذكري، فإن له مَعيشةً ضَنْكاً﴾، إلى قوله: ﴿فنسِيتَها وكذلك اليومَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ ـ ١٢٦]. وآيات الله حكمته في خلقه. وقد ألقيت إلى الخلق على لسان الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ كما فصلت في جملة الشريعة من أولها إلى آخرها. وما من حد من حدود الشرع إلا وفيه سر، وخاصية، وحكمة، يعرفها من يعرفها، وينكرها من يجهلها. وشرح ذلك طويل، فليطلب من كتاب الشكر. ولا يتصور تمام الشكر إلا ممن قام لله تعالى وحده، مخلصاً لا رغبة فيه لغيره؛ فلنذكر الإخلاص والصّدق:

### الأصل السادس الإخلاص والصدق

اعلم أن للإخلاص حقيقة وأصلاً وكمالاً، فهذه ثلاثة أركان. وأصله النيّة، إذ فيها الإخلاص. وحقيقته نَفيُ الشَّوب[^146] عن النيّة، وكماله الصدق.

الركن الأول النية: وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تطْرُد الذين يَدْعون ربَّهم بالغَداةِ والعَشيِّ يُريدُون وجْهه﴾ [الأنعام: ٥٢] ومعنى النية إرادة وجهه. وقال ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات...» الحديث. وقال: «إن الملائكة ترفع صحيفة عمل العبد فيقول الله تعالى: ألقوها، فإنه لم يُرِدْ بها وجهي، واكتبوا له كذا وكذا، فيقول الملائكة: إنه لم يعمل منها شيئاً، فيقول الله عز وجل: إنه نواه إنه نواه». وقال ﷺ: «الناس أربعة: رجل آتاه الله علماً ومالاً، فهو يعمل بعلمه في ماله، فيقول رجل: لو آتاني الله ما آتاه لعملت كما يعمل، فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً، ولم يؤته علماً فهو يخبط بجهله في ماله، فيقول رجل: لو آتاني الله تعالى ما آتاه لعملت كما يعمل فهما في الوِزْر سواء». وقال عليه السلام: «من غزى ولا ينوي إلا عقالاً فله ما نوى». ويقال إن رجلاً في بني إسرائيل مرّ بكثبان رمل في أيام قحط، فقال في نفسه: لو كان لي هذا الرمل طعاماً لقسمته بين الناس، فأوحى الله تعالى إلى نبيهم: «قل له إن الله تعالى قد قبل صَدَقتك، وشكر حسن نيتك، وأعطاك ثواب ما لو كان طعاماً فتصدّقت به». وقال عليه السلام: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار». فقيل: ما بال المقتول؟ فقال: «أراد قتل صاحبه». وقال عليه السلام: «من تزوج امرأة على صَداق وهو لا ينوي أداءه فهو زانٍ، ومن أدان دَيْناً وهو لا ينوي قضاءه فهو سارق».

#### فصل

حقيقة النية هي الإرادة الباعثة للقدرة المنبعثة عن المعرفة. وبيانه أن جميع أعمالك لا تصح إلا بقدرة وإرادة وعلم؛ والعلم يهيج الإرادة، والإرادة باعثة للقدرة، والقدرة خادمة الإرادة بتحريك الأعضاء، مثاله: أنه خلق فيك شهوة الطّعام إلا أنها قد تكون فيك راكدة كأنها نائمة. وإذا وقع بصرك على طعام حصلت المعرفة بالطعام، فانتهضَتِ الشهوة للطعام، فامتدت إليه اليد، وإنما امتدت اليد بالقوة التي فيها، المطيعة لإشارة الشهوة، وانتهضت الشهوة بحصول المعرفة المستفادة من طليعة الحسّ. وكما خُلق فيك شهوة إلى الأشياء الحاضرة، خلق فيك أيضاً ميل إلى اللذّات الآجلة ينتهض ذلك الميل بإشارة المعرفة الحاصلة من العقل، والقدرة أيضاً تخدم هذا الميل بتحريك الأعضاء، فالنية عبارة عن الميل الجازم الباعث للقدرة، والذي يغزو قد يكون الباعث له مَيْلاً إلى المال فذلك نيته، وقد يكون الباعث ميلاً إلى ثواب الآخرة فذلك نيته؛ فإذاً النية عبارة عن الإرادة الباعثة، ومعنى إخلاصها تصفية الباعث عن الشَّوب.

#### فصل

إذا حصل العمل بباعث النية، فالنية والعمل بهما تمام العبادة. فالنية أحد جزئي العبادة، لكنها خير الجزئين، لأن الأعمال بالجوارح ليست مرادة إلا لتأثيرها في القلب، ليميل إلى الخير، وينفر عن الشر، فيتفرغ للفكر والذكر الموصلين له إلى الأنس والمعرفة، اللذين هما سبب سعادته في الآخرة. فليس المقصود من وضع الجبهة على الأرض، وضع الجبهة على الأرض، بل خضوع القلب؛ ولكن القلب يتأثر بأعمال الجوارح. وليس المقصود من الزكاة إزالة الملك، بل إزالة رذيلة البخل، وهو قطع علاقة القلب من المال. وليس المقصود من الضحية لحومها ولا دماؤها، ولكن استشعار القلب للتقوى بتعظيم شعائر الله تعالى. والنية عبارة عن نفس ميل القلب إلى الخير، فهو متمكّن من حدقة المقصود، فهو خير من عمل الجوارح الذي إنما يراد منه سِراية أثره إلى محل المقصود وهو القلب؛ ولذلك يورث جميع أعمال القلب دون الجوارح فيه أثراً ما. وعمل الجارحة دون حضور القلب هباء ولا أثر له. ومهما قصد فمعالجة المعدة بما يصل من الأدوية بالشّرب إليها أنفع لا محالة مما يطلَى به ظاهر المعدة ليسري إليها أثره. وكذلك إذا لم يَسْرِ أثر الطلاء إلى المعدة كان باطلاً. وبهذا التحقيق يُعرف سر قوله ﷺ: «نيَّة المؤمن خيرٌ من عمله».

> **Passage douteux** — Syntaxe maladroite dans l’imprimé ; traduite selon le sens le plus probable. Tournure elliptique dans l’imprimé ; traduite selon le sens le plus probable.

#### فصل

في فضل النية وأنها تحل حدقة المقصود فيؤثّر فيها، فاجتهد أن تستكثر من النية في جميع أعمالك، حتى تنوي بعمل واحد نيات كثيرة؛ ولو صدقت رغبتك هُدِيتَ لطريقه. ويكفيك مثال واحد، وهو أن الدخول في المسجد والقعود فيه عبادة. ويمكن أن تنوي فيه ثمانية أمور:

أولها: أن تعتقد أنه بيت الله عز وجل، وأن داخله زائر الله تعالى فتنوي ذلك؛ قال عليه السلام: «من قعد في المسجد فقد زار الله تعالى». وحقّ على المزُور إكرامُ زائره، وثانيها: نية المرابطة، لقول الله تعالى: ﴿وصابِروا ورابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. وقيل معناه انتظار الصلاة بعد الصلاة. وثالثها: الاعتكاف، ومعناه كفّ السمع والبصر والأعضاء عن الحركات المعتادة، فإنه نوع صوم؛ قال ﷺ: «رهبانية أُمّتي القعود في المساجد». ورابعها: الخلوة، ورفع الشواغل للزوم السرّ للفكر في الآخرة، وكيفية الاستعداد لها. وخامسها: التجرّد للذكر وسماعه أو إسماعه، لقوله ﷺ: «من غدا إلى المسجد يذكر الله تعالى أو يذكر به، كان كالمجاهد في سبيل الله تعالى». وسادسها: أن يقصد إفادة علم وتنبيه من يسيء الصلاة ونهياً عن منكر وأمراً بمعروف، حتى يتيسر بسببه خيرات ويكون شريكاً فيها. وسابعها: أن تترك الذنوب حياء من الله عز وجل بأن يحسن نيته في نفسه، وقوله وعمله، حتى يستحي منه من رآه أن يُقارف[^147] ذنباً. وثامنها: أن تستفيد أخاً في الله، فإن ذلك غنيمة وذخيرة لدار الآخرة.

والمسجد يعشّشُ أهلَ الدين المحبين لله وفي الله. وقس على هذا سائر الأعمال، فباجتماع هذه النيات، تزكو الأعمال، وتلتحق بأعمال المقرّبين، كما أنه بنقيضها يلتحق بأعمال الشياطين، كمن يقصد من القعود في المسجد التحدّث بالباطل، والتفكه بأعراض الناس، ومجالسة أَخْدَان[^148] اللهو واللّعب، وملاحظة من يجتاز به من النّسوان والصبيان، ومناظرة من ينازعه من الأقران على سبيل المباهاة والمراءاة، باقتناص قلوب المستمعين لكلامه وما يجري مجراه. وكذلك لا ينبغي أن يغفل في المباحات عن حسن النية، ففي الخبر: أن العبد يسأل يوم القيامة عن كلّ شيء حتى عن كحل عينيه، وعن فتات الطين بإصبعيه، وعن لمسه ثوب أخيه. ومثال النية في المباحات أن من يتطيب يوم الجمعة يمكنه أن يقصد التنعم بلذته والتفاخر بإظهار ثروته، أو التزويق للنساء وأخدان الفساد، ويتصور أن ينوي اتّباع السنّة وتعظيم بيت الله تعالى، واحترام يوم الجمعة، ودفع الأذى عن غيره بدفع الرائحة الكريهة، وإيصال الراحة إليهم بالرائحة الطيبة، وحسم باب الغيبة، إذا شموا منه رائحة كريهة. وإلى الفريقين الإشارة بقوله ﷺ: «من تطيب في الله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة».

#### فصل

اعلم أن النية لا تدخل تحت الاختيار، فلا ينبغي أن تغتر فتقول بلسانك وقلبك: نويت من القعود في المسجد كذا وكذا؛ وتظن أنك قد نويت، إذ عرفت من قبل أن النية هي الباعث المتحرك الذي لولاه لم يُتصور وجود العمل. والنية المتكلَّفة كقول القائل: نويت أن أحب فلاناً وأعشقه وأعظِّمه؛ أو نويت أن أعطش أو أجوع أو أشبع. فإن لكل هذه دواعي وصوارف، وتحقّقها أسبابها، إذ لا يتصور حصولها دون أسبابها. وقول القائل: نويتها قبل تحققها، حديث نفس لا نيّة. فمن وَطِئ لغلبة شهوة الوقاع مِن أين ينفعه قوله نويت الوطء لحراثة الولد وتكثير عدد من به المباهاة، بل لا تظفر بانبعاث هذه النيات من قلبك إلا إذا قوي إيمانك وتمّت معرفتك بحقارة الحظوظ العاجلة، وعظم ثواب الآخرة، حتى إذا غلب ذلك عليك انبعث منك الرغبة ضرورة في كل ما هو وسيلة إلى ثواب الآخرة وإن لم ينبعث فلا نيّة لك.

ولمثل هذا توقف السّلف في جملة من الخيرات، حتى روي أن محمد بن سيرين لم يصلّ على جنازة الحسن البصري، وقال: ليس تحضرني النيّة. وقيل لطاوس: ادع لنا! فقال: حتى أجدَ له نيّة. وقال بعضهم: أنا في طلب نية لعيادة رجل منذ شهر، فما صحّت لي نية بعد.

ومن عرف حقيقة النية وعلم أنها روح العمل، فلا يُتعب نفسه بعمل لا روح له، ويحقق ذلك أن المباح قد يصير أفضل من العبادة إذا حضرت فيه نية. فمن له نية في الأكل والشرب ليقوى على العبادة، وليس تنبعث له نية الصوم في الحال، فالأكل أولى له. ومن ملَّ العبادة وعلم أنه لو نام لعاد نشاطه، فالنوم أفضل له. بل لو علم مثلاً أن الترفه بدعابة وحديث مزاح في ساعة يرد نشاطه، فذلك أفضل له من الصلاة مع الملال.

قال ﷺ: «إن الله لا يَملّ حتى تملوا». وقال أبو الدرداء: إني لأستجمُّ نفسي بشيء من اللّهو فيكون ذلك عَوناً لي على الحق. وقال علي - رضي الله عنه -: «روِّحوا النفوس، فإنها إذا أُكْرِهَت عَمِيَتْ». وهذه دقائق يستثقلها الظاهريون من الفقهاء، كما يستثقل الطبيب الضعيف من الأطباء معالجة المحرور باللّحم؛ والحاذق منهم قد يأمر به ليعود قوة المريض حتى يحتمل الدواء النافع بعده.

#### الركن الثاني في إخلاص النية

وقد قال الله تعالى: ﴿وما أُمِروا إلاَّ ليعبدُوا الله مُخْلِصين له الدِّينَ حُنفاء﴾ [البينة: ٥]، وقال الله تعالى: ﴿ألا للّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ [الزمر: ٣]، وقال: ﴿إلاَّ الذين تابُوا وأَصْلَحوا واعْتَصَمُوا باللّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم للّه﴾ [النساء: ١٤٦]. وقال النبي ﷺ: قال الله تعالى: «الإخلاص سرٌّ مِن سرّي استودعتُه قلبَ مَن أحببتُ مِن عبادي». وقال - عليه السلام - لمعاذ: «أخلص العمل، يُجْزِك القليل منه». وقال - عليه السلام: «ما من عبدٍ يخلص العملَ أربعين يوماً إلا ظهرت ينابيعُ الحِكمة من قلبه على لسانه».

#### فصل

حقيقة الإخلاص تجرد الباعث الواحد، ويضادُّه الإشراك، وهو أن يشترك الباعثان، وهو كل ما يتطور أن يمازجه غيره؛ فإن صفا من كل شوب منه يسمّى خالصاً. وقد عرفت أن النية هي الباعث، فمن لا يعمل إلا للرياء فهو مخلص، ومن لا يعمل إلا لله فهو مخلص، ولكن خصص الاسم بأحَد الجانبين بالعادة، كالإلحاد، فإنه ميل، ولكن خصص بالميل إلى الباطل. وزوال الإخلاص بشوائب الرياء قد ذكرناه، ولكن قد يزول أيضاً بأغراض أُخَر؛ فإن الصائم قد يقصد من العبادة أن ينتفع بالحِمْية الصالحة الحاصلة بالصوم، وقد يقصد المُعْتِق أن يَتخلّص بالعِتق من مؤونة العبد وسوء خلقه، والحاجُّ يحجُّ ليصحَّ مزاجه بحركة السفر، أو يهرب من مشقة تعهد العيال، أو من إيذاء الأعداء، أو من التبرم[^149] بالمقام مع الأهل، والمتعلم يتعلم العلم ليسهل عليه طلب المعاش، أو يكون محروساً بعز العلم عن الظلم، أو يكتب مصحفاً ليجوّد خطّه، أو يحج ماشياً ليخفف مؤونة الكِراء، أو يتوضأ ليتنظف أو يتبرّد، أو يغتسل لتطيب رائحته، أو يعتكف ليخفف عليه كراء المسكن، أو يصوم ليخفف عن نفسه تَعب الطّبخ وشراء الطعام، أو يتصدق ليدفع عن نفسه إبرام السائل، أو يعود مريضاً ليُعاد إذا مَرض. فهذه الأغراض قد يتجرد منها وقد يشوب قصد العبادة شوباً خفيًّا، فإذا خطر شيء من هذه الأغراض في الفعل، فقد ذهب الإخلاص، وذلك عسير جداً، ولذلك قال بعضهم: في إخلاص ساعة، نجاة الأبد، ولكن ذلك عزيز. وقال أبو سليمان الداراني: طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا الله عز وجل. وكان معروف الكرخي يضرب نفسه ويقول: يا نفسي أَخْلِصي تَتخلّصي.

> **Passage douteux** — L’imprimé porte « yatatawwar », alors que le sens appelle « yutasawwar » (être concevable) ; laissé tel quel.

#### فصل

اعلم أن امتزاج هذه الشّوائب على مراتب، فإنها قد تغلب وقد تكون مغمورة، وقد تكون مساوية لقصد العبادة، ولا تمحو أصل الثواب في المباحات. ومهما بقي شوب من إرادة الله عز وجل، فله ثواب بقدر ذلك الشوب، والباقي لا ثواب عليه. فأما إذا كان في العبادة أمر بأن يخلصها الله تعالى، فإن كان الشوب غالباً بطلت العبادة، وإن كان مساوياً أو مغلوباً بطل الإخلاص. ولكن هل يتوقف انعقاد العبادة وحصول أصلها على انتفاء الشوائب كلها؟ فيه نظر أشرنا إليه في الرياء. ويطلب استقصاؤه من كتاب الإحياء.

#### الركن الثالث الصدق

وهو كمال الإخلاص؛ قال الله تعالى: ﴿رجالٌ صَدقُوا ما عَاهَدُوا اللّهَ عليه....﴾ [الأحزاب: ٢٣] الآية. وقال النبي عليه السلام: «إن الرجل ليصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صِدّيقاً». وقال الله تعالى: ﴿واذكُر في الكِتابِ إبراهيم إنه كان صِدّيقاً نبيًّا﴾ [مريم: ٤١]. ويكفي بفضيلة الصدق أن يدرك به فضيلة الصِّدِّيقين.

واعلم أن للصدق مراتب ستًّا من بلغ في جميعها رتبة الكمال استحق اسم الصّدق:

**أولها**: الصدق في القول في جميع الأحوال، ما يتعلق بالماضي والمستقبل والحال. ولهذا الصدق كمالان: **أحدهما**: الحذر عن المعاريض أيضاً، فإنه وإن كان صدقاً في نفسه، فيفهم خلاف الحق. والمحذور من الكذب تفهيم خلاف الحقّ، إذ يكتسب القلب صورة معوجّة كاذبة بإزاء كذب اللسان، وإذا مال وجه القلب من الصحة إلى الاعوجاج لم يتجلَّ الحق له على الصحة حتى لا يصدق رؤياه أيضاً. والمعاريض لا توقع في هذا المحذور لأنه صدق في نفسه، لكن توقع في المحذور، **الثاني**: وهو تجهيل المعنى، فلا ينبغي أن يفعل ذلك إلا لغرض صحيح. وكمال الثاني، أن يرعى الصدق في أقاويله مع الله تعالى، فإذا قال: «وجّهت وجهي»، وفي قلبه في تلك الحالة شيء سوى الله عز وجل، فهو كاذب، وإذا قال: «إياك نعبد»، وهو مع ذلك عبد للدنيا أو لنفسه أو لغيره لم يمكنه تحقيق صدق هذه الكلمة في القيامة؛ ولذلك قال عيسى - عليه السلام -: يا عبيد الدنيا. وقال نبينا ﷺ: «تعس عبد الدرهم والدينار».

> **Passage douteux** — Syntaxe ambiguë ; traduite par « le second danger ».

**الصدق الثاني**: في النية؛ وهو أن يتمحض فيه داعية الخير، فإن كان فيه شوب فقد فات الصدق لله؛ يقال هذا صادق الحموضة، وصادق الحلاوة، إذا كان مَحْضاً، فيرجع هذا إلى نفس الإخلاص.

