إحياء الربانية سعيد حوى خاص بموقع www.daawa-info.net (الشبكة الدعوية ) بسم الله الرحمن الرحيم تقديم هذه هي الرسالة الرابعة في كتاب "كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر" وموضوع هذه الرسالة قديم جديد، فلقد كنت كتبت كتاب "جند الله ثقافة وأخلاقاً" وأردت أن أحدّد الأخلاق العامة لحملة الدعوة الإسلامية من خلال النصوص، والثقافة العامة لهؤلاء من خلال استقراء واسع جمعت فيه بين الاحتياج الثقافي المستمر والاحتياج المعاصر الضروري، وبعد أكثر من عشر سنين على ظهور هذا الكتاب وجدت أنه لا زالت هذه المعاني تحتاج إلى تأكيد بأسلوب جديد فكانت هذه الرسالة. وخلال أعوام طويلة من السير والتجربة، وجدتني بحاجة إلى أن أحدد كثيراً من الأمور، خاصة وأنّ تساؤلات كثيرة طرحت، واعتراضات كثيرة وجدت، فرأيت من المناسب أن أكتب رسالة وراء الرسالة الرابعة تتضمن إجابات محددة تستوعب ما ذكرت، ورأيت أن أفضل طريقة لذلك أن أصوغ ما أريد بيانه بصيغة السؤال والجواب، وكان ذلك مضمون الرسالة الخامسة، وأنا أذكر ذلك هنا كي يعرف القارئ أن ما يمكن أن يكون عنده من تساؤلات يمكن أن يجد جوابه في الرسالة الخامسة من هذا الكتاب "رسالة الإجابات". *** وقد سبقت هاتين الرسالتين الرسائل الثلاث: 1-    منطلقات إسلامية لحضارة عالمية جديدة. 2-    فلنتذكر في عصرنا ثلاثاً: فروض العين فروض الكفاية. لمن تدفع صدقتك. 3-    أخلاقيات وسلوكيات تتأكد في القرن الخامس عشر الهجري. وهذه هي الرسالة الرابعة فلنتحدّث عنها: هذه الرسالة باختصار تريد أن تذكّر ببدهية وترسم الطريق لإقامتها: فالأمة الإسلامية في عذاب ونكد، ولن يرفع عنها هذا العذاب إلا بأن يقوم المسلمون بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فترك ذلك هو الذي يؤدي إلى تنافر القلوب ونزول العذاب: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم} [هود: 116]، فالنجاة محصورة في النهي عن الإفساد في الأرض، والطريق لذلك أن ينتدب من كل فرقة من المسلمين طائفة لطلب الفقه في دين الله، وأن يقوموا بواجبهم نحو أمتهم: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 122]، إن هذه العملية البدهية تحتاج إلى إحياء وتنظيم وترتيب، أن يوجد في كل حي أو منطقة أو دائرة مسجد مجموعة انتدبت نفسها لهذه المهمة: مهمة التفقه في دين الله والإنذار بهذا الدين. هذه المهمة في الأصل هي مهمة الربانيين {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت} [المائدة: 63]، فمن هو الرباني؟ وما هو الطريق لوجود هذا الرباني في مثل عصرنا؟ وكيف يقوم الربانيون بمهمتهم؟ وما هي الترتيبات والشروط التي يبنغي أن تلاحظ في عصرنا ليقوم هؤلاء الربانيون بواجباتهم هذه ؟. هذا هو مضمون الرسالة... وفيما بين يديها نذكر الحديث الشريف الذي ذكره صاحب الترغيب والترهيب: عن علقمة بن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن جده قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأثنى على طوائف من المسلمين خيراً، ثمّ قال: "ما بال أقوام لا يفقِّهون جيرانهم، ولا يعلِّمونهم، ولا يَعظونهم، ولا يأمرونهم ولا ينهونهم، وما بال أقوامٍ لا يتعلمون من جيرانهم، ولا يتفقهون، ولا يتعظون. والله ليُعلِّمن قومٌ جيرانهم، ويفقهونهم، ويعظونهم، ويأمرونهم، وينهونهم، وليتعلمن قومٌ من جيرانهم، ويتفقهون أو لأعاجلنهم العقوبة، ثم نزل فقال قومٌ: من ترونه عنى بهؤلاء؟ قال: الأشعريين هم قومٌ فقهاء، ولهم جيران جفاةٌ من أهل المياه والأعراب فبلغ ذلك الأشعريين، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ذكرت قوماً بخير، وذكرتنا بشرٍّ فما بالنا؟ فقال: ليعلمن قومٌ جيرانهم، وليعظنهم، وليأمرنّهم ولينهونّهم، وليتعلمنّ قومٌ من جيرانهم، ويتعظون ويتفقهون أو لأعاجلنهم العقوبة في الدنيا، فقالوا: يا رسول الله أنفظن غيرنا فأعاد قوله عليهم فأعادوا قولهم، أنفطن غيرنا. فقال ذلك أيضاً، فقالوا أمهلنا سنة فأمهلهمه سنة ليفقهوهم، ويعلموهم، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم} [المائدة: 78]، رواه الطبراني في الكبير عن بكير بن معروف عن علقمة. وباختصار فإنني أقول: 1-   إنه لا بد من حلقة لإحياء الربانية في كل حي وقرية، مهمة هذه الحلقات: أولاً: ربط الناس بحلقات العلم ومجالس الذكر وحلقات القرآن لإقامة فروض العين علماً وعملاً. ثانياً: تنظيم الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة في دائرة الحلقة. ثالثاً: تنظيم التكافل والخدمة فيما بين المسلمين وتشغيل العاطلين عن العمل. 2-    ولابدّ على مستوى آخر: أولاً: من إنشاء المجالس المتخصصة بمتابعة كل نشاط من نشاطات الحياة ومحاولة إصلاحه بالكلمة الطيبة والطرق المتاحة والوسائل الحكيمة. ثانياً: من إيجاد المتخصصين بفروض العين وفروض الكفاية. ولعله بذلك نكون قد أدينا الواجب، لكن إقامة هذه الفروض البدهية تحتاج إلى حكمة وبعد نظر وحسن تأتٍّ للأمور على ضوء نظرة شاملة لأوضاع عصرنا الذي يتميز بأنه يشهد انفجاراً في أجهزة المخابرات العالمية والمحلية، والذي يشهد نضجاً في تجربة الحكم عالمياً ومحلياً، والذي يشهد نوعاً من السيطرة المالية ونمو الغنى في جانب، ونمو الفقر والمشكلات الاقتصادية في جانب آخرٍ كما يشهد نمو العمل الإسلامي وتعدد الفئات القائمة عليه وهذا كله يفرض نوعاً من الشروط لإنجاح القيام بواجب إحياء الربانية. فالساحة الإسلامية ليست فارغة، بل هي ملأى بمن يحاولون القيام بواجباتهم بفضل الله، وهذا يقتضي ملاحظة من قبل العاملين لتعميم الواجبات المذكورة آنفاً، ومن ههنا تأخذ كلمة إحياء الربانية أبعاداً متعددة ولعل هذه الرسالة تحاول أن تضع النقاط على الحروف في هذا كله، ويبدو لي أنّ القارئ بحاجة إلى أن يتملى هذه الرسالة أكثر من مرة، ولا عليه من ضير في ذلك، فإنها تذكر بأكبر فروض هذا العصر، بل تذكّر بالشيء الذي تتوقف عليه نجاة الإنسان عند ربه، وتترتب عليه إقامة كل ما بعده من واجبات، وأرجوا أن يعرف القارئ أنّ كل كلمة في هذه الرسالة كانت محل تأمل طويل. الباب الأول تقويم وحلول لقد كان نتاج العمل الإسلامي في القرن الرابع عشر الهجري عظيماً وضخماً، فبارك الله في كل من ساهم وشارك في دفعه، وجزاهم الله كل خير: لقد تتابع سقوط العالم الإسلامي بيد الاستعمار في هذا القرن، وتم إخراج الاستعمار فيه. وانتهت الخلافة الإسلامية الضعيفة، وحل بدلها دول كثيرة، وحكومات كثيرة، استبعد أكثرها الإسلام رسمياً من قاموس العمل السياسي، ولكن لم يكد القرن الرابع عشر ينتهي إلا وأصبح هناك تسليم شبه واقعي عند أكثر الحكومات في العالم الإسلامي بوجوب مراعاة الإسلام ولو بالإعلان والاعتراف، وكان ذلك أثراً غير مباشر عن جهود العاملين، وحتى في أكثر الأشياء استعصاء على التطبيق في زعم سياسي القرن الرابع عشر وهي قضية الربا والبنوك فقد حدث فيها تطور كبير، لقد فرضت البنوك الإسلامية نفسها. ولقد تراجع الإسلام في دوائر المثقفين تراجعاً كبيراً في بدايات وأواسط هذا القرن، ولكنه أصبح الآن هو الأقوى في هذه الدوائر، يظهر ذلك في أي تنافس حر في الجامعات على رئاسة اتحادات الطلاب. كان هذا بعض انجازات القرن الرابع عشر الهجري، ولقد كان للدعاة على اختلاف اتجاهاتهم شرف هذه الإنجازات. لقد ساهم في هذا الجهد الإخوان المسلمون والجماعة الإسلامية وجماعة الدعوة والتبليغ والاتجاه السلفي والاتجاه الصوفي والعلماء وجمعيات الخدمات والجمعيات الإصلاحية والمؤسسات العلمية الإسلامية والأحزاب الإسلامية ودعاة أفراد انتدبوا أنفسهم للعمل، ونشاطات حكومية، وعلى ضخامة الإنجاز فهذا لا يمنع أن نقوّم الحدود التي وصل إليها العمل ونقوّم القصور ونبحث عن لوازم الحركة للقرن الخامس عشر الهجري. إنه لمن الواضح أن التقويم الشامل للعمل الإسلامي في القرن الرابع عشر الهجري يوصلنا إلى جوانب من التقصير لابد من تلافيها، كما أن استيعاب احتياجات القرن الخامس عشر يطرح علينا سؤالاً: هل العمل الإسلامي بحاجة إلى جهة مساعدة مكملة، تكمل عمل الجهات الموجودة في الساحة؟ ومن هي هذه الجهة التي ينبغي أن تقوم بهذا الدور؟ وإذا لم تكن موجودة فما الطريق لإيجادها؟ إن تقويم العمل الإسلامي في القرن الرابع عشر الهجري يوصلنا إلى ما يلي: أولاً: إن السقف الثقافي والتربوي والروحي والحركي والتنظيمي الذي أوصل إليه عمل القرن الرابع عشر كان منخفضاً أحياناً فبعض العاملين نجحوا نجاحات حركية ودعوية لا بأس بها ولكن الجانب الثقافي أو الروحي أو التربوي بقي وسطاً أو دون الوسط، وبعض الناس ركزوا على الجانب الروحي، ولكن افتقدوا الجانب الثقافي أو الحركي أو التنظيمي وهكذا قل. فكل جهة إسلامية عملت في القرن الرابع عشر الهجري لم تستطع في الغالب أن تصول الفرد المسلم إلى سقف مرتفع في الجوانب التي ذكرناها: الثقافة الإسلامية المتوارثة والمعاصرة، والتربية الأخلاقية المتكاملة، والتربية الروحية والقلبية العالية والفكر الحركي والتنظيمي المكافئين للعصر، ركّز بعضهم على الثقافة المتوارثة وأهمل المعاصرة، وركز بعضهم على الجانب الروحي وأهمل غيره، وركز بعضهم على جوانب وأهمل جانباً بحيث بقيت الشخصية الإسلامية التي تتبع جهة ما عندها قصور في الغالب – نستثني من ذلك أناساً كملهم الله عز وجل بجهود شخصية أو بأن أتيحت لهم ظروف خاصة-. ثانياً: لم يكن هناك تكامل بين العمل الإسلامي الشعبي والعمل الإسلامي الحكومي ولا بين عمل الحكومات على الأرض الإسلامية، ولا بين الأعمال الإسلامية الشعبية فيما بينها ومع بعضها البعض، ولذلك أسبابه وأعذاره واعتذاراته وإنما نحن هنا نعرض واقعاً. ثالثاً: لم يكن العمل الإسلامي الشعبي على مستوى التطلعات، ولا العمل الحكومي على مستوى التكليف. رابعاً: مع أن القرن الماضي شهد تحرر البلدان الإسلامية فإن إقامة الإسلام لم تأخذ مداها ولم تكن الرغبة في إقامة الجهاد وإحيائه متكافئة مع أوضاع العصر واحتياجاته. خامساً: إنه في كثير من الأحيان ابتعد العمل الإسلامي عن فطريته التي كان عليها في عصر النبوة، فالأخلاقيات فيها نقص والحياة الروحية ضعيفة، وكثيراً ما تظهر منافسات على الإداريات ومماحكات وخصومات وانقسامات، وكثيراً ما يضيع القرار في غمرة الظواهر المرضية، وكثيراً ما يكون هناك فارق بين الشعار والواقع، وكثيراً ما يفتقد السمت النبوي عن أصحاب الدعوة، ويظهر السمت المتأثر بالفكر الغريب، ومن أعظم مظاهر البعد عن الفطرية أنك لا تجد لعلماء الشريعة الإسلامية تأثيراً مباشراً في توجيه العمل الإسلامي، وأحياناً لا تجد لهم محلاً في هذا العمل، وفي كثير من الأحيان لا يكون الذنب ذنب العاملين، فالعاملون إذا وجدوا العالم العامل المحب يحبونه ويستفيدون منه ولكن الواقع أنه وجدت جفوة بين العلم بالشريعة وبين قطاع كبير من العاملين في الدعوة ووجدت جفوة بين العلماء والعاملين، حتى إنك لتجد في صف القائمين على بعض الأعمال الإسلامية نوعاً من الازدراء لعلماء الشريعة مهما كان شأنهم، حتى إن بعضهم يصدر حكماً مبدئياً على علماء الشريعة أنهم لا يصلحون للعمل العام أو للعمل المنظم وهذا يشكل كارثة في النهاية، أخرج الدارمي قال: أخبرنا وهب بن جرير وعثمان بن عمر قالا أخبرنا ابن عون عن محمد عن الأحنف قال: قال عمر: تفقهوا قبل أن تسودوا. أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا بقية حدثني صفوان بن رستم عن عبد الرحمن بن ميسرة عن تميم الداري قال: تطاول الناس في البناء في زمن عمر، فقال عمر: "يا معشر العريب الأرض الأرض، إنه لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة فمن سوده قومه على الفقه كان حياةً له ولهم ومن سوده قومه على غير فقه كان هلاكاً له ولهم". سادساً: كان التركيز على مذاهب أهل السنة والجماعة في معرفتها وتمثلها في العقائد والفقه والسلوك ضعيفاً وهذا يعطي فرصاً للآراء الشاذة أن تظهر. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "نضر الله امرأً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه فرب مبلّغ أوعى من سامع" رواه أبو داوود والترمذي وابن حبان في صحيحه إلا أنه قال: رحم الله امرأً وقال الترمذي حديث حسن صحيح. ومن ههنا وجد في المجتمع الإسلامي المختصون الذين تتابعوا على العلم الواحد حتى أغنوه وأثروه وحققوا مسائله وفرّعوا على أصوله فهم يكملون عمل جمّاع الروايات والمختصين بالقراءات، ومن ههنا وجدت لأهل السنة والجماعة مذاهبهم في العقيدة والفقه والسلوك. وكثيراً ما يجد الإنسان نفسه أمام شذوذ بسبب من جهل ذلك أو عدم التمسك به، وهذا مقتل من مقاتل العمل الإسلامي المعاصر، لأنه يمكن أن تعود الآراء الشاذة القديمة للظهور، كما يمكن أن تظهر شذوذات فكرية جديدة. سابعاً: كثيراً ما نفتقد في العمل الإسلامي المعاصر أو الحياة الإسلامية المعاصرة التركيز على الجانب القلبي وهذه قضية خطيرة لأن صلاح أمر المسلمين هو القلب: "إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" أخرجه البخاري ومسلم. ثامناً: كثيراً ما انطلق العمل الإسلامي بعيداً عن فكرة فروض العين وفروض الكفاية، وبالتالي تجد العمل الإسلامي في بلد بعد أربعين عاماً أو أكثر لم ينتج ما يغطي إقامة فروض الكفاية بشكل متكامل، كما تجد بعض أبنائه تفوتهم بعض فروض العين بعد سنين. تاسعاً: هناك ضعف في أصول التعامل التنظيمي على أصول الإسلام سببه عدم وجود ألف باء تنظيمي واضح وصحيح، وبالتالي يتعب العاملون أنفسهم ويتعبون بعضهم بعضاً. عاشراً: حتى الآن لا نجد وضوحاً في طرائق تحقيق الأهداف التي استقرأتها الحركة الإسلامية الحديثة، وبالتالي فالهدف مطروح ولكن طريق الوصول إليه مجهول أو غير واضح تماماً. حادي عشر: يفتقد العاملون الرئيسيون للإسلام الذين هم الإخوان المسلمون وأمثالهم كالجماعة الإسلامية في باكستان وجماعة الدعوة والتبليغ والفقهاء والعلماء والصوفية المستقيمون وجمعيات الخدمات أو الجمعيات الإصلاحية يفتقدون نوعاً من المودة القوية أو نوعاً من التنسيق النافع غير الضار وغير المتعارض مع ما يريده كل منهم مما ألزم نفسه به. ثاني عشر: إنه في كثير من الأحيان خولفت شعارات بدهية، من مثل: من المحراب إلى السياسة لا من السياسة إلى المحراب. من الربانية إلى الإدارة. من العلم إلى العمل. ففي كثير من الأحيان كانت ظروف العمل وعدم الاستقرار وانفتاح ميادين الاستجابة تجعل بعض العاملين يتخلون عن مثل هذه الشعارات، وإذا بالصف الإسلامي يعاني من القلق والاضطراب، ويتعرض للتمزق والتآكل لأن نقاط البداية فيها خلل، فنجد الصف غير موحد الفكر أو التربية ولا تحكمه نظرية تنظيمية مستقرة ولا تجربة متطورة ومتدرجة. ثالث عشر: في كثير من الأحيان نجد أنفسنا أمام ظاهرة مخيفة وهي أن العمل الإسلامي أصبح أقرب إلى الشكليات والمظاهر، وأقرب إلى الرسمية الحكومية أو الحزبية، وليس من حرج أن نأخذ الجديد المفيد المنسجم، ولكن أن يكون ذلك على حساب العلاقات الفطرية، فهذا الذي لا يصح، وأن يصبح عملنا حزبياً تتحكم فيه الأهواء والصراعات ولا ينطلق فيه شيء من مشكاة النبوة على بصيرة، فهذا هو المحذور، إن هناك فطرية إسلامية لا يصح البعد عنها، وهناك ألف باء إسلامي لا يصح البعد عنه، وإن هناك أصولاً إسلامية في العمل والتعامل لا يصح الخروج عنها، وهناك أصول أوصلت إليها التجربة الصحيحة ينبغي تثبيتها. رابع عشر: كثيراً ما حدث أن بعض المسلمين يتذكرون الكليات والأصول، وينسون الجزئيات والفروع، والعكس، والإسلام حاكم، فإذا ما حدثت غفلة عن أصوله وفروعه فإن الخلل متوقع. هذا بعض ما يوصل إليه تقويم العمل الإسلامي في القرن الرابع عشر الهجري، وهي استقراءات لها استثناءات لكنها أغلبية *** وأما القرن الخامس عشر فإن احتياجاته كثيرة وأوضاعه معقدة: فالقرن الخامس عشر يشهد انفجاراً هائلاً في نمو أجهزة المخابرات المحلية والعالمية، كما يشهد نضجاً في تجربة الدول الكبرى في التعامل مع بعضها وفي التعامل مع مصالحها. وكذلك فإن هناك نضجاً في تجارب الحكم في الدول كلها، وفي الوقت نفسه فإن هناك تناقضات هائلة بين تيارات متعددة وأحوال سائدة فهناك تناقض بين الغنى والفقر على مستوى عالمي وعلى مستوى محلي، وتناقض بين ليبرالية وديكتاتورية، وبين ديمقراطية حزبية وديكتاتورية الحزب الواحد، وبين أفكار متعددة في الساحة الدولية والساحات المحلية وهذا كله ينشئ – حتى على الأرض الإسلامية – رغبات عنيفة في التغيير الذي لا يمتلك الراغبون فيه وسائل مكافئة للأوضاع المحلية أو العالمية التي يواجهونها، ثم إن هؤلاء الراغبين في التغيير لا يمتلكون نظرة موحدة لا في النظرية الثقافية ولا في النظريات التربوية والحركية والتنظيمية مما يجعل الجهود معرضة للضياع، والمآسي المتوقعة كبيرة. وإذا كانت بعض احتياجات العصر بالنسبة للأمة الإسلامية هي ما مر معنا في الرسائل السابقة: أولاً: البناء الثقافي والمدني للأمة الإسلامية على ضوء استيعاب الأوضاع العالمية، وهذا يقتضي تركيزاً على بناء الفرد والأمة. ثانياً: التركيز على إيصال فروض العين إلى كل مسلم، وإيصال كل مسلم إلى فرض كفاية وإلى تغطية كل فروض الكفايات. ثالثاً: الخروج من العفوية إلى التنظيم المحكم، ومن الانفعال إلى النظرة العقلية المنضبطة بضوابط الشرع. رابعاً: السير المتدرج الذي يوصل إلى الهدف بأقل الخسائر وأكثر الأرباح دنيا وأخرى. إذا كانت هذه بعض احتياجات عصرنا لتلافي قصور العمل في القرن الرابع عشر وتأمين احتياجات القرن الخامس عشر فمن الذي يتولى هذه المهمة الصعبة؟. يطرح بعض الناس فكرة وجود العمل الإسلامي الكامل المتكامل البديل عن العمل الإسلامي الحالي، وهذا تفكير مغرق في الوهم والخيال والتعلق في السراب، لأنه في النهاية تحطيم للموجود، ودخول في صراعات ومتاهات، ثم إن واقع الحال أنه لا يستطيع أحد إلغاء الموجود، وليس هناك من أحد قادراً على أن يوجد عملاً أكمل من مجموع الموجود ولن يستطيع العمل الجديد أن يغطي دوائر العمل المطلوبة ولذلك فإن مثل هذا التفكير يؤدي إلى مزيد من التمزق ولا يصول إلى هدف. ويطرح بعضهم فكرة أن يلتحق جميع المسلمين بواحد من أنواع العمل القائم بحيث يلغي غيره، وهذا ضار وغير ممكن فلن يتحقق كل ما يحتاج الإسلام في أوضاعنا الحالية عبر كيان واحد، ومن يفكر في مثل هذا إنما يفكر في المحال. إن العمل الإسلامي موزع بين عمل شعبي وحكومي، وبين عمل سياسي وعمل دعوي، والعمل السياسي قد يضطر للمواجهة فهل يتوقف العمل الدعوي في هذه الحال. وهل تستطيع جهة واحدة أن تغطي كل الاحتياجات من مثل إعمار المساجد إلى الحكم بما أنزل الله؟ إن ما نحتاجه في الحقيقة هو العمل المكمل الذي يدعم الموجود ويقويه ويحسنه ويرشده، والذي يوجد المفقود المفروض، وفيما نحن فيه وهو إزالة النواقض المذكورة وهي فريضة من الفرائض، لابد فيما يبدو من عمل مكمل يدعم الموجود، ويوجد المفقود من خلال علم وبيئة يوجد بهما الربانيون، وتعود بهما الفطرية إلى العمل الإسلامي وترسخ بهما جذور مذاهب أهل السنة والجماعة ويركز فيهما على التربية القلبية والعملية، ويساعد هذا العمل على وجود المختصين بفروض الكفاية وعلى وضوح النظريات التنظيمية والاستراتيجيات العامة، ويوضح لكل مسلم طرائق العمل لتحقيق الأهداف، ويحاول أن يكون قاسماً مشتركاً تتفاعل به أنواع العمل الإسلامي الحالية دون أن يدخل في تناقض معها، فهل بالإمكان ذلك؟ أي أن يوجد مثل هذا مما يرتاح إليه جميع العاملين ويكون قوة لهم جميعاً بل يشارك فيه العاملون دون أن يعتبروا ذلك متناقضاً مع مشاركاتهم في عمل آخر أو كينونتهم في كيان آخر؟. إنني أفترض أن ذلك ممكن إذا توافرت شروط وقبل أن أذكر هذه الشروط أقول: إنّ هذا النوع من العمل يكاد يكون من فروض الكفايات، وهو في حق بعض الأشخاص فرض عين، وإذا كان مثل هذا العمل لابد من وجوده كفريضة فلابد من بذل الجهد من أجله كائناً ما كانت الصعوبات، وقد يقول قائل: ألا يمكن أن يتم هذا عبر الكيانات الموجودة؟ نقول: إن بعض ذلك ممكن مع صعوبته أحياناً، أما مجموع ما ذكرناه فإنه يحتاج إلى بيئة خاصة ونفس طويل وصبر كثير وعمل دؤوب ويستهدف المستقبل البعيد وليس لجهة منصفة أو عادلة أن تتحسس منه وليس لقوة داخلية أو خارجية حجة ظاهرة عليه، وكل ذلك يقتضي أن توجد جهة تتمحّض لمثل هذا العمل. فإذا اتضح ذلك فإنني أرى أن شروط النجاح لإقامة هذا العمل هي: أولاً: أن يكون هذا العمل موجهاً لكل مسلم، وأن يكون محصوراً في العلم والذكر والخدمة والتضحية والقيام بفروض العين وفروض الكفاية بالقدر المتاح والممكن. ثانياً: ألا يقطع هذا العمل أحداً عن شيخه أو جماعته أو عمله الإسلامي إلا في حالة الشذوذ أو الإثم، وحيث لا إثم ولا شذوذ فالأصل البقاء والطاعة للجهة التي يرتبط بها الإنسان. ثالثاً: أن يكون الهيكل العام لهذا العمل وترتيباته قائمة على فطرة ونصوص. رابعاً: أن يكون هناك سير علمي للفرد على ضوء نظرية ثقافية متكاملة وأن يكون هناك سير متكامل على ضوء إحصاء شامل لفروض الكفاية. خامساً: أن يعرف الجميع أن هذا العمل هدفه تعميق الإسلام والقيام بما يفرضه خالصاً من الحظوظ النفسية والدنيوية. سادساً: يلتزم هذا العمل بأن يكون لأتباعه في كل قطر استقلالية قانونية لا تحرجه أمام قانون بلده. سابعاً: يعطي هذا العمل لكل فرد من أتباعه حق الممارسة الحياتية حيث شاء مما تجيزه له الشريعة ولا يتحمل مسؤولية أي موقف سياسي لأي فرد مشارك فيه. ثامناً: يحاول هذا العمل أن يقرب بين الناس والإسلام على مستوى الشعب والحكم، ويحاول أن يقرب الفجوة بين الشعب والحكم من خلال إقامة الإسلام باعتماد مبدأ النصيحة المخلصة السرية للجميع. إنه فيما يبدو لي لابد من عمل مكمل مساعد متوافرة فيه هذه الشروط يحتفظ بالموجود ويصلحه ويطوره ويبحث عن اللازم المفقود ويوجده ويحاول أن يكون أداة تقريب بين الإسلاميين جميعاً، كما يحاول أن يدفع نحو الأمام كل جهد إسلامي يستهدف هدفاً صحيحاً. لقد وصلت الحركة الإسلامية في القرن الرابع عشر الهجري إلى مواقع متقدمة: في الثقافة والتربية والدعوة والحركة والتنظيم والفكر والاجتهادات والتوجهات، ولابد من جهة تعمم هذا كله على كل مسلم من الناحية النظرية بحيث لا يحدث تراجع عن أي موقع متقدم، فالقائمون في الساحة يتقدمون، والبعيدون عن الساحة يدخلون فمن الذي يقوم بهذه المهام كلها؟. بكلمة واحدة: إن المرشحين لهذه المهام هم الربانيون. لماذا الربانيون حصراً؟ هذه المهمة المعقدة التي أشرت إليها في ما مرّ آنفاً لا يصلح لها إلا الربانيون حصراً وذلك: أولاً: لأنها تحتاج إلى حكمة، والربانيون هم العلماء الحكماء، فقد قيل في وصفهم أنهم الذين يتدرجون في تعليم العلم وما ذلك إلا من حكمتهم. {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} [البقرة: 269]. ثانياً: لأن هذه المهمة لها طابع الشهادة العادلة على الناس وعلى الواقع وعلى التقصير، ولها طابع الحكم على الوجود والمفقود وتلك مهمّة الربانيون: قال تعالى {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء} [المائدة: 44]. لاحظ كلمة "وكانوا عليه شهداء"، قال الألوسي: في تفسير الربانيين هم العلماء الفقهاء وهم فوق الأحبار... ومعنى شهداء رقباء يحمونه من أن يحوم حول حماه التغيير والتبديل بوجه من الوجوه أو شهداء عليه أنه حق... أو مبينين ما يخفى منه، أقول: بل شهداء عليه أنه مقام في حياة الناس، وشهداء بذلك على الناس. ثالثاً: لأن هذه المهمة تقتضي أعلى درجات الثقافة وأعلى درجات القدرة على التعليم وتلك صفة الربانيين: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79]. رابعاً: لأن هذه المهمة تقتضي إحاطة بالمعروف وبالمنكر، وأمراً بالمعروف، ونهياً عن المنكر، فيدخل في ذلك محاربة الإثم ومحاربة أكل الحرام ونصرة المظلوم وإصلاح ذات البين وإعانة الفقير وإعانة المحتاج وذلك واجب الربانيين قبل غيرهم، قال تعالى: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت} [المائدة: 63]. خامساً: لأن الربانيين هم المؤهلون للاستمرار على ما مات عليه الرسل عليهم الصلاة والسلام: فالرباني هو الرِبّي في فهم العلماء، والربيون قد وصفهم الله عز وجل بقوله: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين} [آل عمران: 146-148]. ولكن أين هم الربانيون؟ وكيف نتوصل إلى إيجاد ربانيين يملأون الساحة ويقومون بمجموع المهمات المطلوبة منهم؟ وما هي الوسائل اللازمة لذلك؟. لا شك أن إحساس المجتمع الإسلامي حالياً بوجود الربانيين والثقة بهم والتسليم لهم ضعيف لكنهم موجودون على ضعف في الصفات والخصائص ومتفرقون. إنني أعتقد أن ربانيي هذا القرن عليهم أن يؤدوا هذه المهام الصعبة التي ذكرناها، ولا يستطيعون ذلك إلا أن تتوافر فيهم جوانب أربعة: الثقافة الإسلامية المتوارثة والمعاصرة، والأخلاقية الإسلامية الرفيعة، والنضج الروحي الرفيع، والفقه الحركي والتنظيمي المناسب للعصر وأوضاعه. فإذا لم يوجد هؤلاء الربانيون الذين يستوعبون هذا كله. فإن الجهة القادرة على إيجاد التفاعلات التي يحتاجها العصر ستبقى مفقودة والجهة التي يحتاجها السقف الجديد لهذا العصر ستبقى مفقودة ونخشى نتيجة لذلك أن يحدث انحسار أو تآكل أو يأس. وإذا كان وجود هذه الجهة هي الاحتياج الأكبر لهذا العصر فإن هذه الرسالة قد خصصت لهذا الموضوع. إن سر الأسرار في نواقص العمل الإسلامي في القرن الرابع عشر يكمن في الانطلاق إلى الدعوة وطي فكرة الإنضاج في الربانية. وقد يكون لذلك أسبابه وأعذاره، فلم يكن أمام الإسلاميين خيار: إما أن ينقذوا الناس من النار أو يعكفوا على أنفسهم، لكن هذا القرن وقد كثر فيه عدد العاملين لابد أن تعوض فيه الحركة الإسلامية ما فاتها بأن ينتدب أناس أنفسهم لإحياء الربانية، ليقوم الربانيون بدورهم كاملاً، والذي أراه أنه لا بدّ من عمل خاص يتمحض لمثل هذا فتجربتنا أنه إذا لم يتمحض عمل لمثل هذا فستبقى معالم الربانية ضائعة في أجواء التنافس الإداري أو الانتخابي وفي أجواء القيل والقال والأخذ والرد وفي أجواء الصراع الحاد بين التوجهات المتناقضة سلفية وصوفية وبين الراغبين في المشاركة في الحكم والعازفين عن ذلك، والداخلين في العمل السياسي والراغبين عنه. كل ذلك جعلني أستشعر ضرورة وجود حركة تتمحض لإحياء الربانية فهذه الحركة هي المؤهلة لإيجاد شرط النجاح في أي جماعة إسلامية، وكما قال عمر رضي الله عنه: "فمن سوده قومه على الفقه كان حياة له ولهم ومن سوده قومه على غير فقه كان هلاكاً له ولهم" وهي شرط النجاح لإيجاد شرارة التفاعل الكامل مع الإسلام، وهي شرط النجاح لترشيد العمل الإسلامي من خلال النظرة الفقهية الشاملة البصيرة... وإذا كانت الربانية هي الحل فما هو الجديد الذي يحتاج إلى تذكير وتركيز: الجديد هو معرفة من هو الرباني في هذا العصر" وما هي الثقافة التي يحتاجها؟. وما هي الأخلاق التي يجب أن يلتزم بها؟. وما هو السمت الذي يجب أن يكون عليه؟. وما هي البيئة التي يتخرج منها؟. فالثقافة التي يحتاجها الرباني أوسع مما هي في واقع الحال، فالثقافة المتوارثة ليست كافية بل لابد من الإضافة إليها من مثل فقه الدعوة وفقه أنظمة الإسلام ومعرفة العصر ومعرفة المواقع المتقدمة للعمل الإسلامي المعاصر. والأخلاق التي يجب أن يلتزم بها هي أخلاق حزب الله بمجموعها المحبة لله والذلة على المؤمنين... والسمت الذي يجب أن يتحلى به هو سمت النبوة ظاهراً وباطناً. والبيئة هي مجالس الذكر والعلم والتلقي على يد الربانيين والذوبان في بوتقة الإخاء الإسلامي الخاص والعام وكل ذلك يجب أن يكون على أصول عقدية صحيحة واتجاهات فقهية معتمدة. إنه لا ربانية إلا حيث وجدت عقائد أهل السنة والجماعة ومذاهب الأئمة مع حالة قلبية مع الله عز وجل فالرسول صلى الله عليه وسلم ورثنا علماً وعملاً وحالاً قلبية وصفة فمن ورث هذا كله فهو الرباني. إن تكامل العمل الإسلامي الذي يحتاجه هذا القرن يقتضي وجود الربانيين الذين يقومون بعدد من العمليات أو يشرفون عليها من خلال الموقف الحكيم. فالأصل: من الربانية إلى ما سواها أما إذا كان الأمر على غير ذلك فالانتكاسات والتمزقات هي الأساس، ولنتذكر مرة أخرى كلمة عمر رضي الله عنه كما رواها الدارمي: "عن تميم الداري قال تطاول الناس في البناء في زمن عمر فقال عمر يا معشر العريب الأرض الأرض إنه لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة فمن سوده قومه على الفقه كان حياةً له ولهم ومن سوده قومه على غير فقه كان هلاكاً له ولهم". لقد وجد في القرن الماضي كما ذكرنا عاملون إسلاميون كثير: فهناك السلفيون الذين حاولوا تأكيد التمسك بالنص، وهناك الفقهاء الذين وجدوا بضاعتهم غير مرغوب فيها، وهناك الوعاظ والدعاة الذين اقتصروا على العمومات، وهناك الصوفية الذين لم يستطيعوا أن يقدموا بضاعتهم على ضوء النصوص ولا على مستوى العصر، وهناك دعاة العامة الذين لم يتجاوزوا سقفاً معيناً، وهناك دعاة المثقفين الذين أوصلوا المثقف إلى سقف معين، وهناك الجماعات الإسلامية التي عملت على مستوى العالم فأصبح لها تجربة ضاربة في الزمان والمكان، عند كل من هؤلاء يوجد شيء مفيد، وإن هذا القرن يحتاج إلى أشخاص قد أخذوا هذا كله، فالمواقع المتقدمة التي وصلت إليها كل جهة من هؤلاء نحن بحاجة للوقوف عندها والانطلاق منها، وهذا لا يتأتى إلا إذا وجد الفرد الذي هضم هذا كله، وشكّل هؤلاء تياراً متقدماً يأخذ بيد الجميع ولا يدخل في صراع مع أحد، ينظر إلى الإيجابيات، ويحسن معالجة السلبيات، ويدفع نحو الأمام، يحب الجميع ويعطف على الجميع، يدعم الموجود ويوجد المفقود، ولا يضن على مسلم بنصح، ولا على جماعة بإرشاد، هؤلاء هم الربانيون المعنيون، وهؤلاء هم المطلوبون للقيام بهذه المرحلة، قد استشرفوا أوضاع أمتهم، واستوعبوا أوضاع عالمهم، ويعرفون الأسباب الموصلة إلى الغايات ويستطيعون أن يختصروا الطريق. وطريق ذلك الذكر والعلم والبيئة: فلا ربانية بلا عبادة بل الربانية علم على العبادة، ومبنى العبادة على الذكر، والذكر الكثير هو الطريق للوراثة النبوية {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} [الأحزاب: 21]. ولا ربانية بلا علم {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79] ولا ربانية إلا ببيئة تربي على العلم وعلى الذكر، ويتحرك فيها الرباني نحو الخارج: بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعلم والتعليم والنصيحة والخدمة. ومن ههنا نقول: إنه لإيجاد الربانيين فنحن نحتاج إلى تأسيس مجالس ذكر، يألف فيها الإنسان الذكر، وتتابعه في إقامة الأذكار اليومية والاعتكافات، ولابد من حلقات لطلاب الربانية يأخذ فيها الطالب ثقافة موجهة ومركزة، تدفعه لاستكمال ثقافته، وتحركه نحو الخارج في الدعوة والنصيحة والخدمة، وهذا وذاك يقتضي أن تنظم جهة ما هذه الأمور على ضوء نظرية متكاملة لثقافة الربانيين وسيرهم الأخلاقي والروحي وعلى ضوء نظرية عملية فطرية وصحيحة تُحققُ هذه المطالب كلها. الباب الثاني في الربانية المعاصرة لكي يوجد الرباني فلابد من توافر شروط أربعة: 1-    الذكر، 2- العلم، 3- الأجواء المساعدة، 4- العمل الدعوي والتعليمي. -          فالذكر لابد منه للوصول إلى مقامات اليقين: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28]، وإلى وراثة الحال النبوي {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} [الأحزاب: 21]. -          والعلم شرط الربانية {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79]. والملاحظ أنه قد أطلقت كلمة الدراسة، وهذا يشير إلى أن دراسات الربانيين كثيرة. -          والأجواء المساعدة لينمو طالب الربانية علماً وعملاً وحالاً، فمجالسة أهل الذكر ومجالسة أهل العلم ومجالسة أهل الفضل هي التي تنمي عند طالب الربانية الرغبة بالوصول، فما لم ينتقل طالب الربانية من أجواء الغفلة والجهل فإنّ نموه يبقى ضعيفاً، ألا ترى إلى قصة ذلك الذي قتل مائة نفس كيف أمره العالم أن يغادر بيئته، وإلى الحديث الذي رواه مسلم "لو تدومون على ما أنتم عليه عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطرقات ولكن ساعة وساعة... ساعة وساعة... ساعة وساعة...". -          والعمل الدعوي التعليمي شرط، فالرباني يجب أن يخرج من إطار ذاته إلى الإصلاح، وذلك بالتعليم والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترتيب هذه المعاني. ولو أنك تأملت الواقع فإنك نادراً ما تجد توافر هذه الشروط على كمالها وتمامها في تجمع معاصر أو في مؤسسة، فدراسة الربانيين التي يحتاجها العصر نَدَرَ ما تجدها في مؤسسة أو في جماعة أو في فئة. والذكر الجماعي والفردي اليومي والسنوي دون المستوى المطلوب، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه، وكانت له قبل النبوة خلواته الطويلة، وبعد النبوة عباداته الكثيرة، وقد دأب على الاعتكاف السنوي وكانت حياته ذكراً وتذكيراً. والأجواء المساعدة قليلة بل الأجواء المعاكسة هي الأصل، فندر ما يحضر الإنسان جلسة فيخرج أكثر إيماناً ويقيناً وخشوعاً ويقظة. والعمل الدعوة التعليمي ندر من يمارسه من الأفراد، لأنه في الغالب لا يمتلك وسائله ولذلك قلنا: إنه لا بد أن يتمحض عمل لصالح إحياء الربانية على ألا يدخل في خلاف وخصومات مع مسلم أو جماعة إسلامية فذلك طريق الفسوق والضلال لا طريق الربانية، بل الربانيون عليهم أن يصلوا أهل الإيمان، وأن يحبوهم وأن يساعدوهم على الخير وأن يؤلفوا بين القلوب. ولذلك فإننا نرى أنه لابد من تأسيس مجالس الذكر التي تتابع ذكر المنتسبين إليها: ذكرهم اليومي وذكرهم الجماعي وذكرهم الأسبوعي والسنوي. ولابد من تأسيس حلقات طلاب الربانية التي تتابع الأخذ العلمي لطالب الربانية داخلها وخارجها على ضوء برنامج محدد، وعلى هذه الحلقات أن توجه المنتسب نحو القيام بالدعوة والتعليم والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن أجل هذا وذاك لابد أن توجد مؤسسات تتابع هذه الشؤون. وأخطر ما في الأمر هو ثقافة الرباني وسيره الروحي، فهذان يجب أن يُنظما، أما سيره الروحي فينظمه انتظام أوراده اليومية ودخوله الاعتكافات الشهرية أو السنوية أوالعمرية. وأما سيره الثقافي فينبغي أن يتكامل باستيعابه أربع عشرة وحدة دراسية – في اجتهادي – سواء قدمت هذه الوحدات مؤسسات علمية أو حلقات أو جماعات أو جمعيات أو جامعات أو شيوخ والتكامل في ذلك هو الشرط لوجود الربانية المعاصرة. وعلى هذا فإن أي سالك لطريق الربانية أو متصدر لها لا بد أن يزن ثقافته بهذا الميزان وعلى ضوء ذلك يكمل سيره الثقافي أو يبتدؤه. الوحدة الأولى: دراسة المنهج متمثلاً بدراسة كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقواعد المعرفة وضوابط الفهم، دراسة يستوعب فيها القديم والجديد بما يكافئ أوضاع العصر. الوحدة الثانية: الأصول الثلاثة التي يدخل فيها التعرف على أدلة وجود الله وأدلة رسالة الرسول ومعرفة الإسلام أركاناً وأنظمة ومناهج حياة فهذه معركة عصرنا. الوحدة الثالثة: معالم الربانية: ثقافتها وأخلاقها على مستوى الأفراد والقادة ولوازم الوضوح والتوضيح فيما يجب عليها أن تفعل ولقد كتبت في ذلك: جند الله ثقافة وأخلاقاً، وفصول في الإمرة والأمير، ومن أجل خطوة إلى الأمام، وكي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر. الوحدة الرابعة: الفقه عامة والفقه المذهبي خاصة والتعرف على المكتبة الفقهية. الوحدة الخامسة: أصول الفقه والتعرف على المكتبة الأصولية. الوحدة السادسة: عقائد أهل السنة والجماعة والتعرف على المكتبة العقائدية. الوحدة السابعة: تزكية النفس والسلوك وقد كتبت في ذلك: تربيتنا الروحية، المستخلص في تزكية النفس، مذكرات في منازل الصديقين. الوحدة الثامنة: علوم اللغة العربية والتعرف على مكتبة العربية. الوحدة التاسعة: السيرة ومختصر التاريخ الإسلامي وتحليل أحداثه ولمحة عن حاضر العالم الإسلامي. الوحدة العاشرة: علوم القرآن ومن ذلك علم التلاوة وعلم مفردات القرآن. الوحدة الحادية عشرة: علوم الحديث والتعرف على المكتبة الحديثية. الوحدة الثانية عشرة: فقه الدعوة المعاصرة ويدخل في ذلك رسائل الأستاذ البنا ومذكراته وكتاب دروس في العمل الإسلامي وكتاب في آفاق التعاليم والمدخل وكتاب: هذه تجربتي وهذه شهادتي، وكتاب فقه التخطيط والتنظيم والتنفيذ. الوحدة الثالثة عشرة: متابعة المكتبة الإسلامية المعاصرة وما تنشره المجلات والدوريات الإسلامية، فهذا الذي يجعلنا نستوعب عصرنا وآخر المستجدات فيه مما يحتاجه المسلم، فالكتاب الإسلاميون المعاصرون هم الذين يقدمون لك تجربتهم ورؤيتهم وهم الذين يفطنون لاحتياجات العمل الإسلامي المعاصر فيكتبون، والمجلات الإسلامية هي التي تلاحق مجريات الأمور وتعطيك فيه تصوراً ووعياً، وما لا يدرك كله لا يترك جله، إنك تحتاج إلى أن تتعرف أو تطلع أو تراجع ما كتبه أمثال المودودي والندوي والشيخ الغزالي وعمر التلمساني ويوسف القرضاوي والدكتور مصطفى السباعي وسيد قطب ومحمد قطب ومصطفى مشهور وفتحي يكن ويوسف العظم ومحمد أبو فارس وأحمد محمد الراشد وأمثال هؤلاء من كتاب الحركة الإسلامية المعاصرة وأن تطلع باستمرار على أمثال مجلات المجتمع والدعوة والرائد من أجل أن تبقى على صلة بعصرك والاجتهادات فيه وإذا لم يكن إلا التصفح وإذا لم يكن إلا معرفة أهم الأفكار فإنه أفضل من العدم. الوحدة الرابعة عشر: التعرّف على العلوم المعاصرة. وبالإمكان إقامة الحجة على ضرورة دراسة كل مادة مما ذكرناه من أجل وجود الرباني الكامل، ولقد قال الله عز وجل {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79]. فقد أطلق كلمة الدراسة لأن ما يحتاجه الرباني من دراسات يتجدد ولا يتقيد، فكل قرن له جديده، وكل بيئة لها احتياجاتها ومن خلال استقراء شامل وصلت إلى هذه النتيجة التي ذكرتها. ولعل أهل العلم وخريجي المعاهد والكليات الشرعية هم المؤهلون أكثر من غيرهم لينتدبوا أنفسهم لاستكمال ما ذكرناه في العلم والذكر ويأخذوا على عاتقهم نقل المسلمين والمسلمات إلى أجواء الربانية. فلقد شهد عصرنا مؤسسات علمية كثيرة، ولكنه لم يشهد إلا قليلاً تلك المحاولات التي تعمم علوم الثقافة الإسلامية على العامة. ولعله من خلال هذا العرض لشروط وجود الربانية المعاصرة يدرك القارئ ضرورة ما ذهبنا إليه من أنه ينبغي أن يتمحض لهذا العمل ويتفرغ له أهله وبذلك وبتوافر هذه الشروط المذكورة وبوجود المؤسسات التي تخدم في ذلك تقوم بإذن الله الربانية المعاصرة. وكما نستهدف وجود الرباني ذي الثقافة المتكاملة، فإنه ينبغي أن نستهدف وجود الرباني المختص. فينبغي أن يوجد من بين هؤلاء الربانيين أصحاب الاختصاص في أمهات الدراسات الإسلامية، كأن ينتدب من هؤلاء الربانيين أناسٌ لتغطية الاختصاصات التالية: 1-    المختصون في الفقه، ومنهم: -          المختصون في فقه المذاهب المعروفة: حنفي، شافعي، مالكي، حنبلي، فقه أهل الحديث، فقه أهل الظاهر، فقه زيد، فقه جعفر، فقه الخوارج. -          المختصون في كتاب فقهي مشهور: حاشية ابن عابدين، المبسوط، المغني.... 2-    المختصون في اللغة العربية: -          نحو وصرف، فقه لغة، بلاغة... -          الاختصاص في أئمة اللغة وكتبهم: ابن جني، الفيروزابادي، الخليل.... 