**والصدق الثالث**: في العزم؛ فإن العبد قد يعزم على التصدّق إن رزق مالاً، وعلى العدل إن رزق ولاية، وعزمه تارة يكون مع ضعف وتردد، وتارة يكون جزماً قويًّا لا تردد فيه. فالجزم القويّ يسمى قويًّا صادقاً، كما وجده عمر من نفسه - رضي الله عنه - حيث قال: لأنْ أُقدَّم فيُضرب عُنقي أحبُّ إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر - رضي الله عنه -. ودرجات عزم الصديقين في القوة قد تتفاوت، وأقصاها أن ينتهي إلى الرضاء بضرب الرقبة دون الحقيقة.

> **Passage douteux** — Lisible, mais le sens de l’expression reste obscur.

**والصدق الرابع**: الوفاء بالعزم؛ فإن النفس قد تَسخو بالعزم أوّلاً، ولكن عند الوفاء ربما تتوانى عن كمال التحقيق؛ لأن المؤونة في العزم هيّن، وإنما الشدة في التحقيق، ولذلك قال تعالى: ﴿رِجالٌ صَدَقوا ما عَاهَدُوا اللّهَ عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣]، وقال: ﴿ومِنهم مَن عاهَد الله لئن آتانا من فضلِه لنَصَّدَّقَنَّ...﴾ [التوبة: ٧٥] إلى قوله: ﴿فأَعْقَبَهم نِفاقاً في قُلوبِهم إلى يومِ يَلْقَونه بما أَخْلَفوا اللّهَ ما وَعَدُوه وبما كانوا يَكْذِبون﴾ [التوبة: ٧٧].

**الصدق الخامس**: في الأعمال؛ بأن يكون بحيث لا يدل على شيء من الباطن إلا والباطن متصف به. ومعناه استواء السريرة والعلانية، فالماشي على هُدُوء يدل بحكمه على أنه ذو وقار في باطنه، فإن لم يكن كذلك في الباطن والتفت قلبه إلى أن يُخيَّل إلى الناس أنه ذو وقار في باطنه فذلك الرياء. وإن لم يلتفت إلى الخلق قلبه، ولكنه غافل، فليس ذلك برياء، ولكن يفوت به الصدق؛ ولذلك قال ﷺ: «اللهم اجعل سريرتي خيراً من علانيتي، واجعل لي علانية صالحة». وقال عبد الواحد: كان الحسن البصري إذا أمر بشيء كان مِن أعملِ الناس به، وإذا نهى عن شيء كان من أترك الناس له، ولم أَرَ قط أحداً أشبه سريرته بعلانيته منه.

**الصدق السادس**: - وهو أعلى أبوابه - الصدق في مقامات الدين؛ كالخوف والرجاء والحب والرضاء والتوكل وغيرها، فإن لهذه المقامات أوائل ينطلق الاسم بها، ولها حقائق وغايات؛ إذ يقال هذا هو الخوف الصادق، وهي الشهوة الصادقة، ولذلك قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسولِه، ثم لم يرتابوا...﴾ إلى قوله: ﴿أولئك هم الصّادقون﴾ [الحجرات: ١٥]، وقال تعالى: ﴿ولكنّ البرَّ مَن آمَنَ باللّهِ واليومِ الآخِرِ...﴾ إلى قوله: ﴿أولئك الذين صَدَقوا....﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية. فهذه درجات الصدق، فمن تحقق في جميعها فهو صِدّيق، ومن لم يصب بعضها فمرتبته بقدر صدقه. ومن جملة الصدق تحقيق القلب بأن الله هو الرزّاق والتوكل عليه! فلنذكُره.

### الأصل السابع في التوكُّل

قال الله تعالى: ﴿وعلى اللّهِ فلْيتوكَّلِ المُتوكِّلون﴾ [إبراهيم: ١٢]، وقال الله تعالى: ﴿وعلى الله فتوكَّلوا إن كنتم مؤمنين﴾ [المائدة: ٢٣]. وقال: ﴿إن الله يحبُّ المتوكِّلين﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقال: ﴿ومَنْ يتوكَّلْ على اللّهِ فهُوَ حَسْبُه﴾ [الطلاق: ٣] وقال: ﴿أليسَ اللّهُ بكافٍ عبدَه﴾ [الزمر: ٣٦] وقال: ﴿إن الذين تعْبُدون من دونِ اللّهِ لا يَمْلِكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق﴾ [العنكبوت: ١٧] وقال النبي ﷺ: «لو أنكم تتوكّلون على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدُو خِماصاً وتروح بطاناً[^150]»، وقال: «من انقطع إلى الله كفاه الله تعالى كلّ مؤونة ورَزَقَه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها». وكان رسول الله إذا أصاب أهله خصاصة قال: «قوموا إلى الصلاة»، ويقول: «بهذا أمرني ربي فقال: وأْمُر أَهْلَك بالصلاة واصطبرْ عليها لا نسألك رِزقاً، نحن نَرْزُقك، والعاقبةُ للتّقْوى».

#### فصل

حقيقة التوكل عبارة عن حالة تصدر عن التوحيد، ويظهر أثرها على الأعمال، فهي ثلاثة أركان: المعرفة، والحال، والعمل.

#### الركن الأول

المعرفة، وهي الأصل، وأعني بها التوحيد، فإنه إنما يتوكل على الله من لا يرى فاعلاً سوى الله. وكمال هذه المعرفة يترجمه قولك: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير»، إذ فيه إيمان بالتوحيد، وكمال القدرة والجود والحكمة التي يستحق بها الحمد. فمن قال ذلك صادقاً مخلصاً فقد تَمَّ توحيده، وثبت في قلبه الأصل الذي منه ينبعث حال التوكل؛ وأعني بالصدق فيه أن يصير معنى القول وصفاً لازماً لذاته، غالباً على قلبه، لا يتّسع لتقدير غيره.

#### فصل

هذا التوحيد له لُبّان وقشران، وطباقه أربع، كاللوز، له لُبٌّ ثم الدّهن لبُّ لبّه، والقشرة العليا قشر قِشره. فالقشرة العليا القول باللسان المجرّد. الثانية: الاعتقاد بالقلب جزماً، وهو درجة عوام الخلق، ودرجة المتكلمين، إذ لا يتميزون عن العوام إلا بمعرفة الحيلة في دفع تشويش المبتدعة عن هذه الاعتقادات. الثالثة: وهي اللّب، أن ينكشف بنور الله عز وجل حقيقة هذا التوحيد وسرّه بالحقيقة. وذلك بأن يرى الأشياء الكثيرة، ويعلم أنها بجملتها صادرة عن فاعل واحد على الترتيب. وذلك بأن يعرف سلسلة الأسباب وكيفية تسلسلها وارتباط أول السلسلة بسبب الأسباب. وصاحب هذا المقام بعد في تفرقة لأنه يرى الأفعال وكثرتها وارتباطها بالفاعل. الرابعة: وهو لبُّ اللب، أن لا يرى في الوجود إلا واحداً ويعلم أن الموجود بالحقيقة واحد، وإنما الكثرة فيه في حق من تفرق نظره كالذي يرى من الإنسان مثلاً رجله، ثم يده، ثم وجهه، ثم رأسه، فيغلب عليه كثرته، فإن رأى الإنسان جملة واحدة لم يخطر بباله الآحاد، بل كان كمدرك الشيء الواحد. فكذلك الموحّد لا يفرق نظره بين السماء والأرض وسائر الموجودات، بل يرى الكلّ في حكم الشيء الواحد. وهذا له غَوْر، ويستدعي كشفه تطويلاً فاطلبه من كتاب التوحيد والشكر من كتب الإحياء لتقف على تلويحات منه. والفناء في التوحيد إنما يقع في هذا التوحيد؛ وذلك بأن يصير مستغرقاً بالواحد الحق، حتى لا يلتفت قلبه إلى غيره ولا إلى نفسه، فإن نفسه - من حيث هي نفسه - غير الله، وإن لم يتحقق له معنى الغيرية بنظر آخر، واعتبار على وجه آخر.

#### فصل

حقيقة التوكل إنما يستدعي توحيد الفعل ولا يستدعي الفناء في توحيد الذات، بل المتوكل يجوز أن يرى الكثرة والأسباب والمسببات، ولكن ينبغي أن يشاهد ارتباط السلسلة بمسببها. وما عندي أن ذلك يخفى عليك فيما يدخل فيه اختيار الآدميين، فإنك إن رأيت المطر سبباً في النبات، فتعلم أن المطر مسخَّر بواسطة الغيم، والغيم مسخر بواسطة الريح وأبخرة الجبال، وكذلك الجبال جمادات مسخرة إلى أن ينتهي إلى الأول لا محالة. وإن كنت لا تعرف عدد الوسائط فلا يُضيرك ذلك، وإنما الذي يخفى عليك أفعال الآدميين، فإنك تقول: من أطعمني طعاماً فإنه يُطعمني باختياره، إن شاء أعطى، وإن شاء منع، فكيف لا أراه فاعلاً. وإنما مثلك في الالتفات إليه مثل النملة، ترى الخط على البياض يحصل من حركة القلم، فتضيف ذلك إلى القلم، إذ حدقتها الصغيرة الضعيفة لا تمد إلى الإصبع، ومنها إلى اليد، ومنها إلى القدرة المحركة لليد، ومنها إلى الإرادة التي القدرة مسخَّرة لها، ومنها إلى المعرفة التي يتوقف انبعاث الإرادة وانجزامها عليها، ومنها إلى صاحب القدرة والعلم والإرادة. فكذلك أنت تضيف أفعال العباد إلى إرادتهم ومعرفتهم وقدرتهم، إذ ليس يمتد نظرك إلى القلم الذي تنسطرُ المعرفة به في ألواح القلوب، ومنه إلى الأصابع التي تنتهي إلى قلوب العباد، ومنها إلى اليد التي بها خمرت طينة آدم، ومنها إلى القدرة التي بها تتحرك اليد لتخمير الطينة، ومنها إلى القادر الذي منه يبدأ وإليه يعود. وذلك لأنك لا تعرف معنى قول النبي ﷺ: «إن الله خلق آدم على صورته»، ولا معنى قوله[^151] تعالى: «خمرتُ طينةَ آدم بيدي»، ولا معنى قوله تعالى: ﴿علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، كلا إن الإنسان ليَطغى﴾ [العلق: ٤، ٥، ٦]. فإنك لا تعلم قلماً إلا من قصب، ولا يداً ولا أصابع إلا من لحوم وعظام، ولا صورة إلا للألوان والأشكال. فإن انكشف لك ذلك علمت أنك إذا رميت ما رميت، ولكن الله رمى، حيث سلط عليك دَواعي جازمة، ومعرفة حاكمة على القطع، بأن نجاتك في الرمي مثلاً، حتى انبعثت القدرة التي انفرد بخلقها خادمة للإرادة، والمعرفة خادمة بالتّسخير والاضطرار، علمت أنك مضطر إلى عين الاختيار، فتفعل إن شئت ذلك، وتشاء إذا شاء الله، شئت أم أبيت. وهذا الآن فيه سرٌّ يحرّك قاعدة الجبْر والاختيار، ويوهم تناقض التوحيد وتكليف الشرع، وقد شرحناه في كتاب التوحيد والتوكل والشكر من كتب الإحياء. فاطلبه منه إن كنت من أهله.

#### فصل

لا يكفي الإيمان بتوحيد الفعل والذات في إثارة حالة التوكل حتى ينضاف إليه الإيمان بالرحمة والجود والحكمة، إذ به تحصل الثقة بالوكيل الحق، وهو أن يعتقد جزماً أو ينكشف لك بالبصيرة أن الله تعالى لو خلق الخلائق كلهم على عقل أعقلهم بل على أكمل ما يتصور أن يكون عليه حال العقل، ثم زادهم أضعاف ذلك علماً وحكمة، ثم كشف لهم عواقب الأمور وأطْلعهم على أسرار الملكوت ولطائف الحكمة، ودقائق الخير والشر، ثم أمرهم أن يدبِّروا الملك والملكوت، لما دَبَّروه بأحسن مما هو عليه، ولم يمكنهم أن يزيدوا عليه أو ينقصوا منه جناح بعوضة، ولم يستصوبوا البتة دفع مرض وعيب ونقص وفقر وضر وجهل وكفر، ولا أن يغيروا قسمة الله تعالى من رزق وأجل وقدرة وعجز وطاعة ومعصية، بل شاهدوا جميع ذلك عدلاً محضاً لا جَوْر فيه، وحقًّا صرفاً لا نقص فيه، واستقامة تامة لا قصور فيها ولا تفاوت، بل كل ما يرون نقصاً فيرتبط به كمال آخر أعظم منه، وما ظنّوه ضرراً فتَحْتَه نفع أعظم منه، لا يتوصل إلى ذلك النفع إلا به. وعلموا قطعاً أن الله تعالى حكيم جواد رحيم، لم يبخل على الخلق أصلاً، ولم يدّخر في إصلاحهم أمراً، وهذا الآن بحر آخر في المعرفة، يحرّك أمواجه سرّ القدر الذي منع من ذكره المكاشفون، وتحير فيه الأكثرون، ولا يعقله إلا العالمون، ولا يدرك تأويله إلا الرّاسخون. وأن حظ العوام، أن يعتقدوا أن كل ما يصيبهم لم يكن ليخطئهم، وما يخطئهم لم يكن ليصيبهم. وأن ذلك واجب الحصول بحكم المشيئة الأزلية، وأنه لا رادّ لحكمه، ولا مُعقِّب لقضائه، بل كل صغير وكبير مُسْتَطَر[^152]، وحصوله بقدر معلوم منتظر، ﴿وما أَمْرُنا إلا واحدة كلمحٍ بالبصر﴾ [القمر: ٥٠].

> **Passage douteux** — Quelques mots partiellement couverts par le filigrane du scan, lus sous le filigrane.

#### الركن الثاني

حال التوكل؛ ومعناه أن تكل أمرك إلى الله عز وجل، ويثق به قلبك، وتطمئن بالتفويض إليه نفسك، ولا تلتفت إلى غير الله أصلاً؛ ويكون مثالك مثال من وَكَّل في خصومته في مجلس القاضي من علم أنه أشفق الناس عليه، وأقواهم في كشف الباطل، وأعرفهم به، وأحرصهم عليه، فإنه يكون ساكناً في بيته، مطمئن القلب غير متفكر في كل الخصومة، غير مستعين بآحاد الناس، لعلمه بأن وكيله حسبه وكافيه في غرضه، وأنه لا يقاومه غيره.

فمن تحققت معرفته بأن الرزق والأجل والخلق والأمر بيد الله تعالى، وهو منفرد به لا شريك له، وأن جوده وحكمته ورحمته لا نهاية لها ولا يوازيها رحمة غيره وجوده، واتّكل قلبه بالضرورة عليه، وانقطع نظره عن غيره؛ فإن لم ينقطع فلا يكون ذلك إلا لأحد أمرين:

**أحدهما**: ضعف اليقين بما ذكرناه؛ وضعف اليقين إنما يكون لتطرق شك إليه أو لعدم استيلائه على القلب. فإن الموت يقين لا شك فيه، ولكنه إذ لا يستولي على القلب فهو كشكٍّ لا يقين فيه.

**الأمر الثاني**: أن يكون القلب في الفطرة جباناً ضعيفاً، فالجبن والجرأة فطرتان، والجبن يوجب كون النفس مطيعة لأوهام لا شكّ في بطلانها، حتى قد يخاف الإنسان أن يبيت مع الميت في فراش، أو في بيت، مع علمه بأن الله لا يحييه، وأن قدرته عليه كقدرته على أن يقلب في يده العصا حيّة، وهو لا يخاف ذلك. بل قد يشبه العسل بالعُذرة فيتعذر عليه تناوله مع علمه بأنه تشبيه كاذب، وذلك لخور النفس وطاعة الأوهام.

فكما لا يخلو الإنسان عن شيء منه وإن ضعف، فكذلك لا يبعد أن يحصل اليقين بالتوحيد بحيث لا يخالجه ريب، ومع ذلك فيفرغ القلب إلى الأسباب.

#### فصل

إذا عرفت أن التوكل عبارة عن حالة القلب في الثقة بالوكيل الحق، وقطع الالتفات إلى غيره، فاعلم أن فيه ثلاث درجات: إحداها ما ذكرناه، وهو كالثقة بالوكيل في الخصومة، بعد اعتقاد كماله في الهداية والقدرة والشفقة. الثانية، وهي أقوى منها، تضاهي حالة الصبيّ في ثقته بأمه، وفزعه إليها في كلّ ما يصيبه، وذلك لثقته بشفقتها وكفالتها؛ ولكنه في توكله فان عن توكله[^153] فإنه ليس يحصله بفكر وكسب، وإن كان لا يخلو توكله عن نوع إدراك؛ وأما التوكل على الوكيل بالخصومة، فكالمكتسب بالفكر والنظر. والثالثة: وهي الأعلى، أن يكون بين يدي الله تعالى كالميت بين يدي الغاسل، لا كالصبي، فإنه يزعق بأمه ويتعلق بذيلها، بل هذا كالصبي علم أنه وإن لم يزعق بأمه فإنها تطلبه، وإن لم يتعلق بذيلها فهي تحمله، وإن لم يسألها فهي تبتدئ بإرضاعه، فيكون هذا الشخص في حق الله عزّ وجلّ ساقط الاختيار، لعلمه بأنه مجرى القدر فلا يبقى فيه متسع لغير الانتظار لما يجري عليه. وهذا المقام يأبى الدعاء والسؤال، ولا يمتنع الدعاء في المقام الثاني والأول، ويمتنع التدبير في المقام الأخير، ويمتنع في الثاني أيضاً، إلا في التعلق بالوكيل فقط. وفي الأول يمتنع التدبير بالتعلق بغيره، ولا يمتنع بالطريق الذي رسمه الوكيل وسنّه له وأمره به.

> **Passage douteux** — Expression obscure dans l’imprimé, signalée aussi par l’éditeur (voir sa note).

#### الركن الثالث في الأعمال

وقد يظن الجهال أن شرط التوكل ترك الكسب، وترك التداوي، والاستسلام للمهلكات؛ وذلك خطأ، لأن ذلك حرام في الشرع، والشرع قد أثنى على التوكل، وندب إليه فكيف ينال ذلك بمحظوره. وتحقيقه أنّ سعي العبد لا يعدو أربعة أوجه: وهو جلب ما ليس بموجود من المنفعة، أو حفظ الموجود، أو دفع الضرر كي لا يحصل، أو قطعه كي يزول. الأول: جلب النافع، وأسبابه ثلاثة: إما مقطوع به، وإما مظنون ظنًّا غالباً ظاهراً يوثق به، أو موهوم. أما المقطوع به فمثاله أن لا تمتد اليد إلى الطعام وهو جائع، ويقول هذا سعيٌ، وأنا متوكل، أو يريد الولد ولا يواقع أهله، أو يريد الزرع، ولا يبث البذر. وهذا جهل؛ لأن سنّة الله تعالى لا تتغير، وقد عرفك أن ارتباط هذه المسببات بهذه الأسباب من السنّة التي لا تجدُ لها تبديلاً. وإنما التوكل فيه بأمرين: أحدهما، أن تعلم أن اليد والطعام والبذر وقدرة التناول وجميع ذلك من قدرة الله تعالى. والثاني، أن لا يتكل عليها بقلبه بل على خالقها، وكيف يتكل على اليد! وربما يفلج في الحال أو يهلك الطعام، وذلك تحقيق قولك «لا حول ولا قوة إلا بالله»، فالحول هي الحركة، والقوة هي القدرة. فإذا كان هذا حالك، فأنت متوكل وإن سعيت. وأما المظنون فكاستصحاب الزاد في البوادي والأسفار، فليس تركه شرطاً في التوكل، بل هي سنّة الأوّلين، بل يكون الاعتماد على فضل الله تعالى بدفع السرّاق وإبقاء الزاد والحياة، والقدرة على التناول. وأما الموهومات، فكالاستقصاء في حِيَل المعيشة، واستنباط دقائق الأمور فيها؛ وذلك ثمرة الحرص، وقد يحمل على أخذ الشبهة. فكل ذلك يناقض التوكل، والدليل عليه أن النبي ﷺ وصف المتوكلين بأنهم لا يكْتَنون ولا يسترقون، ولم يصفهم بأنهم لا يسكنون الأمصار، ولا يكتسبون، فما نسبته إلى السبب، كنسبة الرُّقية والكي فتركهما من شروط التوكل.

الفن الثاني: من تدبير الأسباب الادخار. فالمتوكل إذا ورث مالاً وادخر لسنة فما فوقه أبطل توكله، وإن قنع بقوت يومه وفرق الباقي فهو تمام التوكل، وإن ادخر لأربعين يوماً، قال سهل التستري: بطل توكله، ولا ينال المقام المحمود الذي وعد للمتوكلين؛ وقال الخواص: لا يبطل. واتفقوا على أن الزيادة عليه يبطل التوكل إلا إذا كان معيلاً، فله أن يدخر قوت عياله لسنة، كذلك فعل رسول الله ﷺ في حق عياله وفي حق نفسه؛ كان لا يدخر من غدائه لعشائه. ولا شك أن طول الأمل يناقض التوكل، ومهما قلّت مدة الادخار كانت الرتبة أعظم؛ ولكن سنّة الله تعالى جارية بتكرر الأرزاق عند تكرار السنة. فالادخار لأكثر من سنة غاية الضعف وليس من التوكل في شيء.

> **Passage douteux** — Le pronom renvoie probablement aux quarante jours ; traduit au plus près : « ce qui excède cela ».

فأما ادخار الكوز وأثاث البيت فذلك جائز، لأن سنة الله تعالى لم تجر بتكررها كتكرر الأرزاق، ويحتاج إليها في كل وقت، وليس كثوب الشتاء، فإنه لا يحتاج إليه في الصيف، وادخاره على خلاف التوكل؛ قال النبي ﷺ في فقير دفن: «إنه يحشر يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر، ولولا خصلة كان كالشمس الضاحية؛ كان إذا جاء الشتاء ادخر حلة الصيف لصيفه».

الفن الثالث: في مباشرة الأسباب الدافعة، كالفرار من السبع، ومن الجدار المائل، ومجرى السيل، ودفع الأمراض بالأدوية. وذلك أيضاً له درجات؛ فاستنبطها بالقياس إلى ما ذكرناه وقد فسرناه في الإحياء.

#### فصل

اعلم أن ترك الادخار محمود لمن غلب يقينه، وقوي قلبه. وأما الضعيف الذي يضطرب قلبه لو لم يدخر لم يتفرغ للعبادة، فالأفضل له أن يدع طريق المتوكلين. ولا يحمّل نفسه ما لا يطيقه، إذ فساد ذلك في حقه أكثر من صلاحه، بل يعالج كل واحد على حسب حاله وقوته. وقد تنتهي القوة إلى أن يجوز السفر في البوادي من غير زاد، وذلك لمن يصبر عن الطعام أسبوعاً، ويقنع بالحشيش؛ فإن ذلك لا يُعوزه غالباً في البادية. فأما الضعيف إذا فعل ذلك فهو عاص ملق نفسه في التهلكة. والقويّ إن حبس نفسه في كهف جبل ليس فيه حشيش ولا يجتاز به إنسان، فذلك أيضاً حرام؛ لأنه خالف سنّة الله تعالى في خلقه؛ وإنما جاز له ذلك في البوادي، لأن سنّة الله جارية بأنها لا تخلو عن الحشيش، وقد يجتاز بها الآدميون، فإذا قوي كان هلاكه نادراً، فلم يكن بذلك عاصياً، فله أن يسافر في البادية متكلاً على لطيف صنع الله تعالى، وغير قاصر التفاته على الأسباب الجليّة الواضحة.

### الأصل الثامن في المحبة

قال الله تعالى: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤]، وقال: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكنُ ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله...﴾ [التوبة: ٢٤] الآية. وقال النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». وقال عليه السلام: «أحبوا الله لِما يغذوكم به من نعمة، وأحبوني لحب الله عز وجل». وقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: «من ذاق خالص محبة الله عز وجل منعه ذلك من طلب الدنيا، وأوحشه من جميع البشر». وقال الحسن البصريّ - رحمة الله عليه -: من عرف الله تعالى أحبّه، ومن عرف الدنيا زهد فيها. والمؤمن لا يلهو حتى يغفل، وإذا تفكر حزن.

#### فصل

اعلم أن أكثر المتكلمين أنكروا محبّة الله تعالى وأوّلوها، وقالوا: لا معنى لها إلا لامتثال أوامره، وإلا فما لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئاً، ولا يناسب طباعنا، فكيف نحبه؟ وإنما يتصور منّا أن نحب من هو من جنسنا، وهؤلاء محرومون بجهلهم بحقائق الأمور. وقد كشف الغطاء عن هذا في كتاب المحبة من كتب الإحياء فطالعها لتصادف منها أسراراً تخلو الكتب عنها. فاقنع في هذا المختصر بتلويحات وإشارات.

#### فصل

اعلم أن كلّ لذيذ محبوب، ومعنى كونه محبوباً ميل النفس إليه، فإن قوي الميل سمّي عشقاً، ومعنى كونه مبغوضاً نَفْرة النفس عنه لكونه مؤلماً. فإن قوي البغض والنّفرة سمي مَقتاً. واعلم أن الأشياء التي تُدركها بحواسك وجميع مشاعرك، إما أن تكون موافقة لك ملائمة، وهو اللذيذ، أو تكون منافية مخالفة، وهو المؤلم، أوْ لا موافقة ولا مخالفة، وهو الذي لا ألم فيها ولا لذة. وكل لذيذ محبوب، أي للنفس الملتذة به ميل لا محالة إليه. واعلم أن اللذة تتبع الإدراك، والإدراك إدراكان: ظاهر وباطن. أمّا الظاهر فبالحواس الخمس، فلا جرم لذة العين في الصور الجميلة، ولذة الأذن في النغمات الموزونة الطيبة، ولذة الذوق والشم في الطعوم والروائح الملائمة الموافقة، ولذة جملة البدن في ملابسة الناعم اللين، وجملة ذلك محبوبة للنفس، أي للنفس ميل إليها. وأما الإدراك الباطن، فهو اللطيفة التي محلها القلب، تارة يعبر عنها بالعقل، وتارة بالنور، وتارة بالحس السادس. ولا تنظر إلى العبارات فتغلط، بل قال النبي ﷺ: «حُبب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة». فتعلم أن الطيب والنساء فيهما حظ الشم واللمس والبصر، والصلاة لا حظ فيها للحواس الخمس، بل للإدراك السادس الذي محله القلب، ولا يدركها من لا قلب له، وأن الله يَحُول بين المرء وقلبه. ومن اقتصر من لذته على الحواس الخمس فهو بهيمة، لأن البهيمة تشاركه فيها؛ وإنما خاصية الإنسان التمييز بالبصيرة الباطنة. ولذة البصر الظاهر، في الصور الجميلة الظاهرة، ولذة البصيرة الباطنة، في الصور الجميلة الباطنة.

#### فصل

لعلك تقول: ما معنى الصور الجميلة الباطنة؟ فأقول ما عندي أنك لا تحس من نفسك حب الأنبياء والعلماء والصحابة، ولا تدرك من نفسك تفرقة بين الملك العادل العالم الشجاع الكريم العطوف على الخلق، وبين الظالم الجاهل البخيل الفظ الغليظ. وما عندي أنك إذا حُكي لك صدْق أبي بكر، وسياسة عمر، وسخاوة عثمان، وشجاعة علي - رضوان الله عليهم - لا تجد في نفسك هزة وارتياحاً وميلاً إلى هؤلاء، وإلى كل موصوف بخلال الكمال من نبيّ وصدّيق وعالم. وكيف تنكر هذا، وفي الناس مَن يقتدي بنفسه أرباب المذاهب، ويحمله حبه لهم على البذل بالمال والنفس في الذب عنهم، وتجاوز ذلك حدّ العشق، وأنت تعلم أن حبك لهؤلاء ليس لصورهم الظاهرة، فإنك لم تشاهدها، ولو شاهدتها ربما لم تستحسنها، وإن استحسنت، فلو تشوهت صورهم الظاهرة، وبقيت صفاتهم المعنوية الباطنة، لبقي حبهم. وإذا فتشت عن محبوبك منهم، رجع - بعد التفصيل الطويل الذي لا يحتمله هذا الكتاب - إلى ثلاث صفات: العلم والقدرة والنزاهة عن العيوب. أما العلم، فكعلمهم بالله وملائكته وكتبه ورسله وعجائب ملكوته ودقائق شريعة أنبيائه. وأما القدرة، فكقدرتهم على أنفسهم بكسر شهوتها، وحملها على الصراط المستقيم. وقدرتهم على العبادة بسياستهم، وإرشادهم إلى الحق. وأما النزاهة، فكسلامة باطنهم من عيب الجهل والبخل والحسد وخبائث الأخلاق؛ واجتماع كمال العلم والقدرة مع حسن الأخلاق، وهو حسن الباطن، وهي الصورة الباطنة التي لا تدركها البهيمة، ومن في مثل حالها بالبصر الظاهر.

> **Passage douteux** — Syntaxe flottante ; traduit par « des hommes qui prennent pour modèles personnels les fondateurs des écoles juridiques ».

ثم إذا أحببت هؤلاء بهذه الصفات، وعلمت أن النبي ﷺ كان أجمع منهم لهذه الخصال، كان حبك له أشد بالضرورة، فارتفع نظرك الآن من النبي إلى مرْسِل النبي وخالقه والمتفضل على الخلق ببعثه، لتعلم أن بعثه الأنبياء حسنة من حسناته. ثم انْسُبْ قدرة الأنبياء وعلمهم وطهارتهم إلى علم الله سبحانه وقدرته وقدسه، لتعلم أنه لا قدّوس سوى الواحد الحق، وأن غيره لا يخلو من عيب ونقص؛ بل العبودية أعظم أنواع النقص، فأيُّ كمال لمن لا قوام له بنفسه، ولا يملك لنفسه موتاً ولا حياة ولا رزقاً ولا أجلاً! وأيُّ علم لمن يشكل عليه صفات باطنه في مرضه وصحته، بل لا يعلم جميع جوارحه الباطنة، وتفصيلها وحكمها بالتحقيق، فضلاً عن ملكوت السموات والأرض! وانسب هذا إلى العلم الأزليّ المحيط بجميع الموجودات، ومعلومات لا نهاية لها إلى الذي لا يعزب عنه مثقال ذَرَّة في السموات ولا في الأرض، وإلى قدرة خالق السموات والأرض الذي لا يخرج موجود عن قبضة قدرته في وجوده وبقائه وعدمه؛ وانسب نزاهته من العيوب إلى قدسه، لتعلم أنه لا قدس ولا قدرة ولا علم إلا للواحد الحق، وإنما لغيره القدرة التي أعطاه، ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] فانظر الآن هل يمكنك أن تنكر أن هذه الصفات والمحامد محبوبة، أو تنكر أن الموصوف بكمال الجلال هو الله تعالى؟ وانظر كيف تنكر حبه بعد ذلك!

#### فصل

إن قصّرت بصيرتك عن إدراك الجلال والكمال والميل إلى مطالعته والفرح به والعشق له، فلا تقصر عن الميل إلى المنعم المحسن إليك، ولا تكوننّ أقلّ من الكلب، فإنه يحب صاحبه الذي يحسن إليه. وتأمل هذا في العالم، هل لأحد إحسان إليك سوى الله تعالى؟ وهل لك حظ ولذة وتنعّم في شيء وحرص على نعمة إلا والله سبحانه خالقها ومبديها ومبقيها وخالق الشهوة إليها والتلذذ بها؟ وتفكر في أعضائك ولطف صنع الله تعالى بك فيها، لتحبه بإحسانه إليك، فتكون من عوام الخلق إن لم تقدر أن تحبه لجماله وجلاله وكماله، كما تحبه الملائكة لذلك، وامتثال قوله عليه السلام: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحبّ الله». وعند هذا تكون كالعبد السوء، يحب ويعمل للأجرة والنفقة، فلا جرم يزيد حبّك وينقص بزيادة الإحسان ونقصانه؛ وذلك ضعيف جداً؛ بل الكامل من يحب الله لجلاله وجماله ومحامد صفاته التي لا يتصور أن يشارَك فيها. ولذلك أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: «إن أودّ الأوداء إليّ مَن عبدني بغير نوال، لكن ليعطي الربوبية حقها». وفي الزبور: «مَن أظلم ممن عبدني لجنة أو نار، لو لم أخلق جنة ولا ناراً، ألم أكن أهلاً أن أُطاع؟». ومرّ عيسى - عليه السلام - بطائفة من العبّاد وقد تخلّوا للعبادة، وقالوا نخاف النار ونرجو الجنة، فقال: مخلوقاً خفتم ومخلوقاً رجوتم. ومر بقوم آخرين كذلك، فقالوا: نعبده حبًّا وتعظيماً لجلاله، فقال: أنتم أولياء الله حقاً، ومعكم أُمرت أن أُقيم.

#### فصل

العارف لا يحب إلا الله تعالى، فإن أحبّ غيره فيحبه لله عز وجل، إذ قد يحبُّ المحبُّ عبد المحبوب وأقاربه وبلده وثيابه وضيعته وتصنيفه، وكل ما هو منه وإليه نسبته. وكل ما في الوجود صنع الله عز وجل وتصنيفه، وكل الخلق عباد الله تعالى؛ فإن أحبّ الرسول أحبّه لأنه رسول محبوبه وحبيبه. وإن أحب الصحابة فلأنهم محبوبو رسوله، ولأنهم محبوه وعبيده والمواظبون على طاعته. وإن أحب طعاماً فلأنه يقوّي مركبه الذي به يصل إلى محبوبه، أعني البدن. وإن أحب الدنيا، فلأنها زاده إلى محبوبه. وإن أحب النظر إلى الأزهار والأنهار والأنوار والصور الجميلة، فلأنها صنعة محبوبه، وهي دلالات على جماله وجلاله، ومذكّرات لصفات المحامد التي هي المحبوبة في ذاتها. وإن أحبّ المحسن إليه والمعلم إياه علوم الدين، فيحبه لأنه واسطة بينه وبين محبوبه في إيصال علمه وحكمه إليه. ويعلم أنه الذي قيّضه لتعليمه وإرشاده، والإنفاق عليه من ماله، وأنه لولا تسليط الدواعي إليه واضطراره بسلسلة البواعث والأغراض إلى إرشاده والإنفاق عليه لما فعله. وأعظم الخلق إحساناً علينا رسول الله ﷺ ولله المنّة والفضل بخلقه وبعثه، كما قال: ﴿هو الذي بَعَثَ في الأُمّيّين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة﴾ [الجمعة: ٢]. ولذلك قال الله تعالى: ﴿إنك لا تهدي مَن أحببت، ولكن الله يهدي مَن يشاء﴾ [القصص: ٥٦]. وتأمل سورة الفتح وقوله تعالى: ﴿ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توّاباً﴾ [النصر: ٢، ٣]. فقد أنزله منزلة النظارة وقال: إذا رأيت عباد الله يدخلون في دين الله فقل بحمد الله لا بحمدي، وهو معنى التسبيح بحمد ربه. فإن التفت قلبك إلى نفسك وسعيك فاستغفره ليتوب عليك.

> **Passage douteux** — Phrase en partie recouverte par le filigrane du scan, rétablie d’après l’image.

واعلم أنه ليس لك من الأمر شيء. ومن ههنا نظر عمر - رضي الله عنه - حيث وصل كتاب خالد بعد فتح مكة: «من خالد سيف الله المسلول على المشركين إلى أبي بكر أمير المؤمنين». فقال: إن نصر الله المسلمين نظر خالد إلى نفسه ويسميها سيفاً مسلولاً على المشركين. ولو لاحظ الحق كما هو لعلم أن ليس ذلك بسيفه ولكن لله تعالى سر في إرادته بنصرة الإسلام، فينصره بخطرة واحدة وهو خاطر رعب يلقيه في قلب كافر فينهزم، وينظر إليه غيره فينهزم وتعم الهزيمة، فينظر خالد ومن هو في مثل حاله أنه علا كلمة الإسلام بصرامته وحدة سيفه، ويطلع عمر - رضي الله عنه - ومن هو في مثل حاله من الصّدّيقين والأولياء على حقيقة الحال، ويعلم حاجة خالد إلى الاستغفار، وأن يسبح بحمد ربه إذا رأى ذلك كما أمر به رسول الله ﷺ.

فإذاً لا موجب للمحبة إلا أمران: أحدهما الإحسان والآخر غاية الجلال والجمال بكمال الجود والحكمة والعلو والقدرة والتقديس من العيب والنقص. ولا إحسان إلا منه، ولا جلال ولا جمال ولا قدس إلا له. فكل ما في العالم من حسن وإحسان فهو حسنة من حسنات جوده، يسوقها إلى عباده بخطرة واحدة يخلقها في قلب المحسن. فكل ما في العالم من صور مليحة، وهيئة جميلة يدرك بعين أو سمع أو شم، فأثر من آثار قدرته، وهي بعض معاني جماله. فليت شعري! لمن عرف بالمشاهدة المحققة والبرهان القاطع جميع هذا، كيف يتصور أن يلتفت إلى غير الله تعالى، أو يحب غير الله عز وجل؟

#### فصل

اعلم أن لذة العارف في الدنيا من مطالعة جمال الحضرة الربوبية، أعظم من كل لذة يتصور أن يكون في الدنيا سواها؛ وذلك لأن اللذة على قدر الشهوة، وقوة الشهوة على قدر الملاءمة والموافقة مع المشتهي. وكما أن أوفق الأشياء للأبدان الأغذية، فأوفق الأشياء للقلوب المعرفة، فالمعرفة غذاء القلب، وأعني بالقلب الروح الرباني الذي قال الله تعالى فيه: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ [الحجر: ٢٩، ص: ٧٢] فأضافه إلى نفسه. وهذا الروح لا يكون للبهائم ولمن هو في مثل حالها من الإنس، بل يختص به الأنبياء والأولياء؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ [الشورى: ٥٢] فالمعرفة أوفق الأشياء لهذه الروح، لأن الأوفق لكل شيء خاصيته؛ فالصوت الطيب لا يوافق البصر، لأنه ليس من خاصيته. وخاصية روح الأنساني معرفة الحقائق، وكلما كان المعلوم أشرف، كان العلم به ألذ؛ ولا أشرف من الله وملكوته ولا أجلّ منه، فمعرفته ومعرفة صفاته وذاته وعجائب ملكه وملكوته ألذّ الأشياء عند القلب؛ لأن شهوة ذلك أشدّ الشهوات؛ ولذلك يخلق آخراً بعد سائر الشهوات.