3-    المختصون في التفسير وعلوم القرآن: -          اختصاص في تفسير معين. -          اختصاص في علوم القرآن. -          اختصاص في إمام من أئمة هذا الشأن. 4-    في أصول الفقه: -          اختصاص في أصول الفقه المذهبي. -          اختصاص في كتاب من كتب أصول الفقه. -          اختصاص في حياة أصولي. 5-    علوم الحديث: -          اختصاص في علوم الحديث. -          اختصاص في كتب السنة. -          اختصاص في الرجال. -          اختصاص في إمام من أئمة الحديث وكتبه. 6-    اختصاص في المنطق: -          اختصاص في المنطق الاستقرائي الحديث. -          اختصاص في المنطق الصوري القديم. 7-    اختصاص في العقائد: -          الاختصاص في عقائد أهل السنة والجماعة. -          الاختصاص في عقائد الفرق المنشقة. -          الاختصاص في إمام من أئمة أهل السنة والجماعة في العقائد وكتبهم. 8-    الاختصاص في التاريخ: -          الاختصاص في التاريخ العام. -          الاختصاص بتاريخ كل قرن. -          اختصاص بكتاب من كتب التاريخ. -          اختصاص بإمام من أئمة التاريخ. -          اختصاص بتاريخ الإسلام في كل قطر. كما ينبغي أن يوجد من بين الربانيين اختصاصيون بفروض كفائية يحتاجها مستقبل الإسلام والمسلمين. *** إنه بالعلم يحيا الإسلام ويستمر، وبالعلم يحفظ الإنسان من الفتن وخاصة في زمن مثل زماننا، وبالعلم يكون قبول الإسلام، وبنشر العلم والجهر به تكون الحياة: قال عمر بن عبد العزيز: "فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً". وقال "إذا رأيت قوماً ينتجون بأمر (أي يتسارون) دون عامتهم فهم على تأسيس الضلالة" أخرجه الدارمي، وأخرج الدارمي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً إلا من أحياه الله بالعلم". فإذا ما سألت عن الأخلاق العامة للربانيين ما هي؟ أقول: هي أخلاقية الربيين وأخلاقية حزب الله قال تعالى: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين} [آل عمران: 146-148]. فقد فسرت الربية بتفسيرات كثيرة منها ما ذكره ابن كثير عن الحسن: "ربيون كثير أي علماء كثير وعنه أيضاً علماء صبر أي أبرار أتقياء". وأما أخلاقية حزب الله فمحددة في آيات الردة {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم، إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} [المائدة: 54-56]. ولعل القارئ يذكر كتابنا جند الله ثقافة وأخلاقاً ومن تأمل ما ذكرناه ههنا عرف أننا قصدنا بذلك الكتاب إحياء الربانية والربية وذلك طريق لابد منه لتجديد الإسلام في عصرنا. وأقترح لإحياء الربانية أن نحيي فكرة الإجازة العلمية على طريقة الشيوخ القدامى فكل من درس علماً أخذ إجازة فيه حتى إذا درس كل العلوم التي ذكرناها وظهرت فيه أخلاقية الربيين والربانيين أعطي إجازة الربانية أو أعطي الإجازة الجامعة فإذا تخصص بفرع من فروع الاختصاص أعطي إجازة الأستاذ في ذلك الاختصاص ولعلّ إنشاء جامعة إسلامية أهلية لإحياء الربانية يخدم في ذلك. إن إحياء الربانية من فروض العصر ولا ربانية إلا إذا وجدت أشياء: ثقافة إسلامية كاملة ومتكاملة معاصرة. أخلاق كاملة ومتكاملة يجتمع لصاحبها صفات الربانيين والربيين. روحانية رفيعة يجتمع لصاحبها معرفة ذوقية قلبية بالله وقيام بواجبات العبودية لله رب العالمين. *** إن تجربة القرن الرابع عشر الهجري أثبتت أن الذين تتلمذوا على أيدي الربانيين، وعاشوا في أجواء المساجد والتلقي، كانوا هم الأنقى والأرقى والأقدر على الدعوة، وأن العلم الذي لا يرافق العمل والقلب الذي لا يربى على الصحة كل ذلك يمكن أن يشكل كارثة على أهله وعلى الناس، وهذا يقتضي وجود عمل من ميزاته أنه: علم متكامل هادف مناسب للعصر وأعمال على ضوء العلم. إن إحياء الربانية والربية من فروض العصر وإقامة الحلقات والمؤسسات اللازمة لذلك من فروض العصر فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وأرى أن تبتعد حلقات الربانيين عن كل ما لا يخدم خدمة مباشرة في العلم والسلوك والأخلاق والدعوة والخدمة ومن أراد من أبناء هذه الحلقات أن يعمل عملاً مفروضاً أو مشروعاً فليفعل بمبادرته الشخصية متحملاً مسؤولية نفسه دون أن يحمل حلقات الربانيين مسئولية تقطع الطريق عليها أن تحقق أهدافها الثقافية والتربوية والروحية. لقد انتشرت المذاهب الرديئة القائمة على الأهواء والمتشابه وعلى البهتان وتجريح الناس ظلماً وزوراً وكثرت الجرأة على المعاصي الظاهرة والباطنة وخاصة معاصي اللسان وآثام القلوب، وأصبح المسلمون بحاجة إلى بيئة نظيفة ينمون فيها علمياً وروحياً وأخلاقياً بما يتفق ومذاهب أهل الحق. فأي خلل يحول دون النضج العلمي والروحي يؤثر على الدعوة وعلى التربية وعلى التعليم وينتج عنه ضعف الاقتداء في سياسات النبوة، وينتج عنه ضعف في انتشار الإسلام وضعف التأثير وهذا كله يحتاج إلى تلاف. الباب الثالث في موجبات وخصائص قال تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [النساء: 69]. يفهم من هذه الآية أن مراتب الكمال في هذه الأمة أربعة: -          رتبة النبوة وقد انتهت بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. وبقي عندنا ثلاث مراتب كمال، تبقى مستمرة في هذه الأمة، هذه المراتب الثلاث هي الصديقية والشهادة والصلاح، وبقدر ما تكون هذه المعاني قوية في الأمة تكون بخير، وبقدر ما يخف وجود هذه المعاني الثلاثة يكون الإسلام في هذه الأمة في ضعف، ولنلق نظرة على حال الأمة بالنسبة لهذه المقامات. إنك تجد أن الصلاح لازال قائماً ومستمراً ولكن على ضعف لأن الصلاح يقوم على ركنين: الإيمان والعمل الصالح، فالله تعالى يقول: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين} [العنكبوت: 09]. فمن اجتمع له إيمان وعمل صالح يرجى أن يكون مآله الوصول إلى مقام الصلاح، والإيمان والعمل الصالح موجودان في هذه الأمة بشكل من الأشكال، لكن معاني الإيمان تحتاج إلى تجديد مستمر فلقد ورد في الحديث الحسن: "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم". وقد ورد في حديث صحيح: "جددوا إيمانكم، فقالوا كيف نجدد إيماننا يا رسول الله، قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله" فالإيمان تطرأ عليه طوارئ تضعفه، وقل مثل ذلك في العمل الصالح، فهو معرض لأن يطرأ عليه العجب والغرور والرياء وغير ذلك مما يؤثر على العمل، وهذه المعاني قلّ التنبه لها في عصرنا، ومع ذلك يوجد بفضل الله عز وجل توجه نحو الإيمان والعمل الصالح. ومرتبة الشهادة مستمرة في هذه الأمة فهناك شهداء بشكل مستمر قال تعالى: {ويتخذ منكم شهداء} [آل عمران: 140] لكن الأصل أن يكون العزم على الشهادة موجوداً في قلب كل مسلم، فلابد من نية الجهاد في كل قلب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق" أخرجه مسلم وفي هذا المعنى ضعف وأي ضعف، بينما نجد عند جميع الصحابة قدراً مشتركاً من الرغبة في أن يلقوا الله عز وجل شهداء والرسول صلى الله عليه وسلم يتمنى أن يقتل ثم يرجع ثم يقتل ثم يرجع ثم يقتل، وكان عمر بن الخطاب يدعو أن يستشهد في المدينة المنورة، ورزقه الله ذلك وكل صحابي كان يعبر عن ذلك، المهم أن هناك قدراً مشتركاً عند كل فرد في جيل الصحابة في الرغبة في الشهادة، والرسول صلى الله عليه وسلم علّم المسلمين أن يكونوا صادقين في طلبهم الشهادة من الله عز وجل، والإنسان عندما يطلب الشهادة بصدق ينيله الله أجرها ولو مات على فراشه، وفي جيلنا لم تعد الشهادة مطلباً مشتركاً لكل مسلم، لا نقول هذا من سوء الظن بالمسلمين، فالمسلمون على خير وبركة ولكن الواقع المحس هو ما ذكرناه، وقد حاول الأستاذ حسن البنا رحمه الله أن يحيي هذا المعنى، لذلك كان من الشعارات الخمسة التي جعلها شعارات لإخوانه: الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا. ولقد علل الرسول صلى الله عليه وسلم لتداعي الأمم علينا بقوله "ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت" أخرجه أحمد وأبو داود. لقد كان حسن البنا موفقاً إذ جعل أحد الشعارات: "الموت في سبيل الله أسمى أمانينا" فلا خروج للمسلمين من الوهن إلا بذلك. ولكن عندما ننظر إلى مقدار الرغبة (الرغبة في الموت في سبيل الله) في قلوب المسلمين جميعاً.. أقصد هذا المليار من المسلمين... نجد أن بيننا وبين ذلك منادح يقطعها السير الجاد من أهله بإذن الله. أما مرتبة الكمال الثالثة وهي أعلى هذه المراتب وأكملها وهي رتبة الصديقية فقد طرأ عليها الضعف أكثر مما طرأ على المرتبتين الأوليين لأن المرتبة الثانية التي هي الشهادة والمرتبة الثالثة التي هي الصلاح مرتبتان محسوستان تقريباً لكن مرتبة الصديقية مرتبة خفيّة، فهي أقرب إلى الجانب القلبي، ولذلك فقد طرأت عليها طوارئ كثيرة كبيرة وضعفت ضعفاً كثيراً وقل أصحابها، والآية القرآنية تشهد أن المتأخرين تقل فيهم هذه الرتبة. قال تعالى: {والسابقون السابقون... ثلة من الأولين وقليل من الآخرين} [الواقعة: 10-13-14] بينما قال في أصحا اليمين {ثلثة من الأولين وثلة من الآخرين} [الواقعة: 39-40] فإذا اعتبرنا أصحاب اليمين هم الصالحون والسابقين هم الصديقون، فالصديقون من المتأخرين قليلون فكأن مرتبة الصديقية تضعف في الأمة شيئاً فشيئاً. ويترتب على ضعفها ضعف المرتبتين الأخريين ولذلك نقول: إنه بقدر ما يبذل الدعاة من جهد في إحياء الصلاح وفي إحياء معاني الشهادة يحتاجون لأن يبذلوا جهداً في إحياء معاني الصدّيقية، التي بدايتها الإيمان بالله تعالى: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصدّيقون والشهاداء عند ربهم} [الحديد: 19]. يعني الذين اجتمع لهم إيمان بالله ورسوله هم الذين مآلهم لأن يكونوا صدّيقين وشهداء، تلك هي البداية وهي بداية مشتركة بين الصدّيق والصالح والشهيد، لكن هناك دقائق في رتبة الصدّيقية لها علاقة بالإيمان والعمل الصالح تتوافر في الصدّيق ولا تتوافر في الصالح، ومن ها هنا تكون لرتبة الصدّيقية المنزلة العليا، وإذا أردنا أن نأخذ نقطة نتعرّف بها على الفارق بين مقام الصدّيقية والصلاح فلنضرب على ذلك مثلاً بخشوع القلب في الصلاة، فالقلوب تتفاوت في الخشوع، لذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام وهو أعرف خلق الله بالله أكثر خلق الله خشوعاً، حتى إنّ الصحابة وصفوه بأنّه كان يسمع من جوفه أزيز كأزيز المرجل في الصلاة من شدة خشوعه، فالخشوع إذاً يمكن أن نعتبره ميزان كمال، وبقدر ما يكون الإنسان أقرب إلى الخشوع الكامل، فهو أقرب إلى الكمال، وبالتالي فهو أقرب إلى مقام الصدّيقية، والذي يرى حال الناس في الخشوع الآن يدرك قلّة المتحققين بمقام الصديقية، وسنتحدث عن معالم الصديقية بتفصيل في كتابنا (مذكرات في منازل الصديقين) وههنا نقول: إن الصديقية هي الدرجة العليا لمقام الصدق ففي الحديث الصحيح: "ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً"، ولو أنك تأملت النصوص التي تحدثت عن الصادقين، ثم عرفت أن الصديق يتحقق بذروتها فإنك تعرف بذلك مقام الصديقين: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً} [الأحزاب: 23]. {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 15]. {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177]. {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون}[الحشر: 08]. فمن عرف أن مقام الصديقية هو تحري الكمال في الصدق، وعرف مضمون الصدق الذي تحدثت عنه في هذه الآيات عرف معنى الصديقية ولقد تحدث الغزالي في إحيائه عن درجات الصدق وكان من كلامه: "اعلم أن لفظ الصدق يستعمل في ستة معان، صدق في القول، وصدق في النية والإرادة، وصدق في العزم، وصدق في الوفاء بالعزم، وصدق في العمل، وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها، فمن اتصف بالصدق في جميع ذلك فهو صديق، لأنه مبالغة في الصدق، ثم هم أيضاً على درجات، فمن كان له حظ في الصدق في شيء من الجملة فهو صادق بالإضافة إلى ما فيه صدقه. الصدق الأول: صدق اللسان وذلك لا يكون إلا في الإخبار أو فيما يتضمن الإخبار وينبه عليه، والخبر إما أن يتعلق بالماضي أو المستقبل، وفيه يدخل الوفاء بالوعد والخلف فيه، وحق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه فلا يتكلم إلا بالصدق، وهذا هو أشهر أنواع الصدق وأظهرها، فمن حفظ لسانه عن الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه فهو صادق، ولكنْ لهذا الصدق كمالان أحدهما الاحتراز عن المعاريض، والكمال الثاني أن يراعي معنى الصدق في ألفاظه التي يناجي بها ربه كقوله وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض فإن كان قلبه منصرفاً عن الله تعالى مشغولاً بأماني الدنيا وشهواته فهو كذب، وكقوله إياك نعبد، وقوله أنا عبد الله فإنه إذا لم يتصف بحقيقة العبودية وكان له مطلب سوى الله لم يكن كلامه مصدقاً. الصدق الثاني: في النية والإرادة، ويرجع ذلك إلى الإخلاص وهو أن لا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا الله تعالى فإن مازجه شيء من حظوظ النفس بطل صدق النية، وصاحبه يجوز أن يسمى كاذباً. الصدق الثالث: صدق العزم فإن الإنسان قد يقدم العزم على العمل فيقول في نفسه إن رزقني الله مالاً تصدقت بجميعه أو بشطره، أو إن لقيت عدواً في سبيل الله تعالى قاتلت ولم أبال، وإن قتلت، وإن أعطاني الله تعالى ولاية عدلت فيها ولم أعص الله تعالى بظلم وميل إلى خلق، فهذه العزيمة قد يصادفها من نفسه وهي عزيمة جازمة صادقة وقد يكون في عزمه نوع ميل وتردد وضعف يضاد الصدق في العزيمة فكأن الصدق ههنا عبارة عن التمام والقوة. الصدق الرابع: في الوفاء بالعزم، فإن النفس قد تسخو بالعزم في الحال إذ لا مشقة في الوعد، والعزم والمؤنة فيه خفيفة، فإذا حقت الحقائق وحصل التمكن، وهاجت الشهوات، انحلت العزيمة وغلبت الشهوات ولم يتفق الوفاء بالعزم وهذا يضاد الصدق فيه. الصدق الخامس: في الأعمال وهو أن يجتهد حتى لا تدل أعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصف هو به لا بأن يترك الأعمال ولكن بأن يستجلب الباطن إلى تصديق الظاهر. الصدق السادس: وهو أعلى الدرجات وأعزها، الصدق في مقامات الدين، كالصدق في الخوف والرجاء والتعظيم والزهد والرضا والتوكل والحب وسائر هذه الأمور، قال الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} إلى قوله {أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 15] وقال تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر} إلى قوله {أولئك الذين صدقوا} [البقرة: 177]. فالصادق إذاً في جميع هذه المقامات عزيز، ثم درجات الصدق لا نهاية لها وقد يكون للعبد في بعض الأمور دون بعض فإن كان صادقاً في الجميع فهو الصديق حقاً." 