> **Passage douteux** — Grammaticalement irrégulier dans l’imprimé ; traduit par « l’esprit humain ».

وكل شهوة تأخرت فهي أقوى مما قبلها؛ فأول ما يخلق شهوة الطعام، ثم يخلق له شهوة الوقاع، فيترك شهوة الطعام لأجله ويستحقر فيه. ثم يخلق له شهوة الرئاسة والجاه والغلبة، ويستحقر فيها شهوة المنْكح والمطعم. ثم يخلق له شهوة المعرفة التي هي استيلاء على كلّ الموجودات، فيستحقر فيها الجاه والرياسة؛ وهي آخر شهوات الدنيا وأقواها.

وكما أن الصبي ينكر شهوة الوقاع، ويتعجب ممن يتحمل مؤونة النكاح لأجلها، فإذا بلغ شهوة الوقاع أكبَّ عليها وأنكر الجاه والرئاسة ولم يبال بفواتها في قضاء شهوة الفرْج؛ فكذلك المشعوف[^154] بشهوة الجاه والرياسة، ينكر لذة المعرفة، إذ لم يخلق فيه بعد شهوتها؛ وقد تنتهي شهوة شرهه للجاه إلى مرض قلبه، حتى لا يقبل شهوة معرفة الله عز وجل أصلاً، كما يفسد مزاج المريض شهوته للغذاء حتى يموت. وقد ينعكس طبعه، فيشتهي الطين والأشياء المضرة المهلكة، وهي مقدّمات الموت. فكذلك مرض القلب، قد ينتهي إلى حد ينكر المعرفة ويبغضها، ويبغض أهلها والمقبلين عليها، ولا يدرك إلاَّ لذة الرئاسة أو المطعم والمنكح. وذلك هو الميت الذي لا يقبل العلاج، وفي مثله قيل: ﴿إنا جَعَلْنا على قُلوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وَقْراً، وإنْ تَدْعُهُم إلى الهُدَى فلن يَهْتَدوا إذاً أبداً﴾ [الكهف: ٥٧] وفيهم قيل: ﴿أمواتٌ غَيْرُ أحياءٍ وما يَشْعُرونَ أيَّانَ يُبْعَثونَ﴾ [النحل: ٢١].

#### فصل

هذه المعرفة وإن عظمت لذتها، فلا نسبة لها إلى لذة النظر إلى وجه الله الكريم في الدار الآخرة. وذلك لا يتصور في الدنيا لسرّ لا يمكن الآن كشفه، ولا ينبغي أن تفهم من النظر ما يفهمه العوام والمتكلمون، فيحتاج في تقديره إلى جهة ومقابلة. فذلك من نظر من أقعده القصور في بحبوحة عالم الشهادة، حتى لم يجاوز المحسوسات التي هي مدركات البهائم. لكن ينبغي أن تفهم أن الحضرة الربوبية، تنطبع صورتها وترتيبها العجيب على ما هو عليه من البهاء والعظمة والجلال والمجد، في قلب العارف، كما تنطبع مثلاً صورة العالم المحسوس في حواسك، فكأنك تنظر إليه وإن غمضت عينيك. فإن فتحت العين ووجدت الصورة المبصرة مثل الصورة المتخيلة قبل فتح العين لا تخالفها في شيء إلاَّ أن الإبصار في غاية الوضوح بالنسبة إلى التخيل. وكذلك ينبغي أن تعلم أن في إدراك ما لا يدخل في الخيال والحس أيضاً في درجتين متفاوتتين في الوضوح غاية التفاوت، ونسبة الثانية إلى الأولى كنسبة الإبصار إلى التخيل، فتكون الثانية غاية الكشف، فيسمى لذلك مشاهدة ورؤية. والرؤية لم تُسمَّ رؤية لأنها في العين، إذ لو خلقت في الجبهة لكانت رؤية؛ بل لأنها غاية الكشف. وكما أن تغميض الأجفان حجاب من غاية الكشف في المبصر، فكدورة الشهوات وشواغل هذا القالب المظلم حجاب عن غاية المشاهدة؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وقال تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]. فإذا ارتفع هذا الحجاب بعد الموت انقلبت المعرفة بعينها مشاهدة، ويكون مشاهدة كل واحد على قدر معرفته؛ ولذلك تزيد لذة أولياء الله سبحانه في النظر على لذة غيرهم، ويتجلّى الله تعالى لأبي بكر ـ رضي الله عنه ـ خاصة، ويتجلّى للناس عامة. وكذلك لا يراه إلا العارفون؛ لأن المعرفة بدء النظر، بل هي التي تنقلب مشاهدة، كما ينقلب التخيل إبصاراً. فلذلك لا يقتضي مقابلة وجهه. وسرّ هذا طويل، فاطلبه من كتاب المحبة في الإحياء.

#### فصل

لو كان معشوقك وأنت تراه من وراء ستر رقيق في وقت الإسفار وفي حالة ضعف الضوء، وفي حالة اجتمع عليك تحت ثوبك عقارب وزنابير تلدغك وتشغلك، فلا يخفى أن لذتك من مشاهدة معشوقك تضعف. فلو أشرقت الشمس دفعة واحدة فارتفع الستر الرّقيق، وانصرفت عنك العقارب والزنابير، وهجم عليك العشق المفرط البليغ، فلا نسبة لهذه اللذة العظيمة التي تحصل الآن إلى ما كان قبل ذلك. وكذلك فافهم أنه لا يشبه لذة النظر إلا لذة المعرفة بل هي أعظم منها كثيراً. والستر الرّقيق قالبك. والعقارب شواغل الدنيا وغمومها وشهواتها، وهجوم العشق شدة الشهوة لانقطاع المضعِّفات والمنقِّصات عنها، وإشراق الشمس هو استعداد حدقة القلب لاحتمال تمام التجلّي، فإنها في هذه الحياة لا يحتمل بصر الخفّاش نور الشمس.

#### فصل

إنما ضعفت شهوة معرفة الله تعالى لزحمة سائر الشهوات، وإنما خفيت معرفة الله تعالى مع جَلائها لشدة ظهورها؛ ومثاله: أنك تعلم أن أظهرَ الأشياء المحسوسات، ومنها المُبصرات، ومنها النور الذي به يُظهر لك الأشياء. ثم لو كانت الشمس دائمة لا تغيب ولا يقع لها ظل، لكنت لا تعرف وجود النور، وكنت تنظر إلى الألوان فلا ترى إلا الحمرة والسواد والبياض. فأما النور فلا تدركه إلا بأن تغيب الشمس، أو يقع لها حجاب بما له ظل، فتدرك ـ باختلاف الأحوال بين الظلمة والضياء ـ أن النور شيء آخر، يعرض للألوان فتصير مبصرة؛ ولو تصوّر لله سبحانه غيبة أو لأنوار قدرته حجاب عن بعض الأشياء لأدركت من التفاوت ما يضطر معه إلى المعرفة. ولكن الموجودات كلها، لما تساوت في الشهادة لخالقها بالوحدانية من غير تفاوت، خفي الأمر لشدّة جلائه. ولو تصور انقطاع أنوار قدرته عن السموات والأرض، لانهدمت وانمحقت وأُدرك في الحال من التفاوت ما يضطر إلى المعرفة بالقدرة والقادر.

وهذا مثال ما ذكرناه، وتحته أسرار، وفيه مواقع غلط؛ فاجتهد، لعلك تقف على أسراره، ولا ترْتبكْ في مواقع غلطه، فمنه غلط من قال: إنه في كل مكان. وكل من نسبه إلى مكان أو جهة فقد ذلّ فضلّ، ورجع غاية نظره إلى التصرف في محسوسات البهائم، ولم يجاوز الأجسام وعلائقها. وأول درجات الإيمان مجاوزتها، فيه يصير الإنسان إنساناً فضلاً عن أن يصير مؤمناً.

#### فصل

اعلم أن للمحبة علامات كثيرة، يطول إحصاؤها. ومن علاماتها تقديم أوامر الله تعالى على هوى النفس، والتوقّي بالورع، ورعاية حدود الشرع. ومن علاماتها الشوق إلى لقاء الله، والخلو عن كراهية الموت إلا من حيث يتشوق إلى زيادة المعرفة، فإن لذة المشاهدة بقدر كمال المعرفة، فإنها بدء المشاهدة، فتختلف لا محالة باختلافها. ومن علاماتها الرضاء بالقضاء بمواقع قدر الله عز وجل؛ فلنذكر معنى الرضاء حتى لا يغتر الإنسان بما يصادف في نفسه من خطرات تخطر، فيظن أنها حقيقة الحب لله تعالى، فإن ذلك عزيز جداً.

### الأصل التاسع، الرضاء بالقضاء

قال الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنهم وَرَضُوا عنه﴾ [المائدة: ١١٩، التوبة: ١٠٠، المجادلة: ٢٢، البينة: ٨]. وقال ﷺ: «إذا أحبَّ اللَّهُ عبداً ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه»، وقال ـ عليه السلام ـ: «اعبد الله تعالى بالرضا، فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير»، وقال ـ عليه السلام ـ لطائفة: «ما أنتم؟ فقالوا: مؤمنون. فقال: وما علامة إيمانكم؟ فقالوا: نصبر على البلاء ونشكر عند الرخاء، ونرضى بمواقع القضاء. فقال: مؤمنون ورب الكعبة». وفي رواية أنه قال: «حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء». ومما أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: ما لأوليائي والهمّ بالدنيا، إن الهم يُذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم، إن محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين لا يغتمّون. وقال ﷺ: «قال الله تعالى: أنا الله لا إله إلا أنا، فمن لم يصبر على بَلائي، ولم يشكر نَعْمائي، ولم يرض بقضائي، فليطلب ربًّا سواي»، وقال عليه السلام: قال الله تعالى: «خلقت الخير، وخلقت له أهلاً، وخلقت الشر، وخلقت له أهلاً، فطوبى لمن خلقته للخير ويَسَّرته على يَدَيه، وويل لمن خلقته للشر، ويسرت الشر على يديه، وويل ثم ويل لمن قال: لمَ وكيف». وأوحى الله سبحانه إلى داود عليه السلام: يا داود تريد وأريد، وإنما يكون ما أريد، فإن سلّمت لما أُريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلّم لِما أُريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد.

#### فصل

قد أنكر الرضا جماعة وقالوا: لا يتصور الرضاء بما يخالف الهوى، وإنما يتصور الصبر فقط. وإنما أُتوا من إنكار المحبة ونحن نحققها، وعلامتها الرضاء بالبلاء وبما يخالف الطبع والهوى، وذلك يتصور من ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يدهشه مشاهدة الحب وإفراطها عن الإحساس بالألم، ذلك مشاهَد في حب المخلوقين وفي غلبة الشهوة والغضب، حتى أن الغضبان تصيبه الجراحة فلا يحس بها في الوقت، وحتى أن الحريص تصيبه شوكة في رجله فلا يحس بها، ثم إذا سكن غضبه وظفر بمراده عظم ألمه. وإذا تصور أن ينغمر ألم يسير بحب يسير، تصور أن ينغمر ألم كثير بحب قوي بالغ، فإن كل واحد ـ من الحب والألم ـ يقبل الزيادة والشدة. ومهما تصور مثل هذا في عشق يرجع إلى الميل إلى صورة مركبة من لحم ودم مشحون بالأقذار والخبائث، وإنما يُدرك بعين ظاهرة يغلب الغلط عليها، حتى ترى الكبير صغيراً، والبعيد قريباً، والقبيح جميلاً، فكيف لا يتصور بالإدراك جمال الحضرة الربوبية، والجلال الأزلي الأبدي، الذي لا يتصور انقطاعه ونقصانه، المدرك بالبصيرة الباطنة، التي هي أصدق وأوضح عند أهلها من البصر الظاهر؟ ومن هذا الأصل قال الجنيد ـ رحمه الله ـ قلت لسرّي السقطي ـ رحمه الله ـ: هل يجد المحب ألم البلاء؟ قال: لا. قلت: وإن ضرب بالسيف؟ قال: لا، وإن ضرب بالسيف سبعين ضربة، ضربة على ضربة. وقال بعضهم: أحببت كل شيء لحبه، حتى لو أحب النار أحببت الدخول في النار.

وقال عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ: ما بقي لي فرح إلا في موقع قدر الله تعالى. وضاع لبعض الصوفية ولد صغير ثلاثة أيام، فقيل له: لو سألت الله تعالى أن يرده عليك! فقال: اعتراضي عليه فيما قضى أشدّ علي من ذهاب ولدي.

الوجه الثاني من الرضاء: أن يحس بالألم ويكرهه بالطبع، ولكن يرضى به بعقله وإيمانه لمعرفته بجزالة الثواب على البلاء، كما يرضى المريض بألم الفَصْد، وشرب الدواء، لعلمه بأنه سبب الشفاء، حتى إنه ليفرح بمن يَهْدِي إليه الدواء وإن كان بشعاً. وكذلك يرضى التاجر بمشقة السفر وهو خلاف طبعه. وهذا أيضاً يشاهد مثله في الأغراض الدنيوية، فكيف ينكر في السعادة الأُخْروية؟ وروي أن امرأة فتح الموصلي الأنصاري عثرت فانقطع ظفرها فضحكت، فقيل لها: أما تجدين ألم الوجع؟ فقالت: إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه. فإذاً من أيقن أن ثواب البلاء أعظم مما يقاسيه، لم يبعد أن يرضى به.

الوجه الثالث: أن تعتقد أن لله تعالى تحت كل أعجوبة لطيفة بل لطايف، وذلك يخرج عن قلبه. (لمَ وكيف) حتى لا يتعجب مما يجري على العالم مما يظنه الجاهل تشويشاً واضطراباً، وميلاً عن الاستقامة ويعلم أن تعجبه كتعجب موسى من الخضر ـ عليه السلام ـ لما خرق سفينة الأيتام، وقتل الغلام، وأعاد بناء الجدار، كما في سورة «الكهف». فلما كشف الخضر عن السر الذي اطلع عليه، سقط تعجبه، وكان تعجبه بناء على ما أُخفي عنه من تلك الأسرار. وكذلك أفعال الله تعالى، مثاله: ما حكي عن رجل من الراضين أنه كان يقول في كل ما يصيبه: «الخير فيما قدّره الله تعالى» وكان في بادية ومعه أهله وليس له إلا حمار يحمل عليه خباءه، وكلب يحرسهم، وديك يوقظهم، فجاء ثعلب وأخذ الديك فقال: خيرة، وجاء ذئب وقتل الحمار، فحزن أهله فقال: خيرة، ثم أصيب الكلب فمات، فقال: خيرة؛ فتعجب أهله من ذلك، حتى أصبحوا وقد سبي مَنْ حولهم، واستُرِقّ أولادهم، وكان قد عُرف مكانهم بصوت الديك، ومكان بعضهم بنبيح الكلب، ومكان بعضهم بنهيق الحمار، فقال: قد رأيتم أن الخيرة فيما قدره الله سبحانه، فلو لم يهلكهم الله عز وجل لهلكتم وهلكنا.

> **Passage douteux** — Ponctuation mal placée dans l’imprimé ; « pourquoi et comment » est traduit comme complément du verbe précédent.

وروي أن نبيًّا كان يتعبد في جبل وكان بالقرب منه عين، فاجتاز بها فارس وشرب ونسي عندها صرة فيها ألف دينار، وجاء آخر فأخذ الصرة، ثم جاء رجل فقير على ظهره حزمة حطب، فشرب واستلقى ليستريح فرجع الفارس في طلب الصرة فلم يرها، فأخذ الفقير فطالبه وعذبه فلم يجدها عنده فقتله. فقال النبي: إلهي ما هذا؟ أخذ الصرة ظالم آخر، وسلطت هذا الظالم على هذا الفقير حتى قتله! فأوحى الله إليه: اشتغل بعبادتك، فليس معرفة أسرار الملك من شأنك، إن هذا الفقير كان قد قتل أبا الفارس فمكّنته من القصاص، وإن أبا الفارس كان قد أخذ ألف دينار من مال آخذ الصرة، فرددته إليه من تَرِكَتِه. فمن أيقن بأمثال هذه الأسرار لم يتعجب من أفعال الله تعالى، وتعجب من جهل نفسه، ولم يقل لم وكيف فرضي بما دبره الله في ملكوته.

وههنا وجوه أربعة تتشعب عن محض المعرفة بكمال الجود والحكمة، وبكيفية ترتيب الأسباب المتوجبة إلى المسببات، ومعرفة القضاء الأول الذي هو كلمح البصر، ومعرفة القدر الذي هو سبب ظهور تفاصيل القضاء، وأنها رتبت على أكمل الوجوه وأحسنها، وليس في الإمكان أحسن منها وأكمل. ولو كان وادّخر، لكان بخلاً لا جوداً وعجزاً يناقض القدرة، وينطوي تحت ذلك معرفة سرّ القدر، وكما أن مَن أيقن ذلك، لم ينطو ضميره إلا على الرضا بكل ما يجري من الله. وشرح ذلك يطول، ولا رخصة فيه أيضاً فلنتجاوزه.

> **Passage douteux** — Phrase elliptique (il manque sans doute « ahsan », meilleur) ; complétée entre crochets dans la traduction.

#### فصل

لعلك تقول: كيف أجمع بين الرضا بقضاء الله تعالى، وبين بغض أهل الكفر والعصيان، وقد تعبدت به شرعاً وذلك مراد الله تعالى فيهم؟

فاعلم أن طائفة من الضعفاء ظنوا أن ترك الأمر بالمعروف من جملة الرضا بالقضاء، وسمّوه حسن الخلق وهو جهل محض، بل عليك أن ترضى وأن تكره جميعاً. والرضا والكراهية يتضادان إذا تواردا على شيء واحد من وجه واحد، ولا يتناقض أن يقتل عدوّك الذي هو عدوّ عدوّك أيضاً، فترضاه من حيث إنه عدوّك، وتكرهه من حيث إنه عدوّ عدوّك. فكذلك للمعصية وجهان: وجه إلى الله تعالى من حيث إنها بقضائه ومشيئته فهو من هذا الوجه مرضيٌّ به، ووجه إلى العاصي من حيث إنه صفته وكسبه، وعلامة كونه ممقوتاً من الله تعالى فهو من هذا الوجه مكروه. وقد تعبّدك الله تعالى ببغض من يبغضه من المخالفين لأمره، فعليك بما تعبّدك به والامتثال له. ولو قال لك محبوبك إني أريد أن أمتحن حبك بأن أضرب عبدي وأُرهقه إلى أن يشتمني فمن أبغضه فهو محبّي ومن أحبه فهو عدوي، فيمكنك أن تبغض عبده إذا شتمه، مع أنك تعلم أنه الذي اضطره إلى الشتم، وكان ذلك مراداً منه، فيقول: أمّا فعله في الشتم فإني أرضى به من حيث إنه تدبيرك في عبدك، ومرادك ممن أردت إبعاده، وأما شتمه من حيث هو صفته وعلامة عداوته، فإني أبغضه لأني أحبك، فأبغض لا محالة من عليه علامة عداوتك؛ وهذه دقيقة زلّ فيها الضعفاء، فلذلك يتهافتون فيها.

#### فصل

كذلك ينبغي أن لا تظن أن معنى الرضا بالقضاء ترْك الدعاء، بل ترك السهم الذي أرسل إليك حتى يصيبك، مع قدرتك على دفعه بالترس، بل تعبدك الله عز وجل بالدعاء، ليستخرج به من قلبك صفاء الذكر، وخشوع القلب ورقته، لتستعد به لقبول الألطاف والأنوار. فمن جملة الرضا بقضائه، أن يتوصل إلى محبوباته بمباشرة ما جعله سبباً له؛ بل ترك الأسباب مخالفة لمحبوبه ومناقضة لرضاه، فليس من الرضاء للعطشان أن لا يمدّ اليد إلى الماء البارد، زاعماً أنه رضي بالعطش الذي هو من قضاء الله تعالى؛ بل من قضاء الله تعالى ومحبته أن يُزال العطش بالماء. فليس في الرضا بالقضاء ما يوجب الخروج عن حدود الشرع ورعاية سنة الله تعالى أصلاً، بل معناه ترك الاعتراض على الله عز وجل إظهاراً وإضماراً، مع بذل الجهد في التوصل إلى محاب الله تعالى من عباده، وذلك بحفظ الأوامر وترك النواهي.

### الأصل العاشر، ذكر الموت وحقيقته وأصناف العقوبات الروحانية

اعلم أن المقامات التسع التي ذكرناها ليست هي على رتبة واحدة، بل بعضها مقصود لذاتها، كالمحبة والرضا، فإنهما أعلى المقامات، وبعضها مطلوبة لغيرها، كالتوبة والزهد، والخوف والصبر، إذ التوبة رجوع عن طريق البعد، للإقبال على طريق القرب. والزهد ترك الشواغل عن القرب. والخوف سوط يسوق إلى ترك الشواغل، والصبر جهاد مع الشهوات القاطعة لطريق القرب. وكل ذلك غير مطلوب لذاته، بل المطلوب القرب وذلك بالمعرفة والمحبة فإنها مطلوبة لذاتها لا لغيرها، ولكن لا يتم ذلك إلا بقطع حبّ غير الله تعالى عن القلب، فاحتيج إلى الخوف والصبر والزهد لذلك. ومن الأمور العظيمة النفع فيه ذكر الموت، فلذلك أوردناه، ولذلك عظّم الشرع ثواب ذكره، إذ به يتنغص حب الدنيا، وتنقطع علاقة القلب عنها؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الذي تَفِرُّونَ منه فإنَّه مُلاقِيكُم﴾ [الجمعة: ٨] وقال ﷺ: «أكثروا من ذكر هادم اللذات»، وقال عليه السلام: «من كره لقاء الله كره الله لقاءه»، وقالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: يا رسول الله هل يحشر مع الشهداء أحد؟ قال: «نعم، من يذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة». ومرّ رسول الله ﷺ بمجلس وقد استعلاه الضحك، فقال رسول الله ﷺ: «شُوبُوا مجلسكم بذكر مكدّر اللذّات». قيل: وما هو؟ قال عليه السلام: «الموت». وقال رسول الله ﷺ: «لو تعلم البهائم من الموت ما يعلم ابن آدم، لما أكلتم منها لحماً سميناً». وقال عليه السلام: «كفى بالموت واعظاً». وقال عليه السلام: «تركت فيكم واعظَين صامتاً وناطقاً، فالصامت الموت، والناطق القرآن».

> **Passage douteux** — Hadith en partie couvert par le filigrane du scan ; lecture probable mais pas certaine.

وذكر رجل عند النبي ـ عليه السلام ـ وأُحسن الثناء عليه، فقال عليه السلام: كيف كان ذكر صاحبكم للموت؟ قالوا: ما كنا نكاد نسمعه يذكر الموت. قال: إن صاحبكم ليس هناك. وقال رجل من الأنصار: يا رسول الله مَنْ أكيسُ الناس وأكرم الناس؟ فقال: أكثرهم للموت ذكراً، وأشدهم له استعداداً، أولئك هم الأكياس، ذهبوا براحة الدنيا وكرامة الآخرة.

#### فصل

اعلم أن الموت عظيم هائل، وما بعده أعظم منه، وفي ذكره منفعة عظيمة، فإنه ينغّص الدنيا ويبغّضها إلى القلب.

وبغضها رأس كلّ حسنة، كما أن حبها رأس كل خطيئة، وللعارف في ذكره فائدتان: إحداهما: النفرة من الدنيا، والأخرى: الشوق إلى الآخرة، فإن المحب لا محالة مشتاق، ومعنى الشوق في المحسوسات استكمال الخيال بالترقي إلى المشاهدة، فإن المشتاق إليه مدرك لا محالة بالخيال، وغائب عن الأبصار، وأحوال الآخرة ونعيمها، وجمال الحضرة الربوبية، مدرك كل ذلك للعارف يعرفه كأنه نظر من وراء ستر رقيق في وقت الإسفار وضعف النور، فهو مشتاق إلى استكمال ذلك بالتجلي والمشاهدة، ويعلم أن ذلك لا يكون إلا بالموت؛ فلذلك لا يكره الموت، لأنه لا يكره لقاء الله تعالى. ولا سبب لإقبال الخلق على الدنيا إلا قلة التفكر في الموت، وطريق الفكر فيه أن يفرّغ الإنسان قلبه عن كل فكر سواه؛ ويجلس في خلوة ويباشر ذكر الموت بصميم قلبه، ويتفكر أولاً في أخدانه وأشكاله الذين مضوا، فيتذكرهم واحداً واحداً، ويتذكر حرصهم وأملهم وركونهم إلى الجاه والمال، ثم يتذكر مصارعهم عند الموت، وتحسرهم على فوات العمر وتضييعه، ثم يتفكر في أجسادهم كيف تمزقت في التراب وصارت جيفة يأكلها الديدان، ثم يرجع إلى نفسه ويعلم أنه كواحد منهم أمله كأملهم، ومصرعه كمصرعهم، ثم ينظر في أعضائه وينظر كيف تفتت، وإلى حدقته كيف يأكلها الدود، وإلى لسانه كيف يتهرأ ويصير جيفة في فيه. فإذا فعلت ذلك تتنغص عليك الدنيا وكنت سعيداً، إذ السعيد من وعظ بغيره. فلذلك قال رسول الله ﷺ: «أيها الناس، كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب، وكأن الذين نشيّع من الأموات سفر عن قريب إلينا راجعون نبوّؤهم أجداثهم ونأكل تراثهم، كأنا مخلدون بعدهم، قد نسينا كل واعظة وأمِنّا كل جائحة».

> **Passage douteux** — Ligne en partie couverte par un tampon du scan.

#### فصل

أصل الغفلة عن الموت طول الأمل، وذلك عين الجهل؛ ولذلك قال ﷺ لعبد الله ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من حياتك لموتك، ومن صحتك لسقمك، فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غداً». وقال ﷺ: «إن أخوف ما أخاف على أمتي خصلتان: اتباع الهوى، وطول الأمل». واشترى أسامة وليدة إلى شهرين بمائة، فقال عليه السلام: «ألا تعجبون من أسامة المشتري إلى شهرين؟ إن أسامة لطويل الأمل، والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفْريّ[^155] لا يلتقيان حتى يقبض الله عز وجل رُوحي، ولا رفعت طرفي وظننت أني واضعها حتى أُقبض، ولا لقمت لقمة إلا ظننت أني لا أسيغها حتى أغص بها من الموت». ثم قال: «يا بني آدم، إن كنتم تعقلون فعُدُّوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين». وقال ﷺ: «نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد، ويهلك آخر هذه الأمة بالبخل والأمل». وقال عليه السلام: «أكُلّكم يحب أن يدخل الجنة؟» قالوا: نعم، قال عليه السلام: «قصّروا آمالكم، واجعلوا آجالكم بين أبصاركم، واستحيوا من الله حق الحياء».

#### فصل

اعلم أن العارف الكامل المستهتر بذكر الله تعالى مستغن عن ذكر الموت، بل حاله الفناء في التوحيد، لا التفات له إلى ماض ولا إلى مستقبل، ولا إلى حال من حيث أنه حال؛ بل هو ابن وقته، يعني أنه كالمتّحد بمذكوره؛ لست أقول متحداً بالذات، فلا تعقل فتغلط، وتسيء الظن. وكذلك يفارقه الخوف والرجاء، لأنهما سوطان يسوقان العبد إلى هذه الحالة التي هو ملابسها بالذوق؛ وكيف يذكر الموت وإنما يراد ذكر الموت لينقطع علاقة قلبه عما يفارقه بالموت. والعارف قد مات مرة في حق الدنيا وفي حق كل ما يفارقه بالموت، فإنه ترفع وتنزه عن الالتفات إلى الآخرة أيضاً، فضلاً عن الدنيا، وقد تنغص عليه ما سوى الله تعالى، ولم يبق له من الموت إلا كشف الغطاء ليزداد به وضوحاً، لا ليزداد يقيناً، وهو معنى قول علي ـ رضي الله عنه ـ «لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً»، فإن الناظر إلى غيره من وراء ستر، لا يزداد برفع الستر يقيناً، بل وضوحاً فقط؛ فإذا ذكر الموت يحتاج إليه من لقلبه التفات إلى الدنيا، ليعلم أنه سيفارقها، فلا يعتكف بهمته عليها، ولذلك قال عليه السلام: «إن روح القدس نفث في روعي أحبب ما أحببت، فإنك مفارقه، وعش ما عشت، فإنك ميت، واعمل ما شئت، فإنك مَجْزيٌّ به».

#### فصل

لعلك تشتهي أن تعرف حقيقة الموت وماهيته؛ ولن تعرف ذلك ما لم تعرف حقيقة الحياة، ولن تعرف حقيقة الحياة، ما لم تعرف حقيقة الروح وهي نفسك، وحقيقتك وهي أخفى الأشياء عنك، ولا تطمع في أن تعرف ربك قبل أن تعرف نفسك، وأعني بنفسك روحك التي هي خاصية الأمر المضافة إلى الله تعالى في قوله: ﴿قلِ الروحُ مِن أمرِ ربّي﴾ [الإسراء: ٨٥] وفي قوله: ﴿ونَفَخْتُ فيه مِن رُوحي﴾ [الحجر: ٢٩، ص: ٧٢] دون الروح الجسماني اللطيف، الذي هو حامل قوة الحسّ والحركة، التي تنبعث من القلب، وتنتشر في جملة البدن، في تجاويف العروق الضوارب، فيفيض منها نور حس البصر على العين، ونور السمع على الأذن، وكذا سائر القوى والحواس، كما يفيض من السراج نور على حيطان البيت إذا أدير في جوانبه؛ فإن هذه الروح تشارك البهائم فيها وتنمحق بالموت، لأنه بخار اعتدل نضجه عند اعتدال مزاج الأخلاط. فإذا انحل المزاج بطل كما يبطل النور الفائض من السراج عند انطفاء السراج؛ بانقطاع الدهن عنه، أو بالنفخ فيه. وبانقطاع الغذاء عن الحيوان تفسد هذه الروح؛ لأن الغذاء له كالدهن للسراج، والقتل له كالنفخ في السراج. وهذه هي الروح التي يتصرف في تعديلها وتقويتها علم الطب، ولا تحمل هذه الروح المعرفة والأمانة، بل الحمّال للأمانة الروح الخاصة للإنسان، ونعني بالأمانة تقلد عهدة التكليف، بأن يتعرض لخطر الثواب والعقاب بالطاعة والمعصية. وهذه الروح لا تموت ولا تفنى، بل تبقى بعد الموت، إما في نعيم وسعادة، أو جحيم وشقاوة، فإنه محل المعرفة. والتراب لا يأكل محل الإيمان والمعرفة أصلاً كما نطقت به الأخبار، وشهدت له شواهد الاستبصار. ولم يأذن الشرع في ذكر تحقيق صفته، إذ لا يحتمله إلا الراسخون في العلم؛ وكيف يذكر، وله من عجائب الأوصاف ما لم يحتمله أكثر عقول الخلق في حق الله تعالى! فلا تطمع في ذكر حقيقته، وانتظر تلويحاً يسيراً في ذكر صفته بعد الموت.

#### فصل

هذه الروح لا تفنى البتة، ولا تموت، بل تتبدل بالموت حالها فقط، ويتبدل منزلها، فتترقى من منزل إلى منزل. والقبر في حقها إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، إذ لم يكن لها مع البدن علاقة سوى استعمالها البدن، واقتناصها أوائل المعرفة به بواسطة شبكة الحواس. فالبدن آلتها ومركبها وشبكتها، وبطلان الآلة والمركب والشبكة لا توجب بطلان الصائد؛ نعم، إن بطلت الشبكة بعد الفراغ من الصيد فبطلانه غنيمة، إذ يتخلص من ثقله وحمله، ولذلك قال عليه السلام: «الموت تحفة المؤمن»؛ وإن بطلت الشبكة قبل الصيد عظمت فيه الحسرة والندامة والألم، فلذلك يقول المقصّر: ﴿رَبِّ ارْجِعونِ لعلّي أعملُ صالحاً فيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠]. بل إن كان ألف الشبكة وأحبها وتعلق قلبه بها، وحسّن صورتها وصنعتها، وما يتعلق بها، كان له من العذاب ضعفان: أحدهما: حسرة فوات الصيد الذي لا يُقتنص إلا بشبكة البدن، والثاني: زوال الشبكة مع تعلق القلب بها وإلفه لها. وهذا مبدأ من مباديء معرفة عذاب القبر، إن استقصيته تحققته قطعاً.

#### فصل

لعلك تشتهي الاستقصاء المُفضي إلى التحقيق؛ فاعلم أن هذا الكتاب لا يحتمله، فاقنع منه بأنموذج يسير، وافهم أن معنى الموت زمانة[^156] البدن. وأنت تعرف أن زمانة اليد خروجها عن طاعتك مع وجود شخصها ببطلان القوة التي بواسطتها تستعمل اليد. فافهم أن الموت زمانة مطلقة في جميع الأعضاء ببطلان قواها، فيسلب الموت منك يدك ورجلك وعينك وسائر حواسك، وأنت باق، أعني حقيقتك التي أنت بها أنت؛ فإنك الآن الإنسان الذي كنت في الصِّبا، ولعله لم يبق فيك من تلك الأجسام شيء، بل انحل كلّها وحصل بالغذاء بدلها، وأنت أنت؛ وجسدك غير ذلك الجسد. فإن كان لك معشوق تفتقر فيه إلى حواسك، عظم عذابك بفراق معشوقك. وجميع ملاذ الدنيا معشوق، ولا تُنال إلا بالحواس، ولا فرق في عذاب العاشق بين أن يُحجب عنه معشوقه، وبين أن يفقأ عينه، أو يسلب هو عنه بأن يحمل إلى موضع حتى لا يراه، فإن ألمه من عدم الرؤية. ومن أحب أهله وماله وعقاره وفرسه وجاريته وثيابه يألم بفراقها، سواء سُلبت هذه الأشياء عنه، أو سلب هو عنها، بأن حمل إلى موضع آخر، وحِيلَ بينه وبينها. فالموت يسلبك هذه الأشياء، ويحول بينك وبينها، فيكون عذابك بقدر عشقك لها. والموت يُخلي بينك وبين الله تعالى، ويقطع عنك هذه الحواس الشاغلة المشوّشة، فتكون لذّتك في القدوم على الله تعالى بقدر حبك له وأنسك بذكره؛ ولأجل هذا نبّهك وقال الله تعالى: «أنا بُدّك[^157] اللازم فالزم بُدّك». وأجمعُ العبارات عن نعيم الجنة: «إن لهم فيها ما يشتهون»[^158]. وأجمع العبارات لعذاب الآخرة قوله: ﴿وحِيلَ بينهم وبين ما يشتهون﴾ [سبأ: ٥٤]. ولا ملذ إلا الشهوة، ولكن عند مصادمة المشتهى، ولا مؤلم إلا الشهوة، ولكن عند مفارقة المشتهى. ولا ينبغي أن تغتر الآن وتقول: إن كان هذا سبب عذاب القبر فأنا في أمان منه، إذ لا علاقة بين قلبي وبين متاع الدنيا؛ فإن هذا لا تدركه بالحقيقة ما لم تطرح الدنيا وتخرج عنها بالكلية، فكم من رجل باع جارية على ظن أنه لا علاقة بينه وبينها، فلما أخذها المشتري اشتعل في قلبه من نيران الفراق، واحترق بها احتراقاً، وربما ألقى نفسه في الماء والنار ليقتل نفسه ويتخلص منها. فكذلك يكون حالك في القبر في كل ما يتعلق به قلبك من الدنيا؛ ولذلك قال المصطفى عليه السلام: «أحبب ما أحببت فإنك مفارقه». ووراء هذا عذاب أعظم منه، وهو حسرة الحرمان عن القرب من الله تعالى، والنظر إلى وجهه الكريم. وينكشف بالموت عظم قدر ما فات منه، وإن كان لا يعظم قدره عندك قبل الموت؛ لأن الموت سبب الانكشاف، ما لم تكن المكاشفة قبله، كما أن النوم سبب انكشاف الغيب بمثال أو غير مثال. والنوم أخ الموت، ولكنه دونه يكبر. فهذان عذابان يتضاعفان على كل ميت كأن غير الله تعالى أحب إليه من الله تعالى؛ وكأن أنسه بغير الله تعالى، أكثر من أنسه بالله؛ وهما ضروريان إن عرفت بالحقيقة الروح وبقاءه بعد الموت، وعلائقه، وما يضادّه بالطبع وما يوافقه بالطبع.

> **Passage douteux** — « yakbur » semble être une coquille de l’imprimé (on attendrait « bi-kathîr ») ; traduit par le sens : « il lui est inférieur ».

#### فصل

لعلك تقول: المشهور عند أهل العلم، أن الإنسان يعدم بالموت ثم يعاد، وأن عذاب القبر يكون بنيران وعقارب وحيات، وما ذكرته بخلاف ذلك.

فاعلم أن من قال إن الموت معناه العدم فهو محجوب عن حضيض التقليد ويفاع[^159] الاستبصار جميعاً، أما حرمانه عن ذروة الاستبصار فلا تدركه ما لم تستبصر؛ وأما حرمانه عن التقليد فتعرفه بتلاوة الآيات والأخبار، قال الله تعالى: ﴿ولا تحْسَبَنَّ الذين قُتِلوا في سبيلِ اللهِ أمواتاً بل أحياءٌ عندَ ربِّهم يُرزقون فرحين...﴾ [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠] الآية. هذا في السعداء؛ وأما في الأشقياء فقد ناداهم رسول الله ﷺ يوم بدر لما قتلوا، فكان يقول: «يا فلان يا فلان ـ يذكر واحداً واحداً من صناديدهم ـ فقد وجدت ما وعدني ربي حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟» فقيل: يا رسول الله أتناديهم وهم أموات؟ فقال عليه السلام: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمعَ لكلامي منهم، لكنهم لا يقدرون على الجواب». وقال عليه السلام: «الموت هو القيامة، ومن مات فقد قامت قيامته» وأراد بهذه القيامة الصغرى، والقيامة الكبرى تكون بعده. وشرح قيامة الصغرى إن أردته فاطلبه من كتاب الصبر من كتب الإحياء. والأخبار في الدلالة على بقاء أرواح الموتى وشعورهم مما يجري في هذا العالم أيضاً كثيرة.