1. هـ . كلام الغزالي. ولعلك بهذه التحديدات لمعاني الصدق تعرف من هم الذين أمرك الله عز وجل أن تكون منهم ومعهم: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119]. إن الدعوة إلى الله ذات شقين: فهي تذكير من ناحية، وتجديد من ناحية آخرى، ومن ههنا توجد في الشريعة فكرة المجدّد، وفي كل عصر يبعث الله لهذه الأمة من يجدّد لها أمر دينها وفي الحديث: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدّد لها أمر دينها". ورأس القرن أوّله. المهم أنّه يوجد شيء اسمه تجديد في حياة الأمة الإسلامية، وحتماً فإنّ من المعاني التي تحتاج إلى تجديد مستمر في الأمة الإسلامية هي هذه المعاني: الصلاح والشهادة والصدّيقية، ولا أقصد أن التجديد ينحصر بها، ولكنّ مراتب الكمال هذه لابدّ من تجديدها بشكل مستمر، ومن ثم فإن أي إنسان يريد أن يقوم بحق الدعوة إلى الله يجب أن يضع في ذهنه أن يجدّد حياة هذه المعاني وحيوتها. وإذا فشلنا في إيجاد هذه المعاني بعمق في الأمة الإسلامية لا نكون قد فعلنا شيئاً كثيراً مهما نشرنا من رسائل، وألفنا من كتب، وألقينا من محاضرات، ونمينا مدارك الناس وعلومهم إلا إذا كان ذلك عامل دفع، وسبيلاً إلى مقام صلاح أو وسيلة للصديقية، فالعلم شرط في هذا كله، إننا إذا لم ننقل الناس إلى مثل هذه المعاني يبقى عملنا محدوداً وقاصراً، صحيح إن إقامة الحجة على الناس هدف، ولكن العلم النافع هو الهدف المباشر لهذا الهدف، وقد ورد في حديث حسن: "العلم علمان علم في القلب فذلك العلم النافع وعلم في اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم" إن الفريضة الإسلامية في الشريعة لها سياج هي السنة والأدب، فمثلاً فرضت علينا صلوات خمس وفرض علينا صيام رمضان، لكن سنت لنا مع هذه الفرائض سنن، فالسنن بمثابة السياج لهذه الفرائض، فالإنسان الذي يقيم فرض الصلاة وسننها تبقى فريضته مكينة، بينما الإنسان الذي يقيم الفريضة ولا يقيم السنن تبقى فريضته ضعيفة، فكما أن قوة الفريضة بما يحيط بها من نوافل فكذلك الصلاح والشهادة تقويان بوجود مقام الصدّيقية، ونحن إذا ما بذلنا جهوداً في تعميق مقام الصلاح فقط كأن دعونا إلى الإيمان والعمل الصالح، وبقينا عند هذا القدر ولم ننمّ الرغبة في الشهادة في سبيل الله ولم نُرب على مقام الصدّيقية، فقضية الصلاح ذاتها تبقى ضعيفة، لكن إذا نمينا الصلاح وحاولنا أن ندفع نحو مقام الشهادة، ودفعنا نحو مقام الصدّيقية، ساعتئذ ترى المجتمع الإسلامي متكاملاً والإسلام أكثر عمقاً، ومن ههنا نقول: إنّه بقدر ما نبذل من الجهود لتعميق معنى الصلاح يجب أن نبذل جهوداً لتعميق معاني الشهادة ومعاني الصدّيقية، وبذلك تتكامل حياة المجتمع الإسلامي، لأن الصدّيقيين هم الذين يشدون الناس إلى مقام الشهادة ومقام الصلاح إنّ محور مقام الصدّيقية يدور على تعميق معاني الإيمان من ناحية، وعلى التفطّن إلى دقائق في الأعمال من ناحية أخرى، فالصديقية يغلب عليها الجانب القلبي أكثر مما يغلب عليها العمل الظاهر، فإحياء معاني الصديقية يكمن في التفتيش عن دقائق إيمانية وعن دقائق قلبية مثل الإخلاص والزهد والمحبة والتسليم والرضا وعن دقائق في الأعمال والتنزه عن نوع منها، فلقد ورد في صحيح مسلم عن رسولنا عليه السلام "لا ينبغي لصدّيق أن يكون لعّاناً". إن إحياء مراتب الكمال التي ذكرناها من الأهميّة في المكان الكبير، لذلك أدّبنا الله عز وجل أن ندعوه يومياً في صلواتنا بقوله {اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 06-07] يعني صراط النبيّين والصديقين والشهداء والصالحين بنص القرآن، فهؤلاء هم محل القدوة، فكما أن محل القدوة في الدعوة الإسلامية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكذلك الصدّيقون والشهداء والصالحون، وإذاً فبقدر ما يوجد في الأمة الإسلامية صدّيقون وشهداء وصالحون تكون القدوة موجودة في حاضر الأمة الإسلامية. ولنا أن نتساءل: ما الذي جعل مراتب الكمال الثلاث الصلاح والشهادة والصدّيقيّة تضعف؟ والجواب أن هناك رتبة أخرى قد ضعفت في الأمة الإسلامية هي رتبة الربّانية، فالربّانيّون في هذه الأمة قلّوا فترتّب على ذلك ضعف عام في مراتب الكمال ولذلك نقول: إنّه إذا ما أردنا أن نحيي مراتب الكمال، أو نقويها فلابدّ أن تكون البداية هي إحياء مقام الربّانية. ومن قوله تعالى {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثمّ يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79]. ومن قولهم يوم مات ابن عباس رضي الله عنهما (اليوم مات ربّانّي هذه الأمة) نستطيع أن نتلمس معاني الربّانّية المفقودة. فنموذج الربانية هو ابن عباس في معرفته الكتاب والحكمة وفي قدرته على تعليم الكتاب والحكمة والربانية بنص الكتاب: دراسة وتعليم للكتاب، وتعليم الكتاب في عصر الصحابة يدخل فيه تفهيمه والتحقيق فيه، ولقد كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فالمعلم الذي لا يستطيع أن يربى عليه، وأن يحقق فيه، ليس هو المعلم الرباني، وليس هو الوارث الكامل لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فالرباني هو القادر على تزكية النفس وهو القادر على الارتقاء بالمسلم إلى مقامات الصديقية والشهادة والصلاح لأن مهمته هي مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه لا يوحى إليه. ومن الآية التي مرّت معنا ندرك أن مطلباً أساسياً للرسل عليهم السلام يحاولون أن يوجدوه هو مقام الرّبانية {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب... ولكن كونوا ربّانيين} [آل عمران: 79]. يفهم من ذلك أنّ مطلباً رئيسياً يريده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هو أن يوجد ربّانّيون في الأمة لأنه يتوقّف على ذلك كل ما بعده، ومن ههنا تأتي أهمية وجود الربّانيين في المجتمع الإسلامي. إنه بقدر ما يضعف مقام الربّانّية يضعف الإسلام في القلوب والنفوس وذلك هو السر الأساسي في ضعف مراتب الكمال التي ذكرناها، وخاصّة مقام الصديقية سواء من حيث العدد أو من حيث النسبة أو من حيث الكمال. إن شرط وجود الصديقية والشهادة والصلاح هي وجود الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا فقد الرسول عليه الصلاة والسلام فالوارث الكامل هو شرط الوصول إلى الكمال في مراتب الكمال الثلاث، وقد جعل الله الغاية في الهداية هو الولي المرشد فقال تعالى {ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً} [الكهف: 17] لقد ختمت النبوة برسولنا عليه السلام {ولكن رسول الله وخاتم النبيين} [الأحزاب: 40]. فمن يقوم مقامه في التعليم والتزكية؟ لا شك أنهم وراثه وهم العلماء، ولكن أي علماء؟ إنهم العلماء الربانيون، فإذا فقدوا فلابد أن يتأثر الكمال، وإذا قلّوا فلابد أن يتأثر الكمال، وإذا كثروا فمظنة الخير أكثر. وإنما قيد تعليم الرباني بالكتاب، وأطلقت دراسة الرباني، لأن الرباني يستطيع من خلال الكتاب أن يعلم كل شيء يحتاجه الإنسان، فقد وصف القرآن بقوله تعالى: {وتفصيل كل شيء} [يوسف: 111]. {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء} [النحل: 89]. وهذا يقتضي من معلم القرآن أن يدرس دراسات كثيرة، ولذلك أطلقت دراسة الرباني: {وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79]. فمعلم القرآن ينبغي أن يستوعب من الدراسات ما يستطيع أن يغني الدارسين للقرآن في كل عصر ومصر وهذا يقتضي دراسات واسعة. ثم إن الدراسات للرباني تتوسع وتتجدد كلما امتد الزمان والمكان، فالصحابي الذي يعيش في البيئة العربية ساعة نزول القرآن الكريم ويسمع حديث الرسول عليه الصلاة والسلام مباشرة، أو من خلال صحابي آخر، لا يحتاج إلى دراسة اللغة العربية ولا إلى دراسة مصطلحات علوم الحديث، ولا يحتاج إلى معرفة الرجال، والصحابي الذي يعيش الفهم الفطري للقرآن ولا يواجه أفكاراً منحرفة في العقائد لا يحتاج إلى دراسة شيء اسمه عقائد أهل السنة والجماعة وموقفهم من فكر الفرق الآخرى أو موقفهم من فكر الأديان الذين يضطرون لمناقشة أهلها، كما إنهم لا يحتاجون إلى دراسات كثيرة لمعرفة حال المسلمين وقتذاك، فدار الإسلام حدودها معلومة معروفة بينما يحتاج الربانيون في أجيال لاحقة إلى هذا وأمثاله، ولذلك أطلقت كلمة الدراسة ومن ههنا تعرف جهل الذين ينكرون ضرورة الدراسات المتعددة المتجددة كلما جد جديد أو ولد قرن جديد ومن ههنا نجد القائمين على الدراسات الجامعية سواء أكانت إسلامية أو غير إسلامية يستحدثون كراسي الدراسة لكل علم تثبت لهم ضرورته. والربانية بالضرورة لا تعني الدراسة فقط، بل تعني معها القرآن الكريم، وتعليم القرآن يقتضي معرفة بالسنة، ويقتضي قدرة على تزكية الأنفس، ومن ههنا لابد أن يكون الرباني متحققاً بالصلاح وطلب الشهادة في سبيل الله ومقام الصديقية ففاقد الشيء لا يعطيه، فالرباني مالم يكن متحققاً لا يستطيع أن يحقق، فهل لنا بعد هذا البيان أن نحدد بعض المعالم. إنّ كلمة الربّانّيين ليست كلمة يدخل فيها كلّ فرد من الأفراد، وإنّما يدخل فيها الناس الذين عندهم قدرة على تعليم الكتاب والذين عندهم دراسات، ومن السياق نفهم أنّ هذه الدراسات هي الدراسات التي تؤهّلهم لفهم الكتاب وتعليمه والتي تعين على التحقق به. فإذا كان تعليلنا لنقص مراتب الكمال في الأمة الإسلامية كمًّا وكيفاً يرجع إلى النقص في قضية الربّانية فإنّ علينا إذا ما أردنا أن نحيي مراتب الكمال هذه أن نوجد الطبقة التي يمكن أن نسمّيها طبقة الربّانّيين. فإذا ما أردنا أن ننقل الأمة إلى أن تعود إليها مراتب الكمال، فلابد أن يوجد الربانيون القادرون على العطاء، وإذا كان القرآن قد جمع معالم الربانية بكلمتين تعليم الكتاب والدراسة، فإن ذلك يدخل فيه أشياء كثيرة، يدخل فيه تعليم الكتاب تلاوة ويدخل في ذلك تفهيمه، وتطبيقه، وكيف تصلح الحياة على هذا، فالإنسان الذي يمتلك القدرة على تعليم الكتاب يعني بالضرورة أنه قادر أن يعلم الناس كل شيء يحتاجون إليه في أمر دنياهم وأخراهم على ضوء الكتاب، فتعليم الكتاب إذن يدخل فيه كل هذا أما الدراسة فإنه يدخل فيها كل ما يلزم لذلك. إنّك لا تستطيع أن تعلّم الكتاب إذا لم تكن متقناً لعلوم اللغة العربية، ومتقناً لفن التلاوة، وكذلك لا يمكن أن تفهم كتاب الله إذا لم تدرس السنّة النبوية، فالله عز وجل قال: {أقيموا الصلاة}. لكنّ الذي فسّر لك كيف تقام الصلاة هو السنّة النبوية، والكتاب والسنة تنبثق عنهما الأحكام التي تغطي شئون الحياة كلّها، فما من حكم يحتاجه الإنسان في حياته إلا ولله عز وجل حكم فيه: وهذا الحكم يعرف إمّا من صريح القرآن الكريم أو من صحيح السنّة أو من هذا وهذا. واستنباط الأحكام من الكتاب والسنّة له أصول وقواعد، وإذا أردت أن تفهم القرآن الكريم لابدذ أن تفهم هذه القواعد التي تستنبط بواسطته الأحكام، من ههنا تأتي ضرورة علم أصول الفقه، وبالتالي فأصول الفقه ينبغي أن يكون داخلاً في دراسة الربّانّيين. وتنبثق عن الكتاب والسنة أحكام، فالكتاب والسنة بينّا للمسلم عقيدته، وبينا للمسلم كيف يزكّي نفسه، وبينا للمسلم حكم الله في القضايا العملية التي يحتاجها في حياته، ومن ههنا يدخل في دراسة الربّانّيين علم العقائد وعلم السلوك وعلم الفقه. ومن المعروف في حياة الصحابة رضوان الله عليهم أنّهم كانوا يقولون: "كنّا نؤتى الإيمان قبل القرآن" هذه كلمة مأثورة عن أكثر من صحابي، وإذاً فعلم الإيمان الذي هو مقدمة لعلم القرآن الكريم يدخل في دائرة دراسة الربّاني. قال تعالى: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} [الشورة: 52]. وإذاً فمما يدخل في دراسة الربّاني علم الإيمان وزكاة النفس، فإذا لم يكن عند الربّاني علم ذلك لا يستطيع أن ينقل الناس إلى هذه المعاني، ولنعرض المسألة عرضاً آخر، فمما منّ الله به على هذه الأمة الإسلامية أن بعث لها رسولاً، ومن مننه على هذه الأمة أن جعل هذا الرسول متصفاً بصفات معيّنة، تجد ذلك في قوله تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة} [البقرة: 151]. نفهم من ذلك أنّ من مهمّات الرسول صلى الله عليه وسلم تلاوة الآيات وتعليم الكتاب وتعليم الحكمة، ومن مهماته تزكية النفس، فإذا قلنا بأن الربّاني هو الذي يرث رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك يعني أن من مهمات الربّاني تزكية الأنفس، فكيف يستطيع الربّاني أن يزكّي الأنفس إذا لم يكن عنده علم ذلك؟ ومرّة ثالثة نقول: إن وجود طبقة ربّانّيين عريضة في الأمة الإسلامية هي نقطة البداية من أجل أن تتعمّق مراتب الكمال في الأمة الإسلامية كمقدمة لوجود الصدّيقين والشهداء والصالحين، ولذلك فإنني أرى أن مما ينبغي فعله هو أن تتوجّه قلوب قطاع عريض جداً من المسلمين لهذه القضية بالذات... وبقدر ما يكثر الذين يتفرّغون لقضية الربانية ويستطيعون أن ينقلوا الأمة إلى معالمها فإننا نكون سائرين على قدم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. إننّي أدعو دعوة عامة كل ّ من اقتنع بهذا الكلام أن ينوي ويبدأ السير في الطريق، ومن اجتمعت له نيّة وهمّة فالله يعطيه، وفي كل الأحوال هو مأجور، وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: "لو كان الإيمان في الثريّا لناله رجل (أو رجال) من أبناء فارس". نحن الآن نشكو أن مراتب الكمال فينا ضعيفة، ونلاحظ أن أجواءنا ليست هي الأجواء الكاملة، ومنذ فترة طويلة تعاني الحركة الإسلامية من مثل هذا حتّى اعتاد أبناؤها أن يقولوا: عندنا نقص روحي، وعندنا نقص تربوي، وعندنا نقص ثقافي، هذا الكلام يتكرّر على الألسنة ويبدو لي أنّ هذا الكلام سيبقى مستمراً حتّى توجد طبقة عريضة قد تحققت بمعاني الربّانية وإلى أن يحدث ذلك سنبقى نعاني وسنبقى نشكو، وما كان يعتبر عذراً في الماضي لم يعدْ الآن عذراً. في الماضي كنت تجد العلوم المتوارثة في الغالب عند شيوخ لم يدرك الكثيرون منهم احتياجات عصرهم، فإذا ما قاربهم الشباب حاولوا أن يثنوهم عن الحق الذي آمنوا به، واستقطبت الدعوة الإسلامية شباباً وتلك سنة دعوة الأنبياء {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملإيهم} [يونس: 83]. وهؤلاء الشباب كانوا بعيدين عن الثقافة الإسلامية المتوارثة، وكان الداعية مستغرقاً بعمليات التأسيس والأولويات التي تقتضيها وبعملية المواجهة مع الإستعمار والأولويات التي تستدعيها. فكانت هذه كلّها عوامل واقعية نعتذر بسببها عن نقص، أما الآن فلا عذر فلابدّ لنا أن ننهض في هذه الأمة بكل شيء، ولا نهوض إلا بربّانيّين، ولا ربانية إلا بدراسة موجهة وتعليم للقرآن، وإذا لم ننجح في ذلك فلا نجاح. نحن داخلون عمليّاً في معركة غير متكافئة مع قوى ماديّة، ولا يوجد عندنا أسباب الصراع المادّي فإذا لم توجد أسباب الصراع الإيمانّية فمعركتنا خاسرة. الباب الرابع في المؤكدات تحدث القرآن الكريم عن بني إسرائيل، والملاحظ أن القرآن وهو يحدثنا عن اليهود يذكر كلمة الأحبار وكلمة الربانيين، فالحبر هو العالم، والرباني هو العالم العابد الزاهد: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء} [المائدة: 44]. {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت} [المائدة: 63]. فهناك اصطلاح الرباني واصطلاح الحبر، والأصل في شريعتنا أن الرباني هو الحبر، والحبر هو الرباني، والرباني هو الربي، والربي هو الرباني لأن ذلك مقتضى الوراثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم التي طولب بها المسلم: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} [الأحزاب: 21]، "والعلماء ورثة الأنبياء" أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان. {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79]. {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير} [آل عمران: 146]. وقد فسر الربيون بالعلماء. فالأصل عندنا أن رتبة الربي والرباني والعالم واحدة، وهذا الذي يحتاجه عصرنا وهذا الذي يحتاج إلى إحياء في عصرنا، وإنه لمن أخطر الحالات التي تظهر في الأمة الإسلامية حالة بقاء الإيمان في حدود الحناجر ففي الحديث الصحيح عن الإمام علي رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "سيخرج قومٌ في آخر الزمان حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية يقرؤون القرآن، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة" أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. فههنا ناس إيمانهم لا يتجاوز حناجرهم مع أن قولهم من خير قول البرية، ولقد أخبرنا القرآن عن القلب السليم وأخبرتنا السنة عن صلاح القلب، وكان من مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم كما حددها القرآن تزكية الأنفس {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون} [البقرة: 151]. فما لم يوجد المربي المزكي المعلم لا نصل إلى النفس المزكاة ولا إلى القلب السليم وهذا لا يطيقه إلا العلماء الربانيون. (2) ليس أهم في الإسلام من ثلاث قضايا؟ القضيتان الأولى والثانية: التقوى والعبادة وهما متلازمتان. القضية الثالثة: الطاعة. لذلك كانت الأوامر الرئيسية التي وجهها الرسل لأقوامهم هي: {فاتقوا الله وأطيعون} [الشعراء: 108] {أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} [نوح: 03]، ولذلك كان من أهم الفقه في دين الله فقه العبادة والتقوى والطاعة. كيف نعبد الله عز وجل وبماذا نعبده وما هو مضمون التقوى، وكيف نتحقق به ولمن نعطي طاعتنا؟ لله والرسول فذلك واضح، وطاعة أولي الأمر في حال الاستقامة والسلامة واضحة، وذلك إذا كانت هناك خلافة راشدة بل حتى ولو كانت خلافة ظالمة لكنها تعترف لله بالحاكمية وتقيم كتاب الله على ضعف أو ظلم ولكن حيث لا خلافة راشدة ولا ظالمة فلمن نعطي الطاعة؟ عندما يكون النظام كافراً فلمن نعطي الطاعة؟ هناك الطاعة بسلطان القانون والنظام فهذه مفروضة على المسلم بسلطان القانون وهذه ليست محل بحثنا، وإنما محل بحثنا لمن يعطي المسلم طاعته الاختيارية؟ فعندما يكون في نظام كفري لا تدخل طاعته في قوله تعالى: {وأولي الأمر منكم} [النساء: 59]، والذي نستطيع أن نفتي به هو أن الطاعة الاختيارية في هذه الحالة تكون للعلماء الربانيين فهم وراث النبوة، وعلى مثل هذا نستطيع أن نحمل حملاً مباشراً كلام ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيره أولي الأمر بأنهم العلماء الفقهاء ويشهد لما ذكرناه بعض روايات حديث حذيفة "كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وأسأله عن الشر مخافة أن يدركني" فهذا الحديث أصل عظيم في الفتوى فيما يكون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي بعض روايات أبي داود لهذا الحديث ما يلي: "قلت يا رسول الله ثم ماذا؟ قال: إن كان لله خليفة في الأرض فضرب ظهرك وأخذ مالك فأطعه وإلا فمت وأنت عاض بجذل شجرة" وفي رواية أخرى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكرر أمراً ثلاث مرات عقب كل سؤال هو: "تعلّم كتاب الله واتّبع ما فيه" وفي هذا إشارة إلى التلمذة على الربانيين قال تعالى: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79]. فتعلم كتاب الله يقتضي أخذاً عن الربانيين فكأنّ الحديث يشير إلى ما ذكرناه: أن الطاعة الاختيارية في حالة فقدان الخلافة إنما هي لورّاث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكما قلنا فليس كلامنا في الطاعة المفروضة بسلطان النظام والقانون. إن الربانيين من ورثة الأنبياء هم المؤهلون لإيصال الإنسان إلى التقوى: تقوى القلب وتقوى السلوك وإلى كمال العبادة بالإيصال إلى مقام الإحسان "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وهم الذين يستأهلون الطاعة الاختيارية في أوضاع عصرنا ومن ههنا كان وجود رتبة الربانية من أهم أمور عصرنا. (3) ولنعد إلى بعض النصوص: {يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانييون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} [المائدة: 44]. {لولا ينهاهم الربانييون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت...} [المائدة: 63]. من هاتين الآيتين نعرف أن هناك طبقتين في بني إسرائيل كان المفروض أن يقوما بدورين رئيسيين الدور الأول: أن يحكم كتاب الله عز وجل المجتمع الإسرائيلي، الدور الثاني: أن ينهى هؤلاء عن المنكر. ثم إن هناك دوراً ثالثاً للربانيين نصت عليه الآية: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79] والأصل في شريعتنا أن يكون الرباني هو الحبر كما اجتمع ذلك لابن عباس فقد كان يطلق عليه حبر هذه الأمة، كما أطلق عليه رباني هذه الأمة، ولكن حدث في كثير من الأحيان أن انفصلت رتبة الربانية عن رتبة العلم، فأصبح في الأمة الإسلامية ما يطلق عليه اسم العلماء، وأصبح فيهم ما يسمى بالصوفية وأعطي بعض الناس أئمة التصوف اسم الربانيين فصار يقال الإمام الرباني، ويصرف النظر عن المناقشة في هذه الشئون، فإن المجتمع الإسلامي كان ينبغي أن يقوم به طبقتان بحقوق الله عز وجل، والنهي عن المنكر، ولأمر ما فإن الطبقتين لم تقوما في القرن الرابع عشر الهجري قياماً كاملاً بهذه المهام حتى إن الدعوة إلى الله تصدر لها في الغالب الشباب المتحمسون وجزاهم الله خيراً. ولكن بقي فراغ ما في العمل الإسلامي نتيجة لغياب العلماء والربانيين عن الساحة فالأصل أن عامة المسلمين ينتظرون من علمائهم كلمة الفصل ومن خلال العلماء يثقون أو لا يثقون، والأصل أنه في قضايا الإسلام والمسلمين أن يكون العلماء هم القادة وهم السادة وإليهم مرجع الناس في كل ما حزبهم وقد بقي هذا المكان شاغراً. لقد استطاع الإخوان المسلمون أن يشكلوا تياراً عالمياً وجزاهم الله خيراً. ولقد استطاعت جماعة التبليغ أن تشكل تياراً عالمياً وجزاهم الله خيراً. ولكن الفقهاء والربانيين على كثرة وجودهم في الأمة الإسلامية بقي أثرهم محلياً وترتيباتهم ضعيفة. *** إن مقدار ما يأخذه الإنسان في جماعة قائمة على الدعوة كجماعة التبليغ فيما يتعلق في النضج العلمي مقدر بقدر وهم ينهبون على ضرورة الأخذ عن العلماء ومقدار ما يأخذه الإنسان من نضج علمي وروحي من جماعة قائمة على الوعي والحركة كجماعة الإخوان المسلمين مقدر بقدر ولذلك سمح الأستاذ البنا لإخوانه أن يتتلمذوا على من يقدم فائدة إذا توافرت شروط ولقد كنا نشعر ونحن شباب بهذا النقص فكنّا نفر إلى العلماء والربانيين لنأخذ علماً وروحاً وقيض الله لنا علماء ربانيين كانوا يحبون الدعاة والمتحركين فكانت تتكامل بوجودهم أعمال الدعاة والحركيين ولكن العلماء والربانيين بدأ أثرهم ووجودهم يتضاءل أمام النشاطات التنظيمية والدعوية والحركية التي تجتذب الأجيال الجديدة مع بقاء ثغرة النضج الروحي والعلمي قائمة، فالظروف تبقي الأجواء غير مؤهلة لهذا النوع من النضج الذي يحتاج إلى صبر وإلى أجواء مناسبة. وفي كثير من الأحيان لو أراد الفقيه أو الرباني أن يفعل شيئاً نجد صوته ضائعاً فالحركة والدعوة لا تبقيان عند أصحابهما وقتاً للتوقف. هذا كله يقتضي سد هذه الثغرة بإيجاد عمل يجتمع فيه الفقه والنضج الروحي مع الحب والود لكل العاملين للإسلام. إنه لمن الواضح أنّ الأمة الإسلامية في هذا القرن تحتاج إلى عمل مكمل لا يلغي الموجود بل يدعمه ولكنه ينشيء المفقود ويتلافى القصور، من خلال أف رحيب يتجاوز الأشياء الصغيرة من أجل الأشياء الكبيرة، فالعمل الإسلامي يحتاج إلى نضج علمي وروحي. وحكومات العالم الإسلامي في الغالب تحتاج إلى ناصح مشفق. والعاملون للإسلام يحتاجون إلى من يوجد شرارة تفاعل. وهذا القرن الحالي له سماته ومن سماته: أنه لايعطي فرصة في الغالب إلا للتغيير المتطور. وهذه السمة لهذا القرن تجعل من واجب بعض الإسلاميين أن يعملوا في الإطار المقبول المكشوف وفي إطار البناء المتدرج في هذا العالم ولهذا العالم أخذاً وعطاءً. الباب الخامس في قواعد مقترحة لضبط السير لقد تركت قضية الربانية في القرن الماضي في مفهومها الثقافي والأخلاقي والروحي للعفوية، فلم تشكل هذه الربانية تياراً عالمياً كما ينبغي أن يكون، فهل تترك في هذا القرن للعفوية أو أن الأمر لا يحتمل مثل هذا؟. واقع الحال أن الأمر لا يحتمل ذلك فإيصال الثقافة المفروضة إلى كل مسلم يحتاج إلى ترتيب، وإيجاد واقع أخلاقي يحتاج إلى بيئة وترتيب، وإيجاد حياة روحية نشطة يحتاج إلى ترتيب، والخدمة والنصيحة وإقامة فروض الكفايات كل ذلك يحتاج إلى ترتيب. ثم إن ضبط السير ليبتعد عن الخطر والضرر، ثم إن تبادل الخبرات ومدّ جسور التعاون وتعميق معاني الإخاء الإسلامي على هذه الساحة