#### فصل

أما قولك: إن المشهور من عذاب القبر التألم بالنيران والعقارب والحيات، فهذا صحيح، وهو كذلك؛ ولكني أراك عاجزاً عن فهمه ودرك سره وحقيقته، إلا أني أنبّهك على أنموذج منه تشويقاً لك إلى معرفة الحقائق، والتشمر للاستعداد لأمر الآخرة، فإنه نبأ عظيم أنتم عنه معرضون؛ فقد قال عليه السلام: «المؤمن في قبره في روضة خضراء قد فُرّج له قبره سبعين ذراعاً، ويضيء وجهه حتى يكون كالقمر ليلة البدر، هل تدرون في ماذا أنزلت ﴿فإن له معيشةً ضَنْكاً﴾؟ قالوا: الله ورسوله أعلم: قال: عذاب الكافر في قبره، يسلَّط عليه تسعة وتسعون تنّيناً، هل تدرون ما التّنين؟ تسع وتسعون حية، لكل حية تسعة رؤوس ينهشونه ويلحسونه وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون». فانظر إلى هذا الحديث، واعلم أن هذا حق على الوجه الذي شاهده أرباب البصائر ببصيرة أوضح من البصر الظاهر.

والجاهل ينكره إذ يقول: إني أنظر في قبره فلا أرى ذلك أصلاً. فليعلم الجاهل أن هذا التنين ليس خارجاً عن ذات الميت، أعني ذات روحه لا ذات جسده، فإن الروح هي التي تتألم وتتنعم، بل كان معه قبل موته متمكناً من باطنه، لكنه لم يكن يحس بلدغه لخدر كان فيه لغلبة الشهوات فأحس بلدغه بعد الموت. وليتحقق أن هذا التنين مركب من صفاته وعدد رؤوسه بقدر عدد أخلاقه الذميمة، وشهواته لمتاع الدنيا. وأصل هذا التنين حبّ الدنيا، وتتشعب عنه رؤوس بعدد ما يتشعب عن حب الدنيا من الحسد والحقد والرياء والكبر والشره والمكر والخداع وحب الجاه والمال والعداوة والبغضاء. وأصل ذلك معلوم بالبصيرة، وكذلك كثرة رؤوسه اللداغة؛ أما انحصار عددها في تسعة وتسعين، إنما يوقف عليه بنور النبوة فقط. فهذا التنين متمكن في صميم فؤاد الكافر، لا بمجرّد جهله بالكفر، بل لما يدعو إليه الكفر، كما قال الله تعالى: ﴿ذلك بأنهم اسْتَحَبُّوا الحياةَ الدنيا على الآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٧]. وقال الله تعالى: ﴿أذْهَبْتُم طَيِّباتِكم في حياتِكم الدنيا واستمتعتم بها...﴾ [الأحقاف: ٢٠] الآية. وهذا التنين لو كان كما تظنه خارجاً من ذات الميت، لكان أهون، إذ ربما يتصور أن ينحرف عنه التنين أو ينحرف هو عنه، لا بل هو متمكن من صميم فؤاده، تلدغه التنين لدغاً أعظم مما تفهمه من لدغ التنين، وهو بعينه صفاته التي كانت معه في حياته كما أن التنين التي تلدغ قلب العاشق إذا باع جاريته، هو بعينه الذي كان مستكنًّا في قلبه استكنان النار في الحجر وهو غافل عنه. فقد انقلب ما كان سبب لذّته سبب ألمه، وهذا سرّ قوله عليه السلام: «إنما هي أعمالكم ترد عليكم»، وقوله تعالى: ﴿يوم تجدُ كلُّ نفسٍ ما عمِلت مِن خيرٍ مُحضَراً، وما عمِلَت من سوءٍ تَوَدُّ لو أنّ بينها وبينَه أمَداً بعيداً، ويُحذّرُكم اللهُ نفسَه واللهُ رؤوفٌ بالعباد﴾ [آل عمران: ٣٠]، بل سر قوله تعالى: ﴿كلّا لو تعلمون عِلمَ اليقينِ لتَرَوُنَّ الجحيم﴾ [التكاثر: ٥، ٦]، أي أن الجحيم في باطنكم فاطلبوها بعلم اليقين، لتَرَوُنّها قبل أن تدركوها بعين اليقين؛ بل هو سر قوله تعالى: ﴿ويستعجلونك بالعذابِ وإن جهنّمَ لمحيطةٌ بالكافرين﴾ [العنكبوت: ٥٤]؛ ولم يقل إنها ستحيط؛ بل قال: هي محيطة؛ وقوله تعالى: ﴿إنا أعتَدْنا للظالمين ناراً أحاطَ بهم سُرادِقُها﴾ [الكهف: ٢٩]، ولم يقل يحيط بهم، وهو معنى قول مَن قال: إن الجنة والنار مخلوقتان. وقد أنطق الله لسانه بالحق، ولعله لا يطلع على سر ما يقوله، فإن لم تفهم بعض معاني القرآن كذلك، فليس لك نصيب من القرآن إلا في قشوره، كما ليس للبهيمة نصيب من البرّ[^160] إلا في قشوره الذي هو التّبن. والقرآن غذاء الخلق كلهم على اختلاف أصنافهم، ولكن اغتذاؤهم به على قدر درجاتهم؛ وفي كل غذاء مخّ ونخالة وتبن؛ وحرص الحمار على التبن أشد منه من الخبز المتخذ من اللّب. وأنت شديد الحرص على أن لا تفارق درجة البهيمة، ولا تترقى إلى رتبة الإنسانية، بل إلى الملكية، فدونك والانسراح في رياض القرآن، ففيه متاع لكم ولأنعامكم.

> **Passage douteux** — Lu « ash-sharah » (convoitise) là où l’imprimé, abîmé, porte « ash-sharwa ».

#### فصل

فإن قلت: فهل يتمثل هذا التنين تمثلاً تشاهده مشاهدة تضاهي إدراك البصر، أم هو تألم محض في ذاته كتألم العاشق إذا حيل بينه وبين معشوقه؟

فأقول: لا بل يتمثل لك حتى تشاهده، ولكن تمثلاً روحانياً لا على وجه يدركه من هو بَعدُ في عالم الشهادة إذا نظر في قبره، فإن ذلك من عالم الملكوت. نعم، العاشق أيضاً قد ينام فيتمثل له حاله في المنام، فربما يرى حية تلدغ صميم فؤاده. لأنه بَعُدَ بالنوم من عالم الشهادة قليلاً، فيتمثل له حقائق الأشياء تمثلاً محاكياً للحقيقة، منكمشاً له من عالم الملكوت، والموت أبلغ في الكشف من النوم، لأنه أقمع لنوازع الحس والخيال، وأبلغ في تجريد الروح عن غشاوة هذا العالم. فلذلك يكون ذلك التمثل تامًّا متحققاً دائماً لا يزول، فإنه نوم لا ينتبه منه إلا يوم القيامة: ﴿لقد كُنتَ في غفلةٍ من هذا فكشفْنا عَنك غطاءك فبصَرُك اليومَ حديد﴾ [ق: ٢٢]. واعلم أن المتيقظ بجنب النائم إن كان لا يشاهد الحية التي تلدغ النائم، فذلك غير مانع من وجود الحية في حقه، وحصول الألم به؛ فكذلك حال الميت في القبر.

#### فصل

لعلك تقول: قد أبدعت قولاً مخالفاً للمشهور، منكراً عند الجمهور، إذ زعمت أن أنواع عذاب الآخرة يدرك بنور البصيرة والمشاهدة إدراكاً مجاوزاً حدّ تقليد الشرائع، فهل يمكنك ـ إن كان كذلك ـ حصر أصناف العذاب وتفاصيله؟

فاعلم أن مخالفتي للجمهور لا أنكره، وكيف تنكر مخالفة المسافر للجمهور! فإن الجمهور يستقرون في البلد الذي هو مسقط رؤوسهم ومحل ولادتهم، وهو المنزل الأول من منازل وجودهم، وإنما يسافر منهم الآحاد. واعلم أن البلد منزل البدن والقال؛ وإنما منزل الروح الإنساني عوالم الإدراكات، والمحسوسات منزله الأول، والمتخيّلات منزله الثاني، والموهومات منزله الثالث. وما دام الإنسان في المنزل الأول فهو دود وفَرَاش؛ فإن فراش النار ليس له إلا الإحساس، ولو كان له تخيل وحِفْظ للمتخيّل بعدَ الإحساس لما تهافت على النار مرة بعد أخرى، وقد تأذى بها أولاً، فإن الطير وسائر الحيوان إذا تأذى في موضع بالضرب يفرّ منه ولم يعاوده لأنه بلغ المنزل الثاني، وهو حفظ المتخيّلات بعد غيبوبتها عن الحس. وما دام الإنسان في المنزل الثاني بعد فهو بهيمة ناقصة، إنما حدّه أن يحذر عن شيء تأذّى به مرة وما لم يتأذّ بشيء فلا يدري أنه يحذر منه.

وما دام في المنزل الثالث - وهو الموهومات - فهو بهيمة كاملة كالفرس مثلاً؛ فإنه قد يحذر من الأسد إذا رآه أولاً، وإن لم يتأذّ به قط، فلا يكون حذره موقوفاً على أن يتأذى به مرة؛ بل الشاة ترى الذئب أولاً فتحذره، وترى الجمل والبقر وهما أعظم منه شكلاً وأهول منه صورة ولا تحذرهما، إذ ليس من طبعهما إيذاء. وهؤلاء إلى الآن تشاركهم البهائم، فبعد هذا يترقى الإنسان إلى عالم الإنسانية فيدرك أشياء لا تدخل في حس ولا تخيل ولا وهم، ويحذر به الأمور المستقبلة، ولا يقتصر حذره على العاجلة اقتصار حذر الشاة على ما يشاهده في الحال من الذئب؛ ومن ههنا يصير إلى حقيقة الإنسانية، الحقيقة هي الروح المنسوبة إلى الله تعالى في قوله: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩، صٓ: ٧٢]. وفي هذا العالم يفتح له باب الملكوت فيشاهد الأرواح المجردة عن كسوة التلبيس، وغشاوة الأشكال. وهذا العالم لا نهاية له.

أما عوالم المحسوسات والمتخيلات والموهومات فمتناهية، لأنها مجاورة للأجسام وملتصقة بها؛ والأجسام لا يتصور أن تكون غير متناهية. والسير في هذا العالم مثاله المشي إلى الخيال على الماء، ثم يترقى منه إلى المشي في الهواء؛ ولذلك لما قيل لرسول الله ﷺ: إن عيسى - صلوات الله عليه وسلامه - مشى على الماء، فقال - عليه السلام -: «نعم ولو ازداد يقيناً لمشى في الهواء». وأما التردد على المحسوسات، فهو كالمشي على الأرض، وبينها وبين الماء عالم يجري مجرى السفينة، وفيها يتولد درجات الشياطين، حتى يجاوز الإنسان عوالم البهائم، فينتهي إلى عالم الشياطين؛ ومنه يسافر إلى عالم الملائكة، وقد ينزل فيه ويستقر، وشرح ذلك يطول. وهذه العوالم كلها منازل الهُدى، ولكن الهدى المنسوب إلى الله تعالى يوجد في هذا العالم الرابع، وهو عالم الأرواح، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ إنّ الهُدَى هُدَى اللهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]. ومقام كلّ إنسان ومحله ومنزله في العلوّ والسّفل بقدر إدراكه، وهو معنى قول علي - رضي الله عنه -: «الناس أبناء ما يُحْسنون». فالإنسان بين أن يكون دوداً أو حماراً أو فرساً أو شيطاناً، ثم يجاوز ذلك فيصير مَلَكاً.

> **Passage douteux** — Tournure étrange dans l’imprimé ; traduite par « la marche, en imagination, sur l’eau ».

وللملائكة درجات، فمنهم الأرضية، ومنهم السماوية، ومنهم المقرّبون المترفعون عن الالتفات إلى السماء والأرض، القاصرون على جمال الحضرة الربوبية، وملاحظة الوجه خاصة. وهم أبداً في دار البقاء، إذ ملحوظهم على الوجه الباقي، وما عدا ذلك فإلى الفناء مصيره؛ أعني السماء والأرض، وما يتعلق بهما من المحسوسات والمتخيلات والموهومات؛ وهو معنى قوله تعالى: ﴿كلُّ مَنْ عليها فانٍ ويبقى وَجْهُ رَبِّك ذُو الجَلالِ والإكْرام﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]. وهذه العوالم منازل سَفَر الإنسانية، يترقى من حضيض درجة البهائم إلى يَفاع رُتبة الملائكة؛ ثم يترقّى من رتبتهم إلى رتبة العشّاق منهم، وهم العاكفون على ملاحظة جمال الوجه، يسبحون للوجه ويقدسونه بالليل والنهار لا يفترون.

فانظر الآن إلى خسّة الإنسان وشرفه، وإلى بُعد مَراقيه في معارجه، وإلى انحطاط درجاته في تسفّله. وكلّ الادميين مردودون إلى أسفل السّافلين، ثم الذين آمنوا وعملوا الصالحات يترقون منها فلهم أجرٌ غيرُ ممنون، وهو جمال الوجه، وبهذا يفهم معنى قوله تعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانةَ على السّمواتِ والأرضِ والجِبالِ فأبَيْنَ أن يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ منها وحَمَلَها الإنْسانُ...﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية. لأن معنى الأمانة التعرض للعهدة والخطرة، ولا خطر على سكان الأرض، وهم البهائم، إذ ليس لهم إمكان الترقّي من المنزل الثالث؛ ولا خطر على الملائكة، إذ ليس لهم خوف الانحطاط إلى حضيض عالم البهائم.

وانظر إلى الإنسان وعجائب عوالمه كيف يعرج إلى السماء العلوي رُقِيّاً، ويَهوي إلى أرض الحقارة هُوِيّاً، متقلداً هذا الخطر العظيم الذي لم يتقلده في الوجود غيره. فيا مسكين! كيف تهدّدني بالعاقبة، وتخوّفني مجاوزة الجمهور ومخالفة المشهور، وبذلك فَرَحي وسروري! إن الذين يكرهون مني ذلك الذي يشتهيه قلبي. فاطْوِ طُومار[^161] الهذيان ولا تقعقعني بعد هذا بالشّنان[^162].

> **Passage douteux** — La phrase semble incomplète dans l’imprimé lui-même.

#### فصل

وأما مطالبتك إياي بتفصيل عذاب الآخرة، وذكر أصنافه، فلا تطمع بالتفصيل، فذلك داعية إلى الملال والتطويل، واقنع بذكر الأصناف؛ فقد ظهر لي بالمشاهدة ظهوراً أوضح من العيان، أن أصناف عذاب الآخرة ثلاثة: أعني الروحاني منها حُرمة المشتهيات، وخزي خجلة المفضحات، وحسرة فوات المحبوبات. فهذه ثلاثة أنواع من النيران الروحانية يتعاقب على روح من آثر الحياة الدنيا إلى أن ينتهي إلى مقامات النار الجسمانية، فإن ذلك يكون في آخر الأمر، فخذ الآن شرح هذه الأوصاف.

> **Passage douteux** — L’imprimé porte ici « hurmat » (privation), alors que plus loin le même châtiment est appelé « hurqat » (brûlure) ; texte imprimé gardé.

الصنف الأول: حرقة فرقة المشتهيات، فصورته المستعارة من عالم الحس والتخيل، التنين الذي وصفه الشرع، وعدد رؤوسه وهي بعدد الشهوات، ورذائل الصفات تلدغ صميم الفؤاد لدغاً مؤلماً، وإن كان البدن بمعزل عنه. فقدّر في عالمك هذا ملكاً مستولياً على جميع الأرض، متمكناً من جميع الملاذّ، متمتعاً بها، مستهتراً بالوجوه الحسان، متهالكاً عليها، مشعوفاً بالإمارة واستعباد الخلق بالطاعة، مطاعاً فيهم، غافصه[^163] عدوه واسترقه واستعمله على ملأ من رعيته في تعهد الكلاب، وصار يتمتع بنعمه ويتمتع بأهله وجواريه بين يديه، ويتصرف في خزائنه وذخائر أمواله، فيفرقها على أعدائه ومعانديه. وانظر الآن هل ترى على قلبه تنيناً ذا رؤوس كثيرة، تلدغ صميم فؤاده وبدنه بمعزل عنه، وهو يريد أن يبتلى بدنه بأمراض وآلام ليتخلص منه! فتوهم هذا، فربما تشتم به قليلاً من رائحة الحُطَمة[^164] التي فيها نار الله الموقدة التي لا تطلع إلا على الأفئدة، أعدت لمن جمع مالاً وعدده يحسب أن ماله أخلده.

واعلم أن عذاب كل ميت بقدر رؤوس هذا التنين، وعدد الرؤوس بقدر المشتهيات، فلهذا من كان أفقر وتمتعه في الدنيا أقل، كان العذاب عليه أخف، ومن لا علاقة له مع الدنيا أصلاً فلا عقاب عليه أصلاً.

الصنف الثاني: خزي خجلة المفضحات؛ فقدّر رجلاً خسيساً رذيلاً فقيراً عاجزاً، قرّبه ملك من الملوك ورفعه وقوّاه وخلع عليه، وسلم إليه نيابة ملكه، ومكنه من دخول حريمه وجملة خزائنه اعتماداً على أمانته. فلما عظمت عليه النعمة، طغى وبغى، وصار يخون في خزانته، ويفجر بأهل الملك وبناته وسريّاته، وهو في جميع ذلك يظهر الأمانة للملك، ويعتقد أنه غير مطلع على خيانته. فبينما هو في غمرة فجوره وخيانته، إذ لاحظ روزنة[^165] فرأى فيها الملك مطّلعاً عليه منها، وعلم أن الملك كان يطلع عليه كل يوم وليلة، ولكنه كان يغض عنه ويمهله حتى يزداد خبثاً وفجوراً، ويزداد استحقاقاً للنكال ليصب عليه في الآخرة أنواع العذاب صباً. فانظر الآن إلى قلبه كيف يحترق بنار الخزي والخجلة، وبدنه بمعزل منه، وكيف يود أن يعذب بدنه بكل عذاب وينكتم خزيه. فكذلك أنت تتعاطى في الدنيا أعمالاً هي مشتهياتك، ولتلك الأعمال أرواح وحقائق خبيثة قبيحة، وأنت جاهل بها معتقد حسنها؛ فينكشف لك في الآخرة حقائقها في صورها القبيحة، فتختزي وتخجل خجلة تؤثِرُ عليها آلاماً بدنية.

فإن قلت كيف ينكشف إليّ أرواحها وحقائقها؟

فاعلم أن ذلك لا تفهمه إلا بمثال؛ فمن جملته مثلاً أن يُؤذّن المؤذّن في رمضان قبل الصبح، فيرى في المنام أن بيده خاتماً يختم به أفواه الرجال وفروج النساء، فيقول له ابن سيرين: هذا رأيته لأذانك قبل الصبح. فتأمل الآن أنه لما بَعُدَ بالنوم قليلاً عن عالم الحس الجسماني، انكشف له روح عمله. لكن لما بعد في عالم التخيل - لأن النائم لا يزول تخيله - غشاه الخيال بمثال متخيل، وهو الخاتم والختم، ولكنه مثال أدل على روح العمل من نفس الأذان، لأن عالم المنام أقرب إلى عالم الآخرة، فالتلبيس فيه أضعف قليلاً وليس يخلو عن تلبيس، ولأجله يحتاج إلى التعبير.

ولو قال قائل لهذا المؤذن: أما تستحي أن تختم أفواه الرجال وفروج النساء؟ لقال: معاذ الله أن أفعل هذا، فلأنْ أُقَدَّم ويضرب عنقي أحب إليّ من أن أفعل ذلك. فهو ينكره، لأنه يجهله، مع أنه فعله، لأن روحه قاصرة عن إدراك أرواح الأشياء. وكذلك لو أكلت لحماً طيباً على اعتقاد أنه لحم طير، فقال قائل: أما تستحي أن تأكل لحم أخيك الميت فُلان؟ لقلت: معاذ الله أن أفعل ذلك، ولأنْ أموت جوعاً أهون عليّ من ذلك، فنظرت فإذا هو لحم أخيك الميت قد طبخ وقدّم إليك ولُبّس عليك. فانظر كيف تختزي وتفتضح به، وبدنك في معزل من ألمه. فكذلك يرى المغتاب نفسه في الآخرة، ولأنّ روح الغيبة تمزيق أعراض الإخوان والتفكه بها.

وفي عالم الآخرة ينكشف أرواح الأشياء وحقائقها. وكذلك لو كنت ترمي حجارة إلى حائط، فقال لك قائل: أما تستحي أن تفعل ذلك، والحجارة ترتد من الحائط وتقع في دارك، وتصيب حدقة أولادك، فقد غيبت أحداقهم كلهم! قلت: معاذ الله أن أفعل ذلك. فقال: ادخل دارك. فدخلت فإذا هو كذلك. فانظر كيف تفتضح ويحترق قلبك تحسّراً على عملك الذي ظننته هيّناً وهو عند الله عظيم. وهذا روح حسدك لأخيك، فإنك تحسده ولا تضره وينعكس عليك ويهلك دينك، وينقل حسناتك إلى ديوانه - وهي قرّة عينك - لأنها سبب سعادة الأبد، فهي أعز من حدقة الولد. فإذا انكشف لك هذه الروح، فانظر كيف تحترق بنيران الفضيحة وبدنك بمعزل عنه.

فالقرآن كثيراً ما يعبّر عن الأرواح، ولذلك قال تعالى في الغيبة: ﴿أيُحبُّ أحدُكم أن يأكلَ لحمَ أخيه مَيْتاً فكرِهْتُمُوه﴾ [الحجرات: ١٢]. وقال الله تعالى في الحسد: ﴿يا أيُّها الناسُ إنما بَغْيُكم على أنْفُسِكم﴾ [يونس: ٢٣]. فيكفيك من الأمثلة مثال الأذان والغيبة والحسد. فقس عليه كل فعل نهاك الشرع عنه، فذلك لقبح روح الفعل وحقيقته، وحسن ظاهره، أي ظاهره حسن للبصر الظاهر، وباطنه قبيح للبصيرة الناظرة في مِشْكاة نور الله تعالى.

وعن هذا عبر الشرع حيث قال: تعرض الدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شوهاء زرقاء، صفتها كيت وكيت، لا يراها أحد إلا ويقول أعوذ بالله منها، فيقال هذه دنياكم التي كنتم تتهالكون عليها، فيصادفون في نفوسهم من الخزي والفضيحة ما يؤثرون النار عليه. وإن أردت أن تفهم كيفية هذه الخجلة، فاسمع حكاية رجل من أبناء الملوك، زوج بأجمل امرأة من بنات الملوك، فشرب تلك الليلة فسكر، وأخطأ باب الحجرة فخرج من الدار وضلّ، فرأى ضوء سراج فقصده على ظنّ أنها حجرته، فدخل الموضع فرأى جماعة نياماً، فصاح بهم فلم يجيبوه، فظنّ أنهم نيام، فطلب العروس فرأى واحداً نائماً في ثياب جديدة فظن أنها العروس، فضاجعها وأخذ يقبلها ويغشاها، ويجعل لسانه في فيها ويمتص ريقها متلذذاً بذلك في سكره غاية التلذذ، ويتمسح بالرطوبات التي تصيبه من جميع بدنها، على ظن أن ذلك عطر ادّخرته له. فلما أصبح أفاق فإذا هو في ناووس المجوس، وإذا النيام موتى. وهذه عجوز شوهاء قريبة العهد بالموت، عليها الحنوط، وكفنها الجديد، فصادف في فمه وأنفه من رطوبات ريقها ومخاطها، وعلى بدنه من قاذورات أسافلها، فإذا هو من قَرنه إلى قدمه ممتلئ في قاذوراتها، ثم تفكر في غشيانه إياها وابتلاعه ريقها، فهجم على قلبه من الخزي ما تمنّى أن يخسف الله به الأرض، حتى ينسى ما جرى عليه. ولا يزال يعاود ذكره ولا ينساه أصلاً، بل تجد نفسه ما عمله من سوء مُحْضَراً يود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً، وبدنه بمعزل من هذه المخازي والآلام، وهو في عذاب دائم في الغثيان والقيء، وتذكر تلك المخازي، ويحذر أن يطلع عليه أحد فيتضاعف حزنه، فإذا هو بأبيه وجميع حشمه قد جاؤوا في طلبه، واطلعوا على جميع مخازيه. فهذه حال من تمتع بالدنيا، ينكشف له كذلك في الآخرة روحه وحقيقته، وهي معنى قوله تعالى: ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠] أي يعرض عليها حاصلها أي روحها وحقيقتها، وهي معنى قوله تعالى: ﴿يومَ تُبْلَى السرائرُ﴾ [الطارق: ٩]. أي يكشف عن أسرار الأعمال وأرواحها القبيحة أو الحسنة. وكما أن ألذ الأطعمة رجيعه[^166] أقذر وأنتن، فألذ تنعمات الدنيا وحاصلها وسرها في الآخرة أقبح وأفضح؛ ولذلك شبه رسول الله ﷺ الدنيا بالطعام، وعاقبته بالرجيع.

الصنف الثالث: حسرة فوات المحبوبات؛ فقدّر نفسك مع جماعة من أقرانك دخلتم في ظلمة، فكان فيها حجارة لا يُرى ألوانها، فقال أقرانك: احمل من هذا ما تطيق، فلعله يكون فيها ما ينتفع بها إذا خرجنا من الظلمة، فقلت فماذا أصنع بها؟ أتحمل في الحال ثقلها، وأكدّ بنفسي فيها وأنا لا أدري عاقبتها! ما هذا إلا جهل عظيم. فإن العاقل لا يترك الراحة نقداً بما يتوقعه نسيئة، ولا يستيقنه. فأخذ كل واحد من أقرانك ما أطاق أخذه، وأعرضت عن ذلك تستحمقهم وتسخر بهم، لأنهم ينوؤون تحت أعبائه وثقله، وأنت مرفّه في الطريق تعدو وتضحك منهم. فلما جاوزوا الظلمة نظروا، فإذا هي جواهر ويواقيت يساوي كل واحد ألف دينار، فأقبلوا على بيعها وتوصلوا بها إلى الجاه والنعمة وأصبحوا ملوك الأرض. فأخذوك فاستسخروك لتعهد دوابّهم لينفقوا عليك في كل يوم قدراً يسيراً من فضلات الطعام.

فكيف ترى اشتعال نيران الحسرة في قلبك، وبدنُك بمعزل منه؟ وكم تقول: ﴿يا حسرتا على ما فرّطت في جَنْبِ الله﴾ [الزمر: ٥٦] ويا ليتنا نُرَدّ ونَعملُ غيرَ الذي كُنّا نَعْمل؟، فتقول لهم: أفيضوا علينا من الماء مِمّا أُفيضَ عليكم، فيقولون لك: هذا حرام عليك، ألم تكن تسخر منّا وتضحك علينا، فلا بد وأن نسخر اليوم منك كما سخرت منّا. فلا يزال ينقطع نِياط[^167] قلبك من التحسر ولا ينفعك التحسر، ولكن تتسلى وتقول: الموت يخلصني من هذا.

فاعلم أن حال تارك الطاعات في الآخرة كذلك ينكشف له، ولكن لا مطمع في الموت المخلّص، بل هي حسرة أبدية دائمة، والألم يتضاعف كل يوم، وإن كان البدن بمعزل عنه، وعنه العبارة بقوله تعالى: ﴿أفيضوا عَلينا من الماءِ أو مِمّا رَزَقَكُم الله، قالوا: إن الله حَرَّمَهُما على الكافرين﴾ [الأعراف: ٥٠].

وكذلك يفيض على أهل المعرفة والطاعة من أنوار جمال الوجه ما تحصل به من اللّذّة مبلغ لا يوازيه نعيم الدنيا، بل يعطى آخر من يخرج من النار مثل الدنيا عشر مرات كما ورد به الخبر، لا بمعنى تضاعف المقدار بالمساحة، بل بتضاعف الأرواح، كما أن الجوهر يكون عشرة أمثال الفرس لا بالوزن والمقدار، بل بروح المالية، إذ قيمته عشرة أمثاله.

واعلم أن تحريم تلك اللذات وإفاضتها عليهم ليس من جنس تحريم الرجل نعمه على عبده بغضب أو باختيار، حتى يتصور تغييره، بل هو كتحريم الله تعالى على الأبيض أن يكون أسود في حالة البياض، وعلى الحار أن يكون بارداً في حالة الحرارة؛ وذلك لا يتصور فيه التبديل، بل مثال ذلك أن يقول للعالم الكامل رجل شيخ هرم من الجهال الذي كان بليداً في أصل الفِطرة ولم يمارس قطّ عِلماً ولم يتعلم لُغة: أفِضْ على قلبي من دقائق علومك، فيقول: إن الله حرّمه على الجاهلين: معناه أن الاستعداد لقبوله إنما يكتسب بذكاء فطريّ، وممارسة طويلة للعلم، بعد تعلم اللغة العربية وأمور أُخَر كثيرة. وإذا بطل الاستعداد وفات استحالة الإفاضة، كما يستحيل إفاضة الحرارة على البرودة مع بقاء البرودة، فلا تظنن أن الله تعالى يغضب عليك فيعاقبك انتقاماً، ثم تخدع نفسك برجاء العفو فتقول: لم يعذبني ولم يضره معصيتي بل يلزم العذاب من المعصية كما يلزم الموت من السمّ.

واعلم أن هذه الحسرة دائمة لأن منشأها تضاد صفتين لا يزول تضادهما أبداً؛ مثاله أن الذي يعلّق بحبل في عنقه أو رجله إنما يتألم لتضاد الصفتين، لا لصورة الحبل والتعلق؛ لكن صفته الطبعية تطلب الهويّ إلى أسفل، والمنع القهري بالحبل يمانع الطبعية فيتولد الألم فيه من تمانعهما، فكذلك الروح الإنساني من الروح الروحاني الإلهي بأصل فطرته، فله بحكم الطبع حنين وشوق إلى عالم العلوّ، عالم الأرواح، وإلى مرافقة الملأ الأعلى؛ ولكن أغلال الشهوات وسلاسلها يجذبها إلى أسفل السافلين، وهي شهوات الدنيا، وهي صفة عارضة قهرت الصفة الطبعية، ومنعتها عن نيل مقتضاها، والألم يتولد من بينهما؛ والنار أيضاً إنما تؤلم للمضادة، فإن الملائم للتركيب بقاء الاتصال، والنار تضاد الاتصال بالتفريق بين الأجزاء. ولو لم يكن قد رأيت النار، وسمعت بأن شيئاً لطيفاً ليّناً يماسّ بدنك فيؤلمك، لاستنكرته وقلت: شيء لا صلابة فيه كيف يؤلم باللمس؟

واعلم أن التضاد مؤلم، سواء كان بسبب خارج أو داخل؛ فإن سمّ العقرب في العضو يؤلم لفرط برودته المضادة لحرارة البدن. فلا تظنن أن الآلام كلّها تدخل من خارج. فإن قلت: إن العقرب إنما لدغت من خارج فاعلم أن ألم السّن وألم العين لا يقصر عنه، وإنما سببه انصباب خلط داخل مضادّ لمزاج العين والسن. وليس ذلك بأهون من لدغ العقرب والحية.

واعلم أن تَضادّ الصفات في القلب، يؤلم القلب إيلاماً لا ينقص عما يؤلم السن والعين، ومثاله في أضعف الصفات، أن البخيل المرائي إذا طلب منه عطية على ملأ من الناس عند من يريد أن يعرفوه بالسخاء، يتألم قلبه لتضادّ صفتين، إذ البخل يتقاضاه أن لا يُعطي، وحب الجاه يتقاضاه أن يعطي، وقلبه بين هاتين الصفتين كشخص يُنشر بمنشار بنصفين. فهذا مثال حسرة الفَوْت، وعظمها بقدر ما ينكشف من جلالة قدر الفائت، ولا تعلمه بالحقيقة في هذا العالم بل في عالم الكشف، وهو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون.

واعلم أن هذه الأصناف الثلاثة، لها ترتيب: فالصنف الأول الذي يلقاه الميت المعذب، هو حرقة فرقة المشتهيات، وذلك تنين حب الدنيا ولذلك أضيف ذلك إلى القبر؛ وإنما سبق هذا لأن أغلب الأشياء على قلب الميت في الحال فراق ما يفوته في الدنيا من جاه ومال ومنصب ونعمة، ثم بعد ذلك ينكشف له أرواح الأعمال وحقائقها القبيحة.

وذلك عند الانغمار التام في الموت، وبعد العهد بغشارة صفات الدنيا. وكل ما كان أعقابه بعد الموت أشد، فهو للكشف أقبل، فيفيض عنه ذلك عليه الخزي والفضيحة، ولذلك أضيف هذا إلى القيامة، لأنه وسط بين منزل القبر وبين دار القرار؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿يوم لا يُخْزِي الله النبيَّ والذين آمنوا معه﴾ [التحريم: ٨]، أي يوم القيامة.

> **Passage douteux** — Probablement une coquille de l’édition pour « bi-ghishâwa » (voile) ; gardé dans l’arabe, traduit par « voile ».

وأما حسرة فوت المحبوبات، فيستولي عليه آخِراً عند القرار في النار، ففيها يقول: ﴿أفِيضُوا علينا من الماءِ أو ممَّا رَزَقَكم الله﴾ [الأعراف: ٥٠]. وذلك أن بُعد العهد عن الدنيا ربما يخفف عنه عذاب النزوع إليها.

وطول العهد بالكشف يوجب خروجه عن خزي الافتضاح، فإن سَوْرة عذاب الخزي تكون عند هجوم الافتضاح، ثم يألف الفضيحة والخزي إلفاً ما، ثم عند فتورهما قليلاً، تنبعث حسرة الفوت، إذ يظهر جلالة الفوائت، ثم تبقى حسرة الفوت آخراً، ويشبه أن يكون ذلك لا آخر له. وهذا كله تعرفه قطعاً، إذا عرفت نفسك، وعرفت أنك لا تموت، لكن تعمى عينك، وتصم أذنك، وتفلج أعضاؤك.

فأما الحقيقة التي أنت بها أنت، فلا تفنى بالموت أصلاً، بل يتغير حالك فقط، فيبقى معك جميع معارفك، وإدراكاتك الباطنة، وشهواتك، وإنما تعذبك بفراق ما أحببت، وافتضاحك بظهور ما ينكشف في تلك الحال، وتحسرك على فوات ما تعرف عظم قدره بعد الموت لا قبله، وهذا كله مقدّمات العذاب الحسي البدني، وذلك أيضاً حق وله ميعاد معلوم، كما ورد به الآي والأخبار.

فاقنع الآن بهذا القدر، فإن هذا الكلام يكاد يجاوز حد مثل هذا الكتاب، ولا بد وأن يحرك سلسلة الحمقى الجاهلين؛ ولكنهم أخس من أن يلتفت إليهم؛ قال الله تعالى: ﴿فأعْرِضْ عَمَّن تَوَلَّى عن ذِكْرِنا ولم يُرِدْ إلا الحياةَ الدنيا، ذلك مَبْلَغُهُم من العِلم﴾ [النجم: ٢٩، ٣٠].

فلنقتصر على هذا ولنختم به أصول الأربعين لنختم به كتاب جواهر القرآن. ومن طلب مزيداً على هذا فليطلبه من كتاب ذكر الموت من كتب الإحياء. فالغرض الأظهر من هذا الكتاب، التلويحات مع التشويق إلى الاستقصاء المذكور في ذلك الكتاب، ففيه تتكشف أسرار علوم الدين، ولا يفتر عن طلبه إلا مشغوف بالدنيا لا يطلب من العلوم إلا ما يتخذه شبكة للحطام، وآلة لكسب الحرام، فلا يناسبه علوم ذلك الكتاب أصلاً ألبتّة.

## خاتمة في مناظرة النفس

اعلم أنا قد نبهناك وشوقناك، فإن أعرضت عن الإصغاء أو أصغيت بظاهر قلبك، كما تصغي إلى الكلام الرسمي، فقد خبت وخسرت، وما ظلمت إلا نفسك: ﴿ومَنْ أظلمُ ممَّن ذُكِّرَ بآيات ربه فأعْرَضَ عنها ونسيَ ما قدَّمت يداه، إنا جَعلنا على قلوبهم أكِنَّةً أن يَفْقَهُوه وفي آذانهم وَقْراً، وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدَى فلنْ يَهْتدُوا إذاً أبداً﴾ [الكهف: ٥٧]، وإن أصغيت إصغاءَ ذي فطنة وبصرٍ حديد، وتفكرت تفكر من له قلب عتيد، وقد ألقى السمعَ وهو شهيد، فاخرج عن جميع ما يصدّك عن سلوك الصراط المستقيم، وما يصدّ عنها إلا حب الدنيا والغفلة عن الله تعالى واليوم الآخر. واجتهد أن تفرغَ قلبك كلّ يوم ساعة عقيب صلاة الصبح، وذلك عند صفاء الذهن؛ فتتفكر في شأنك وتنظر في مبدئك ومعادك، وتحاسب نفسك، وتقول لها: إني مسافر وتاجر، وربحي سعادة الأبد ولقاء الله تعالى، وخسراني شقاوة الأبد والحجاب عن الله تعالى، ورأس مالي عمري. وكل نفس من الأنفاس كنز من الكنوز، وجوهرة من الجواهر، إذ تجارته به سعادة الأبد، وأي كنز أعظم من هذا! وإذا فني العمر انقطعت التجارة وحصل اليأس. وهذا اليوم يوم جديد قد أمهلني الله تعالى فيه، ولو توفاني لكنت اشتهي أن يرجعني إلى الدنيا لأعمل صالحاً، فاحسبي يا نفسي أنك توفيت ورَجَعت إلى الدنيا يوماً واحداً، واجتهدي في هذا اليوم الواحد، وانظري لنفسِك، فإن لم تُمهلي للغد فقد استوفيت ربح هذا اليوم ولم تتحسّري، وإن أُمهلت فاستأنفي للغد مثل ذلك ولا تخدعي نفسك بتمني العفو، فإن ذلك ظن قد يكذب ولا ينفع التحسّر.