الواسعة من الأرض وبين هذه الأعداد الهائلة من المسلمين يحتاج إلى ترتيب، ثم تقعيد السير وتحريره وتأكيد ما ينبغي تأكيده يحتاج إلى ترتيب وهذه بعض الاقتراحات للسير. القاعدة الأولى لا يُقطع أحد عن شيخ فقه أو سلوك أو عن عمل إسلامي مفيد إلا في حالة الشذوذ العقدي الذي لا تجيزه فتوى إمام مجتهد فعمل حركة إحياء الربانية مكمل لا ناقض، يدعم الموجود وينشيء المفقود يفيد الجميع ويقوي الإخاء الإسلامي. القاعدة الثانية أساس السير علم وذكر: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالماً ومتعلماً" فمن لا ذكر له لا سير له ومن لا سير له في طريق العلم الشرعي فهذا مقصر، فلابد من الذكر وتلاوة القرآن وحضور مجالس الذكر ولا بد من المطالعة المفيدة في كتاب موثق وحضور مجالس العلم وإلا فلا سير. القاعدة الثالثة العبرة أن يكون للسالك ورد يومي فإن أخذه عن شيخ لا حرج عليه، وإلا فإنه يلتزم بالأوراد المعتمدة للحركة أو يجمع بين هذا وذاك، والحد الأدنى من الأوراد: مئة مرة استغفار، مئة مرة صلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، مئة مرة لا إله إلا الله، تلاوة سورة الإخلاص ثلاث مرات، تلاوة ثلاثة أرباع الجزء من القرآن على الأقل يومياً أو سماعه، مطالعة حوالي ساعة في كتاب من كتب الوحدات الدراسية الأربع العشرة. القاعدة الرابعة العبرة للمضمون وأي اسم يمكن أن تأخذه حلقات طلاب الربانية: رابطة طلاب الربانية. حلقات طلاب الربانية. جمعيات إحياء الربانية. مجالس الذكر والعلم لطلاب الربانية. رابطة طلاب العلم. جمعية العلماء. أو أي اسم آخر غير محظور شرعاً أو قانوناً. القاعدة الخامسة ليأخذ هذا العمل مداه لا بد من أن يراعى القانون والنظام العام في كل قطر، فعلى ضوء المتاح تكون الحركة وتكون المؤسسات وتكون الخدمة، فإذا أتيح في قطر إنشاء مجالس الذكر وحلقات طلاب الربانية وصندوق التكافل والتشغيل ومجالس الخدمة ومجموعات الدعوة ومجالس التخصص ونوادي الرياضة والنوادي الكشفية والمدارس الإسلامية فذلك هو الكمال، وإلا فالمتاح الممكن على ضوء القانون والنظام، ويحاول القائمون على العمل أن يتأقلموا مع أنظمة أقطارهم في حدود المباح الشرعي. القاعدة السادسة يحاول الربانيون تحقيق التكليف الإسلامي للفرد عبر التكليفات الشخصية والعمل الجماعي مستهدفين إقامة فروض العين وفروض الكفاية ضمن المتاح والممكن. القاعدة السابعة إنّ مما تستهدفه حركة إحياء الربانية إنشاء الجامعة الإسلامية الأهلية والمدارس التابعة لها، وإذا أوجدت هذه الجامعة فإنها تستأنس بتجارب الجامعات الإسلامية الرسمية وبمناهجها وأساليبها. القاعدة الثامنة مما يساعد على تحقيق الربانية في الواقع وجود الإدارات التالية: أ)- إدارة الإجازات العلمية والتربوية والروحية: عبر الجامعة والمدارس أو الشيوخ. ب)- إدارة إعمار المساجد وإحياء رسالتها. ج)- إدارة الخدمات العامة. د)- إدارة إقامة فروض العين والكفاية. هـ)- إدارة شئون الدعوة والمكتبات والترجمة والنشر. و)- الإدارة المالية للتكافل والتشغيل. ز)- إدارة الإشراف على مجالس الذكر والحلقات وجمعيات إحياء الربانية. ح)- إدارة تخريج المقرئين والمنشدين. ط)- إدارة الإشراف على الاعتكافات. ي)- إدارة شئون الاختصاصات. ك)- إدارة تحسين العلاقات بين المسلمين. القاعدة التاسعة حلقة طلاب الربانية هي الوحدة العملية التي يأخذ فيها المسلم ثقافة ومذاكرة وهي التي تنظم القيام بالواجبات وهي التي تنظم الخدمة والاشتراك المالي والاختصاصات والدعوة وغير ذلك.... القاعدة العاشرة نحن لا نعتبر هذه الحركة جماعة المسلمين التي من لم يلتزم بها مات ميتة جاهلية بل هي مجموعة من المسلمين تعاقدت على تحقيق فروض عينية فيما بينها وعلى تحقيق فروض كفائية تحقيقاً لقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 02]. ولكن نرجو أن تكون من الطائفة المنصورة. القاعدة الحادية عشرة تعطي جامعة إحياء الربانية الإجازات التالية: 1-    إجازة في القرآن وعلومه وتلاوته. 2-    إجازة في الحديث وعلومه وبعض كتبه. 3-    إجازة في اللغة العربية وعلومها. 4-    إجازة في أصول الفقه. 5-    إجازة في فقه الربانية. 6-    إجازة في الأصول الثلاثة. 7-    إجازة في الفقه. 8-    إجازة في فقه الدعوة. 9-    إجازة في التوحيد والعقائد. 10-                        إجازة في التاريخ الإسلامي وتحليل أحداثه. 11-                        إجازة في المنهج. 12-                        إجازة في علم التزكية. 13-                        إجازة في الدراسات الإسلامية الحديثة. 14-                        إجازة في العلوم المعاصرة. القاعدة الثانية عشرة مما يستهدفه الربانيون: -          تطوير الأحياء والقرى بالمشروعات النافعة. -          تقريب الشقة بين الشعوب الإسلامية وحكوماتها على الإسلام. -          تقديم النصيحة الخالصة للجميع. -          تقريب الشقة بين حكومات العالم الإسلامي. القاعدة الثالثة عشرة حيثما كان هناك حكم شرعي ينشرح له صدر صاحبه فلا يلتزم إلا به إلا إذا خالف إجماعاً. القاعدة الرابعة عشرة مما يستهدفه الربانيون: -          تبيان الغلو وتخطئة أهله. -          تصحيح التأويل الجاهل. -          حل المشكلات – إصلاح ذات البين – رفع الظلامات. القاعدة الخامسة عشرة كل اجتماع يحتاج إلى تحضير مسبق ولا يصح أن يتم اجتماع دون تحضير مسبق له. القاعدة السادسة عشرة كل عمل لا يقوم به شخص مؤهل يكون معرضاً للفشل ولذلك ينبغي أن يعتمد الربانيون مبدأ التأهيل والتخصص. القاعدة السابعة عشرة وفي حالة وجود مختصين يملأون شواغر العمل الإسلامي التعليمي فبالإمكان إنشاء دور متخصصة لكل جانب من جوانب الثقافة الإسلامية. 1- دار القرآن 2- دار الحديث 3- دار العربية 4- دار الفقه وأصوله 5- دار العقائد 6- دار الدعوة وفقهها.... القاعدة الثامنة عشرة تشكل الدورات جزءاً رئيسياً من عمل الربانيون وبالإمكان أن توجد دورات مكثفة في العلوم ثم يطالب الطالب بدراسة كتبها فيما بعد ويقدم في ذلك إمتحاناً. القاعدة التاسعة عشرة يبتعد الربانيون عن أي مظهر من مظاهر التنافسات الإدارية، والرابطة بين الربانيين رابطة أخروية، والجميع يخضعون للحكم المجمع عليه ومن له مذهب يلتزم بمذهبه وفي القضايا المصلحية يحاول الجميع أن يفروا من آرائهم إلى آراء الشورى. القاعدة العشرون مراحل السير: مرحلة الانتساب، مرحلة طلب الربانية، مرحلة طلب الأستاذية. القاعدة الحادية والعشرون إن إحياء الربانية يحتاج إلى أن تمضي هذه العملية بعيداً عن المعارك السياسية ومواقف المواجهة، إلا في قطر له ظروفه الاستثنائية القاهرة، فالمواجهة أو العمل السياسي يبقيان لمن ينتدب نفسه لذلك، أما هذا العمل فيجب أن ينال أمناً واطمئناناً ليظهر بوضوح ظلم من يعارضه: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} [البقرة: 114]. القاعدة الثانية والعشرون إذا تطورت الحلقات فأصبحت جمعية فإنه يكون لكل جمعية مرجع وهو نقيبها وأمين سر ومسئول مالي ومسئول فني ومسئولون آخرون يغطون عمل الجمعية وإنما تحدد المسئوليات من خلال العمل والموجه العام ثم المرجع وله الكلمة الفصل في كل شيء، وأمين السر مهمته التنظيم والترتيب والمتابعة على ضوء توجيهات الموجه العام أو المرجع، والمسئول المالي مهمته ترتيب جمع الاشتراكات والتبرعات، والصرف يكون على ضوء أوامر الموجه العام أو المرجع، والمسئول الفني مهمته متابعة كل فرد في سيره الثقافي. القاعدة الثالثة والعشرون تفر حركة إحياء الربانية من الألقاب والتعقيدات الإدارية والتنافس على الأسماء والإداريات فتعتمد في كل تسمياتها أسماء متواضعة كالطالب مثلاً وإذا أعطت اسماً فحيث لا يكون جو تنافس أو تحاسد، وحيث لا بد منه أو حيث يكون في ذلك إحياء سنة. القاعدة الرابعة والعشرون توزع الاختصاصات على أبناء الجمعية ويمكن أن يكون للفرد أكثر من مسئولية فهناك مرجع الجمعية مرجعها ورئيسها ثم المسئول عن أحد العلوم الشرعية أو أكثر وهناك من يخدم أهل الذكر والمسئول عن الدعوة والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمسئول عن الخدمات: عيادة مريض، تجهيز ميت، إغاثة ملهوف، قضاء حاجة، تفريج كربة، تأمين جائع أو محتاج، والمسئول عن صندوق التكافل والتشغيل وإذا كان لقطر أوضاع خاصة فإن كل وضع من هذه الأوضاع يمكن أن يكون له مسئول عنه في الجمعية وهذا كله يراعي واجبات المسلم نحو نفسه وواجباته نحو الخارج، فواجباته نحو نفسه: علم وذكر واجتماع وواجباته نحو الخارج تعليم ودعوة ونصيحه وإحقاق حق وإبطال باطل وإحياء فروض عينية وكفائية. وعلى هذا فبالإمكان أن نتقدم بنموذج على توزيع العمل في الجمعية بما يغطي ذلك مع ملاحظة أن كل مسئولية يمكن أن يتعاون فيها أكثر من عضو: 1-                مرجع الجمعية. 2-                أمين السر. 3-                مسئول عن الذكر. 4-                مسئول عن علم أصول الربانية وفقه الدعوة. 5-                مسئول عن علوم الأصول الثلاثة وعلوم القرآن والتلاوة ومفردات القرآن. 6-                مسئول عن علم أصول الفقه والفقه. 7-                مسئول عن علوم اللغة العربية. 8-                مسئول عن الدوريات والدراسات الإسلامية الحديثة. 9-                مسئول عن السيرة والتاريخ الإسلامي وحاضر العالم الإسلامي. 10-            مسئول عن علوم الحديث. 11-            مسئول عن فقه المنهج. 12-            مسئول عن علم السلوك إلى الله عز وجل. 13-            مسئول عن علم العقائد. 14-            مسئول عن الدعوة والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 15-            مسئول عن إيجاد العلاقات الطيبة. 16-            مسئول عن الخدمات. 17-            مسئول عن مجالس الخدمة المتخصصه. 18-            مسئول عن فروض الكفاية. 19-            مسئول عن الفروض العينية. هذا نموذج ويمكن أن تدمج عدة أعمال مع بعضها كما يمكن أن توزع بعض الأعمال والتجربة المشدودة إلى الأصول والفطرة هي التي تضع الأمور في مواضعها. القاعدة الخامسة والعشرون قد يحدث أن يكلف إنسان بمهمة وليس مؤهلاً لها فعليه أن يؤهل نفسه لها، فمثلاً لو كلف بتعميم علم أصول الفقه فعليه أن يبدأ المطالعة والقراءة ويشكّل حلقة الدراسة فيقرأ هو من يستجيب له في هذا العلم وكان من سنن علمائنا أن يقرأوا قراءة سردية لبعض الكتب دون الوقوف عند عباراتها ثم يعيدون قراءتها مرة أخرى لتفهم، ويحاول المكلف أن يجد له من يرجع إليه وبالإمكان أن يطلب هو وإخوانه من بعض المختصين أن يعطوهم دروساً في اختصاصهم. القاعدة السادسة والعشرون يمكن أن توجد حلقات طلاب الربانية على مستويات متعددة على مستوى مدرسة أو جامعة أو حي أو دائرة مسجد، ولا يتعارض ذلك مع بعضه فمادام الهدف هو إيصال الذكر والعلم وإحياء واجبات الدعوة والنصيحة والخدمة وإحياء فروض العين والكفاية فمهما كثرت الحلقات أو الجمعيات فلا حرج، ولو انتسب إنسان لأكثر من جمعية أو حلقة فلا حرج مادام عنده فراغ وكان قادراً على القيام بالواجبات. القاعدة السابعة والعشرون تحاول حلقات إحياء الربانية ألا يكون عندها ظاهر يخالف باطناً وذلك كي لا تكون مخادعة لأعضائها فتسبب ضرراً لهم. القاعدة الثامنة والعشرون يمكن أن تبدأ أي مجموعة بإنشاء حلقة من حلقات طلاب الربانية وبالتالي فإن إحياء الربانية يكون قد بدأ ولكن ما تحتاجه الأمة الإسلامية بمجموعها أو قطر من أقطارها قد يحتاج إلى مؤسسات وترتيبات لابدّ منها. القاعدة التاسعة والعشرون تتطلع حركة إحياء الربانية أن يشارك فيها كل مسلم، ولكن القبول للفكرة والالتزام فيها والانصهار بالذكر والعلم على ضوء المرسوم فيها هو البداية الصحيحة وإذا لم تتوفر هذه الشئون فإن طلاب الربانية يبقون حذرين من أن تحاول جهة أن تصرف هذه الحركة عن مسارها المحدد. القاعدة الثلاثون تحتاج حركة إحياء الربانية لتعميمها قطرياً وعالمياً إلى مؤسسات وهذا يقتضي من أهل الفضل أن يتعاونوا، كما يقتضي نوع ترتيب، والترتيبات المعتمدة ينبغي أن تكون مرنة إلى أقصى حدود المرونة وفطرية إلى أقصى حدود الفطرية. وهذا يقتضي تراتيب إدارية كأن توجد هيئة تأسيسية وأمانة عامة على مستوى عالمي. القاعدة الحادية والثلاثون حركة إحياء الربانية تستهدف وجود الرباني، وأن يقوم هذا الرباني بواجبه، وحلقات طلاب الربانية ومجالس الذكر مهمتها إيجاد المناخ المناسب لذلك، وهناك معالم هامة تستهدي بها الحركة في كل مكان ولكن يبقى لكل قطر خصوصياته، وهناك حدود للحركة فيه، وعلى الربانيين في الأقطار أن يدركوا هذه الخصوصيات وهذه الحدود لتنضبط بذلك الأمور فلا تتجاوز دائرة الإمكان أو حد دائرة الأمان. القاعدة الثانية والثلاثون هناك الذين ينتدبون أنفسهم للسير إلى الربانية بالقيام بتكاليفها فهؤلاء ينتسبون إلى حلقات طلاب الربانية، وهذه الحلقات ينبغي أن تربط كل مسلم بمجالس الذكر وحلقات القرآن التي ترعى التلاوة وتعليم مفردات القرآن والحفظ، ومن مجالس الذكر وحلقات القرآن ينقل الإنسان