ثم هَبْ أنه قد عُفي عنك، أليس قد فاتك ثواب المحسنين؟ وناهيك به حسرة وندامة! فإذا قالت نفسك ماذا أعمل وكيف أجتهد؟ فتقول: اتركي ما يفارقك بالموت، والزمي بُدَّك اللازم وهو الله تعالى، واطلبي الأنس بذكره.

فإذا قالت: فكيف أترك الدنيا؟ فقد استحكمت علائقها في قلبي فتقول: أقْبِلي على قطع علائقها من باطن القلب، كما أعلمناك في الأصول العشرة من المهلكات. ففتشي عن أغلب علاقة من علائقها من حب مال أو جاه أو حسب أو عداوة أو شهوة بطن أو فرج أو غير ذلك من المهلكات. فليس إلا أن يتفكر في عظم آفاتها وإهلاكها إياك، فتنبعث لمجاهدتها ومخالفة مقتضاها، فقد تخلصت منها وأيدك الله بتوفيقه ومعونته. فقدّري أنك مريضة العمر مدة الحياة، وقد أنبأك طبيب تظنين صدقه أن ملاذّ الأطعمة تضرك، وأن الأدوية البشعة تنفعك، ألست تتصبّرين بقوله على مرارة الدواء طمعاً في الشفاء؟ ألست تتصبّرين على الكدّ والتعب في السفر الطويل طمعاً في الاستراحة في المنزل وأنت مسافرة ومنزلك الآخرة؟ والمسافر لا يستريح ويتحمل التعب والكدّ، فإن استراح انقطع في الطريق وهلك.

ويقول يا نفس: ما الذي تطلبين من الدنيا إن طلبت المال ووجدته، وهيهات، فتكون في اليهود جماعة أغنى منك. وإن طلبت الجاه ونلت، وهيهات، فيكون في أجلاف الأتراك وحمقى الأكراد من يستولي عليك، ويكون جاهه أعظم من جاهك. فإن كنت لا تدركين آفة الدنيا وشدة عذابها في الآخرة وبلائها، أفلا تترفعين عنها لخسة شركائها؟ أما تعلمين أنك لو أعرضت عن الدنيا، وأقبلت على الآخرة، كنت وحيد الدهر فريد العصر لا يوجد في الأقاليم نظيرك؟ وإن طلبت الدنيا كان في اليهود والحمقى من سبقك بها؛ فأُفٍّ لدنيا سبقك بها حمير! فتفكري يا نفس، وانظري لنفسك، فلا ينظر لك أحد غيرك.

وكذلك لا تزال تناظر نفسك حتى تطاوعك على سلوك الصراط المستقيم إلى الله تعالى. فهذه المناظرة أهم لك - إن كنت عاقلاً - من مناظرة الحنفية والشفعوية والمعتزلة وغيرهم. فلم تعاديهم وتجادلهم ولا يضرك خطؤهم ولا خطأ غيرهم، ولا هم يقبلون منك ولا أنت تقبل منهم الصواب، وإن صار أظهر من الشمس، وتترك أعدى عدوك بين جنبيك لا تنازعه ولا تناظره، بل تساعده على ما يطالبك به من شهواته الباطلة الباطنة، فتستنبط بالفكر الدقيق الحيل لقضاء الشهوة! هل هذا إلا عين الانعكاس والانتكاس على قمة الرأس؟ فهل رأيت قط رجلاً يشاهد تحت ثوبه حيات وعقارب أقبلت عليه لتهلكه، فأخذ المروحة ليدفع الذباب عن وجه غيره؛ فهل يستحق من يفعل ذلك إلا الخزي؟

فاعلم أن هذا حالك في اشتغالك بمناظرة غيرك، وإعراضك عن مناظرة نفسك. وفي هذا المعرض ينكشف لك روح عملك، يوم تبلى السرائر، كما نبهتك على كيفية مكاشفات الآخرة بأسرار الأعمال وأرواحها. وما لم تناظر نفسك مدة طويلة، لا تخليك لمناجاة ربك وذكره والإقبال عليه. ثم طريقك مع النفس - إذا خالفتك - أن تعاقبها بما يزجرها، وتعلم أنها كالكلب، لا يتأدب إلا بالضرب. وإن أردت أن تتعلم طريق مناظرتها ومراقبتها ومحاسبتها ومعاقبتها، فاطلبه من كتاب المحاسبة والمراقبة، فإن هذا الكتاب لا يحتمله؛ والله تعالى يوفقنا وإياك بفضله وجوده وكرمه.

[انتهى]

---

[^1]: يعني القسم الثاني من كتاب «جواهر القرآن ودرره» وكتاب «الأربعين في أصول الدين» الذين بين أيدينا الان هو القسم الثالث من كتاب «جواهر القرآن» كما وضعه الغزالي. يقول في فهرسته لكتاب الجواهر: «... القسم الثالث في اللواحق: ومقصوده حصر جمل المقاصد الحاصلة من هذه الايات، وهو منعطف على جملة الايات، وهو كتاب مستقل لمن أراد أن يكتبه مفرداً، وقد سميناه «كتاب الأربعين في أصول الدين». *(Passage douteux — Note de l’éditeur : l’imprimé porte « alladhîna » au lieu de « alladhî » ; laissé tel quel.)*

[^2]: لفظ الآية ١٤٦ من سورة آل عمران: ﴿وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين﴾.

[^3]: سامتت: قابلت وقربت.

[^4]: أصمخة: جمع صمح، وهو باطن الأذن المفضي إلى الرأس. *(Passage douteux — Note de l’éditeur : « samh » est probablement une coquille pour « simâkh » (conduit de l’oreille) ; traduit d’après le sens.)*

[^5]: متطول: متفضل متمنن.

[^6]: الأوصاب: جمع وصب وهو المرض الدائم وقد يطلق على التعب.

[^7]: يثيب: يجزي ويعطي.

[^8]: قال تعالى في سورة العاديات، الآيتان ٩ و ١٠: ﴿أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور﴾.

[^9]: قال تعالى في الآية ٣٠ من سورة آل عمران: ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً﴾.

[^10]: قال تعالى في الآيتين ٨٥ و ٨٦ من سورة مريم: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً، ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً﴾.

[^11]: يستحسرون: يتعبون ويكلون.

[^12]: الرين: الطبع الغالب.

[^13]: يسبغ: يتم.

[^14]: الجبلّة: الخلقة.

[^15]: عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: «حبب إليّ من الدنيا النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة». رواه الإمام أحمد في مسنده ج ٣ ص ١٢٨، ١٩٩، ٢٨٥، والنسائي في كتاب عشرة النساء باب ١.

[^16]: كلال: تعب، إعياء.

[^17]: الأبعاض: جمع بعض، وهو الجزء من الشيء.

[^18]: الخلقة: البالية.

[^19]: النوافل: جمع نافلة وهو ما تفعله مما لم يفرض عليك أو يجب عليك فعله من العبادات. والنوافل أيضاً العطايا.

[^20]: الخلات: جمع خلّة وهي الحاجة والفقر.

[^21]: البلغة: ما يكفي من العيش.

[^22]: مرنت: اعتادت وألفت.

[^23]: الهذرمة: الإسراع في القراءة والكلام.

[^24]: تمام الحديث، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «بُني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج» أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، حديث رقم ١٩ ـ ٢٢، والبخاري في الإيمان باب ١ و٢، وتفسير سورة ٢، والترمذي في الإيمان باب ٣، والنسائي في الإيمان باب ١٣. *(Passage douteux — Numéros de hadiths peu nets à l’impression (lus « 19-22 »).)*

[^25]: الرفث: قول الفحش.

[^26]: غبر: جمع أغبر. وكانت في الأصل غبراء ولعله تصحيف من الناسخ. ومعنى أغبر ما لونه الغبرة وهي هنا كناية عن التقشف وإذلال النفس.

[^27]: الإهاب: الجلد وخاصة ما لم يدبغ منه.

[^28]: تؤدة: تمهل.

[^29]: الهذرمة: الإسراع في قراءة القرآن دون تدبر لمعانيه.

[^30]: أكنة: أغطية أو ستائر، وهي الحجب التي تحجب الأشياء وتحول دون رؤيتها.

[^31]: الشوب: الخلط.

[^32]: طامات: جمع طامة، وهي الداهية التي ليس بعدها داهية.

[^33]: كذا بالأصل ولعلها، «وأعني بالقلب الروح اللطيفة... الخ».

[^34]: العنين: من لا يأتي النساء عجزاً أو كرهاً.

[^35]: يدق: يغمض، يخفى.

[^36]: السرقين: بكسر السين وفتحها الزبل والكلمة فارسية.

[^37]: يجبّ: يقطع.

[^38]: العش: المطلب.

[^39]: العبارة التي أولها «فإنهم ان عنوا الخ.. صورة الصلاة» وردت هكذا في النسخة التي بين أيدينا، وهي عبارة - كما ترى - مهزوزة.

[^40]: المتنطعون: المتحذقون الذين يتشدقون في كلامهم.

[^41]: العادية: الظالمة.

[^42]: بين: ظاهر.

[^43]: مزادة: ما يوضع فيه الزاد.

[^44]: قزعاً: جمع قزعة، وهي القطعة أو الخصلة من الشعر.

[^45]: تضاهي: تشبه.

[^46]: حزازة: بغض.

[^47]: يريد ناحية دقيقة.

[^48]: الغلول: الغش.

[^49]: من الرياضة يقال راض المهر إذا ذلله.

[^50]: في النسخة «ولحاجه» بالحاء المهملة وهو تصحيف ظاهر.

[^51]: الذر: صغار النمل.

[^52]: التلبيس: إخفاء الحقيقة.

[^53]: تبلى: تمتحن.

[^54]: الشرّة (بكسر الشين المعجمة وفتح الراء مع تشديدها): الحدة.

[^55]: قتّات: نمام.

[^56]: تخالق: تعاشر، والأغلب ان تكون معاشرة بالخلق الحسن.

[^57]: زايلوهم: فارقوهم.

[^58]: أهل الغفلة: الذين لا يرجى خيرهم ولا يخشى شرهم.

[^59]: يشمت العاطس: يدعو له بقوله: «يرحمك الله».

[^60]: القتار: رائحة المطبوخ أو هو دخانه.

[^61]: بتته: قطعته.

[^62]: يقلبها في الدسم والمرق حتى تمتلىء منه.

[^63]: ليس: استعملت هنا بمعنى الاستثناء.

[^64]: حلّهم: بيّنهم واذكرهم.

[^65]: سِراية: مصدر سرى سرياناً وسراية أي دبّ وجرى.

[^66]: الحسبة: منصب كان يتولاه في الدول الإسلامية رئيس يشرف على الشؤون العامة، من مراقبة الأسعار ورعاية الآداب. والمقصود هنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

[^67]: المسبحة: السبّابة.

[^68]: الكُرّ: نوع من المكاييل يساوي نحو أربعين اردباً.

[^69]: السقمونيا: يبدو أنه تعبير طبي كان شائعاً تلك الأيام، وقد استعمله ابن رشد.

[^70]: الفذ: الفرد.

[^71]: الاختلاج: التحرك والاضطراب.

[^72]: هكذا في النسخة وردت كلمة الصلاة فيما يمكن الجمع بينها وفيما لا يمكن.

[^73]: المسحاة: المجرفة.

[^74]: نؤوم: كثير النوم.

[^75]: البلاء: الاختبار، ويكون بالخير والشر.

[^76]: أدم: ما يؤتدم به.

[^77]: يطوى: يجوع.

[^78]: خبز البر: خبز القمح.

[^79]: قفار: غير مأدوم.

[^80]: اللحيان: منبت اللحية، أو عظم الحنك.

[^81]: مدرة: طين.

[^82]: المعاريض: جمع معراض، وهو التورية بالكلام يقول شيئاً ويعني شيئاً آخر.

[^83]: يريد: إن الله ليعلم الذي قلت من ذلك. فتكون «ما» ضمير بمعنى «الذي».

[^84]: الماخور: بيت الريبة والدعارة.

[^85]: السبعية: نسبة الى السَّبُع، وهي الطبيعة الحيوانية.

[^86]: المقصود أن العجوز المؤمن المستحق للجنة، يسترجع شبابه عند دخولها.

[^87]: أي الأكابر والسلاطين.

[^88]: إماطته: كشفه.

[^89]: أي أن الغضب كما هو آلة لمنع كثير من المنكرات، فهو أيضاً آلة لتحصيل كثير من الخيرات.

[^90]: الحالقة: المميتة، ومن معانيها السنة الشديدة التي تحلق كل شيء.

[^91]: هلع من باب تعب أي جزع، وقوله خالع الخلع نزع الشيء وإخراجه.

[^92]: الضيعة: العقار.

[^93]: تعس بفتح العين أي سقط على وجهه. وفي الدعاء تعساً له وتعس وانتكس؛ فالتعس أن يخذل وجهه، والنكس أن لا يستقل بعد سقطته.

[^94]: أي إذا وصل شوك في عضوه فلا انتقش على بناء المبني للمفعول، دعاء عليه بعدم إخراجه بالمنقاش، يعني إذا وقع في البلاء فلا يترحم عليه. وإنما خص انتقاش الشوك بالذكر لأن الانتقاش أسهل ما يتصور في المعاونة لمن أصابه مكروه، وإذا نفي ذلك الأهون فما فوقه بالطريق الأولى.

[^95]: السراء: الرخاء.

[^96]: الضراء: الشدة.

[^97]: الأعصار: جمع عصر، وهو الدهر والزمان.

[^98]: الخِيَرة (بكسر الخاء وتسكين الياء أو فتحها): الأفضل.

[^99]: أي بالمال الذي يخلفه له أبواه.

[^100]: الطمر: الثوب البالي.

[^101]: بِدّ بكسر الباء: المثيل والنظير، وبُدّ بضمها: العوض أو النصيب.

[^102]: الأعيان: جمع عين وهي هنا بمعنى الإنسان. والأعيان الناس، أو السادة منهم.

[^103]: التلبيس: إخفاء الحقيقة وإظهارها بخلاف ما هي عليه.

[^104]: الرباط: المكان الذي تربط فيه الخيل، أو هو الحصن.

[^105]: عذرات: جمع عَذِرة، ومعناها الغائط.

[^106]: أي يطلبون ويكتسبون. وانتجع: طلب الكلأ في موضعه.

[^107]: الهَنة: الوقت القصير.

[^108]: الجريش: ما طحن خشناً.

[^109]: أشخصه: أزعجه.

[^110]: العارية: ما تملكه بالإعارة وما يسترد منك في أي وقت.

[^111]: الغمص: الاحتقار.

[^112]: مذرة: فاسدة.

[^113]: كتم: سرّ.

[^114]: هكذا في الأصل ولعلها تصحيف «الأئمة».

[^115]: أي يخرج من بطنه أمعاؤه.

[^116]: المتألي: الحالف.

[^117]: جمع كيس وهو ضد الحمق ويقال الغلبة بالكياسة.

[^118]: حممة: كل ما احترق بالنار. *(Passage douteux — Note de l’éditeur en partie cachée par un tampon, reconstituée.)*

[^119]: الصنان: الرائحة الكرهة مصدرها البدن.

[^120]: الرمص: الوسخ الأبيض يكون في مجرى الدمع من العينين.

[^121]: في الأصل «ولا»، وما أثبتناه من سورة النجم الآية ٣٢.

[^122]: ذبل الشيء ذبولاً ذهبت ندوته. والذبلاء: اليابسة الشفة.

[^123]: الدراعة: القميص. والطيلسان، فارسي معرب: لباس العجم.

[^124]: الإخبات: الإبطاء والتخشع، وهنا بمعنى التمكن.

[^125]: أي يتسرع.

[^126]: هكذا في النسخة التي بين أيدينا والمعنى مهزوز.

[^127]: الجربزة: الخبث.

[^128]: الغمر: الحقد وزناً ومعنى، ورجل غمر لم يجرّب الأمور.

[^129]: الناجذ: الشديد المستحكم.

[^130]: كانت في الأصل يؤثر وهو تصحيف ظاهر.

[^131]: في رواية «أو».

[^132]: الدَّوِّيّة والداوية: الفلاة.

[^133]: يغان على قلبي: تغشته الشهوة.

[^134]: فرق فرقاً من باب تعب: خاف.

[^135]: أزّت القدر: اشتد غليانها.

[^136]: الرعى بالكسر الكلأ جمعه أرعاء.

[^137]: أي تقطع وعضده قطعه.

[^138]: الخميصة هي ثوب خز أو صوف معلم.

[^139]: الخص بالضم البيت من القصب.

[^140]: أكنّ: ستر أو حمى.

[^141]: نصّ الآية ١٧٩ من سورة الأعراف: ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾. ونص الآية ٤٤ من سورة الفرقان: ﴿إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً﴾.

[^142]: الكاغد: الورق، أو القرطاس، والكلمة فارسية.

[^143]: زوى: منع، وصرف.

[^144]: إحياء علوم الدين من أعظم مؤلفات الغزالي.

[^145]: من الآية ١٣ من سورة السجدة؛ وتمامها: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حقّ القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾.

[^146]: الشوب: ما خلطته بغيره.

[^147]: يقارف: يرتكب ذنباً.

[^148]: أخدان: جمع خدن، وهو الصاحب.

[^149]: التبرم من برم مثل ضجر ضجراً وزناً ومعنى.

[^150]: خماصاً: جائعة، وبطاناً: شبعانة.

[^151]: أي في الحديث القدسي.

[^152]: مستطر: مكتوب.

[^153]: هكذا وردت هذه الجملة ولم نرها وجهاً اللهم إلا أن يكون تعبيراً فقهياً خالصاً.

[^154]: المشعوف: لغة في المشغوف.

[^155]: الشفر: أصل منبت شعر الجفن.

[^156]: زمانة: عاهة.

[^157]: البُدّ: النصيب، ومن معانيها العوض، والبِدّ بكسر الباء النظير والمثيل.

[^158]: ليس هذا نص آية كما قد يتوهم.

[^159]: يفاع: علو.

[^160]: البر: القمح والحنطة.

[^161]: طومار: صحيفة.

[^162]: في القاموس وما يقعقع له بالشنان بفتح القافين يضرب لمن لا يتضع لحوادث الدهر ولا يروعه ما لا حقيقة له. والقعاقع تتابع أصوات الرعد. والشنان كسحاب لغة في الشنآن وكغراب الماء البارد وككتاب واد بالشام.

[^163]: قوله غافصه أي فاجأه وأخذه على غرّة.

[^164]: الحطمة: النار الشديدة لأنها تحطم ما يلقى فيها.

[^165]: روزنة: الكوة، الطاقة، والكلمة من الفارسية.

[^166]: رجيعه: ما يقذف من الجوف عبر الفم.

[^167]: نياط: شريان أو هو العرق الغليظ المتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه من فوره.