إلى حلقات طلاب الربانية، وهناك حلقات فرعية يقيمها طلاب الربانية في العلوم الإسلامية فهذه بالإمكان أن تكون مفتوحة للمستفيدين وعبر هذه الحلقات يمكن نقل الإنسان كذلك إلى مجالس الذكر وحلقات القرآن وحلقات طلاب الربانية. القاعدة الثالثة والثلاثون إن الانتساب لحلقات طلاب الربانية يعني الالتزام بورد يومي من الذكر وتلاوة القرآن والمطالعة الهادفة للوصول إلى ثقافة الربانيين ومما يلحق بذلك حضور الاجتماعات ودخول الاعتكافات. القاعدة الرابعة والثلاثون لابد لسالك طريق الربانية من اعتكافات تتمحض للعبادة، فإذا أمكن ترتيب ذلك سنوياً في مسجد عشرة أيام في رمضان فذلك هو السنة وهو الأكمل، وإلا فمما استطاع، وأي وقت استطاع، فإذا تعذر الاعتكاف في المسجد فاعتكاف في بيت وليحاول ألا يضيع صلاة الجماعة في المسجد وإلا ففي البيت، وليحاول في اعتكافه أن يختم القرآن مرة، وأن يذكر الله عز وجل بكل أنواع الذكر المعروفة: الاستغفار، الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكثر من قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، لا حول ولا قوة إلا بالله، مع قيام الليل وصلاة الضحى وإقامة الصلوات الرواتب وصلاة التسابيح وما تيسّر من نوافل. القاعدة الخامسة والثلاثون من كلام العلماء قديماً: "واللبيب يكفي الكتاب في ترقية لكنه لا يسلم من رعونة نفسه"، ومن ههنا فإننا نطالب طالب الربانية بأن يبذل الجهود الشخصية ليحصل الوحدات الدراسية مع الالتزام بحلقات الربانية والانسجام مع إخوانه فيها ليحقق التواصي بالحق والتوصي بالصبر والإخاء الإسلامي العام والإخاء الإسلامي الخاص. القاعدة السادسة والثلاثون وحدة العمل الرئيسية لإحياء الربانية وأعمالها هي حلقة طلاب الربانية، فمتى وجدت فقد وجد الخير بإذن الله ويمكن أن تطور حلقة طلاب الربانية نفسها أو عملها وهل يشكل طلاب الربانية فيما بعد جمعية أو مجلساً في دائرة حي أو محافظة ويأخذون بذلك ترخيصاً أو أنهم لا يحتاجون في بعض الأقطار إلى ترخيص؟ كل ذلك تجيب عليه شوراهم ولكن روح الإخاء والصلة الروحية وصلات المودة والنصيحة لابد أن تعم جميع العاملين في حركة إحياء الربانية، وإذا وجد بطريق ودي وحبي من خلال التفاهم مكتب تنسيق للقطر أو مكتب توجيه فالعلاقة علاقة ودية وحبية وتفاهم وقناعة واقتناع فحركة إحياء الربانية لا تتورط في خصومة أو شقاق فالحب هو الذي يصهر الجميع ويحرك الجميع، وإذا فقد امرؤ الحب من نفسه لإخوانه أو نقصت قناعته في السير فلا عليه من حرج أن يحقق ذاته في عمل إسلامي آخر. فصل: في مؤسسات الجمعية لكل جمعية ثلاث مؤسسات: 1-                مجلس الأمناء وهو مجموع الإخوة المؤسسين حتى يبلغ العدد أربعين وهو بمثابة المجلس الاستشاري. 2-                مجلس الربانيين وهو مجلس يضم كل من أخذ إجازة الربانية وهو بمثابة مجلس شورى الجمعية. 3-                المجلس الإسلامي العام للجمعية وهو بمثابة مؤتمر الجمعية. فصل: في انشطار الجمعية إذا كثر أعضاء جمعية ما فعندئذ يتخذ الموجه العام إن وجد أو نقيب الجمعية قراراً بانشطارها ملاحظاً في عملية الانشطار أن يبقي العدد الكافي للجمعية الأم، وأن تكون الجمعية الجديدة قادرة على القيام بمهماتها، وأن تكون الجمعية الجديدة تغطي منطقة أو حياً أو قرية أو مجال عمل. ويفضل حيث أمكن أن يكون لكل مسجد حلقة تسمى باسمه فتكون حلقة جامع كذا لإحياء الربانية. فصل: في أعمال الجمعية 1-                إقامة مجالس الذكر. 2-                إقامة حلقات طلاب الربانية لأخذ الوحدات الدراسية الأربعة عشرة. 3-                إنشاء صندوق التكافل والتشغيل. 4-                تحريك العضو كفرد أو مع مجموعة نحو الدعوة إلى الله وإلى مجالس الذكر والعلم وإلى الحلقات القرآنية وإلى النصح وإصلاح ذات البين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 5-                توجيه الأعضاء نحو إقامة فروض كفائية مضيعة. 6-                تنظيم الخدمة العامة لأبناء الجمعية خصوصاً، ثم للمسلمين عموماً، ثم للناس جميعاً. 7-                تنظيم دورات علمية أو إنشاء مدارس للعلوم الشرعية. 8-                حل المشكلات ورفع الظلامات وإصلاح ذات البين. إرشادات الإرشاد الأول: كل عمل من الأعمال لا يتعاهده أشخاص يكونون أركاناً فيه يذبل ثم يموت، لذلك لابد لكل عمل أن يخصص لإقامته عدد يعتبرونه مهمتهم الأساسية ويصبح علماً عليهم وهم علم عليه ويدخل في ذلك كل الأعمال التي تستهدف إقامتها الجمعية. الإرشاد الثاني: عمدة مجالس الذكر شيخ يدير الجلسة وليلحظ في مجلس الذكر ألا يكون فيه ما يمكن أن ينكر عليه سواء في ذلك الصيغ أو غيرها، وقد ورد في البخاري ومسلم صفة لمجلس الذكر تتضمن التسيبح والتهليل والتكبير والتحميد والدعاء، وورد الاجتماع على كتاب الله وعلى العلم فحبذا لو كانت جلسة الذكر على الشكل التالي: 1-                تبدأ بقراءة صفحتين من القرآن الكريم دون تفسير. 2-                يصلي الحاضرون على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حدود نصف ساعة صلاة سرية. 3-                يقول الحاضرون مائة مرة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. 4-                ولا بأس بالإنشاد المتخيرة ألفاظه والتي تؤصل معانيه مفاهيم الربانية في النفوس. 5-                تقرأ صفحتان من رياض الصالحين دون تعليق أو شرح. 6-                تختم الجلسة بالدعاء. ويتم ذلك كله والحاضرون جلوس. وإذا حضر بعض أهل العلم فبالإمكان أن تكون له كلمة يقدم بها فائدة ويحرص ألا تطول الجلسة كثيراً، ويتحرى لها وقت مناسب. الإرشاد الثالث: مهمة حلقات طلاب الربانية، السير بالمنتسبين إليها على ضوء المناهج الدراسية، والصورة المثلى أن يكون لطلاب الحلقة اجتماع دوري، يعطون في هذا الاجتماع خلاصة لكتاب مقرر أو خلاصة لجزء منه من قبل المشرف على الحلقة ويطلب من كل منهم أن يقرأ هذا الكتاب فيما بين الاجتماعين وتكون الفرصة بين الاجتماعين كافية للتحضير وإذا أشكل على الطالب شيء يراجع فيه المشرف أو يسأل عنه إخوانه أو من يستطيع حل الإشكال، وفي الاجتماع اللاحق تكون مذاكرة في هذا الكتاب ثم تأخذ الجلسة ملخصاً لكتاب آخر وهكذا، وعلى هذه الحلقات أن تضع في برامجها أن تعطي المنتسبين إليها كل الوحدات الدراسية الثلاثة عشرة. وينبغي أن تعدل هذه الإجازات بمجموعها إجازة الجامعات الإسلامية وزيادة، وإذا أمكن فليكن لكل حلقة مشرف ولكل علم مرجع، ويمكن أن يكون نقيب الجمعية هو المرجع والمشرف. وينبغي أن يعطى العضو إجازة جامعة في هذه العلوم كلها وحذار أن يعطى إنسان إجازة لا يستحقها بل يجب أن تصبح الثقة بإجازة الجمعية أقوى من الثقة بأي إجازة أخرى. الإرشاد الرابع: 1-                مهمة صندوق التكافل ألا يضيع عضو من أعضاء الجمعية وأن يفتح لكل عضو طريق العمل الذي يناسبه. 2-                يدفع المنتسب الاشتراك الذي يحدده مهما كان قليلاً ويدفع زكاة ماله لصندوق الجمعية إلا إذا كان هناك أحق شرعاً. 3-                يتألف صندق الجمعية من ثلاث خزانات: أ‌-                  خزانة الاشتراكات والتبرعات. ب‌-               خزانة الزكوات. ت‌-               خزانة القرض الحسن، فمن كان عنده مبلغ فائض عنه يستطيع أن يدفعه لهذا الصندوق والجمعية تكفل أن ترد للمقرض ما وضعه في الصندوق متى شاء. 4-                ينشيء كل منتسب للجمعية صندوقاً في بيته يسمى صندوق الدعوة لا يفتح هذا الصندوق إلا بقرار من الموجه العام. الإرشاد الخامس: تنظم الحلقة العلمية أمر الدعوة إلى الله بحيث يكون لكل فرد فيها مهمة دعوية: دعوة إلى مجالس ذكر الجمعية، ودعوة إلى حلقاتها، ودعوة إلى كتبها المعتمدة، والتذكير لأهله ولمن يعيش في دائرتهم، وإنشاء حلقة قرآنية. الإرشاد السادس: تبحث الجمعية عن فروض كفائية مضيعة في دائرتها أو في دوائر أخرى فتتلقى الاقتراحات وتدرسها وتبلورها بمشاريع عملية واقعية، وتدفع كل فرد من أفرادها نحو التخصص إما في فريضة كفائية شرعية أو في فريضة كفائية حياتية ويتخيّر نقيب الجمعية لمتابعة هذه المهمة أحد الأعضاء ويشرف هو على هذا الموضوع إشرافاً مركزياً ومن الأمور المهمة: إنشاء المكتبات ودور النشر. الإرشاد السابع: يكون في الجمعية مسئول عن تنظيم الخدمة العامة ويساعده في ذلك مساعدون وأي عضو تطلب منه خدمة جائزة شرعاً ومستطاعة له فعليه أن يؤديها. الإرشاد الثامن: تحاول كل جمعية أن يكون لها مدرسة أهلية للعلوم الشرعية يكون دوامها في الأوقات المسائية بحيث تتيح للراغبين فرص الوصول إلى الكمال العلمي. فصل: في العضوية درجات العضوية في الجمعية: 1-                منتسب فطالب فعضو فمتخصص. 2-                المنتسب هو من التزم بإقامة الفرائض وترك المحرمات والتزم بورد من الذكر وقراءة القرآن والمطالعة المفيدة والرياضة اليومية وحضور مجالس الذكر والعلم وحب العلماء وأهل الإيمان فمن وفى بالتزامه فهو المنتسب. 3-                الطالب هو من التزم مع ما ذكر بدراسة الوحدات الدراسية الأربعة عشرة للجمعية فمن تخرج بها فهو العضو. 4-                العضو هو من حصل إجازة العلوم الأربعة عشرة. 5-                المتخصص هو من أعطي إجازة تخصص بفرض من فروض الكفاية. والعبرة في العضوية للتحقق بصرف النظر عن الأسلوب. فقد يتحقق إنسان بالعضوية من خلال الدراسة والعمل والالتزام والمراسلة وقد يتحقق بها من خلال صلة شخصية بنقيب الجمعية أو بالموجه العام وقد يتحقق بها من خلال صلة شخصية بأحد أعضاء الجمعية وقد يتحقق بها من خلال ذلك كله مع الانتساب لحلقات الجمعية ومدارسها ومجالسها. إذا تجمع عدد ما واتفقوا على تأسيس جمعية لإحياء الربانية على ضوء المنهج فإنهم يختارون من بينهم نقيباً لهم وهذا النقيب مع هؤلاء المؤسسين يعتبرون مجلس الأمناء الذي له كل الصلاحيات حتى توجد درجات العضوية الحقيقية. فصل: في مكتب التنسيق يكون لكل قطر مكتب تنسيق يتبع الأمانة العامة لحركة إحياء الربانية مهمته متابعة تغطية القطر بجمعيات الحركة والتنسيق بين نشاطات الجمعيات وبين النشاطات الإسلامية الأخرى. فصل: في الهيئة التأسيسية والأمانة العامة يكون لحركة إحياء الربانية هيئة تأسيسية عالمية وأمانة عامة تسعى لإقامة جامعة وترتيب وتعمّم توجهات الحركة. خاتمة وخلاصة الربانية ثقافة وأخلاق وروحانية وعمل، وهي تحتاج إلى إحياء، وعلى إحيائها يتوقف مستقبل الإسلام، وإحياؤها يحتاج إلى ذكر وعلم وتعاون وترتيب، ونجاح الحركة يتوقف على إيصالها ووصولها إلى كل مسلم ومسلمة، وكل مسلم ومسلمة مطالب بالوصول إلى الربانية. قال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} [آل عمران: 104]. وقال: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 122]. وإذا بحثت عن المؤهلين ليقوموا بهذا الدور لوجدتهم الربانيين: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت} [المائدة: 63]. {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79] ومن ههنا كان لا بد من إحياء رتبة الربانية: ولا ربانية إلا بعلم: {بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} ولا ربانية إلا بذكر: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} [الأحزاب: 21]. ولا ربانية إلا بنصيحة: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}. ولا ربانية إلا بخدمة: {أذلة على المؤمنين} [المائدة: 54]. ولا ربانية إلا بإقامة فروض العين والكفاية: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير} [آل عمران: 146]. {إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه} [الفتح: 08]. ومن ههنا نريد سيراً ربانياً يلتزم فيه المسلم بالعلم والذكر والنصيحة والخدمة وإقامة فروض العين وفروض الكفاية. ونريد حلقات طلاب الربانية التي تتعاون بها الحلقة مع السير الفردي على إقامة هذه الأمور الخمسة. ونريد جمعيات إحياء الربانية التي تلتزم بإيجاد كل ما يلزم لإشاعة هذه المعاني الخمسة وإقامتها. فعلى مستوى الذكر نريد إحياء مجالس الذكر والمداومة على الأوراد اليومية من الأذكار وتلاوة القرآن وحفظه وحلقات القرآن والاعتكافات وما يلزم ذلك. وعلى مستوى العلم نريد حلقات العلم وحلقات القرآن والمدارس العلمية والجامعات العلمية التي تخرج المسلم المستوعب لثقافة الربانيين والمختص بفرض من فروض الكفاية. وعلى مستوى النصيحة ينبغي إحياء الدعوة الفردية والجماعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعلى مستوى الخدمة ينبغي إحياء عيادة المريض وإغاثة الملهوف وإدخال السرور على قلوب المسلمين وقضاء حاجاتهم. وعلى مستوى إقامة فروض العين والكفايات ينبغي إحصاؤها وتكليف من يقوم بها وإيجاد المؤسسات والمجالس التي تقيمها. *** ولعلك رأيت أن إحياء الربانية فريضة العصر، والكينونة مع الربانيين والأخذ منهم من فرائض الله {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119]، والصادقون هم ورّاث النبوة في العلم والجهاد. وهذا يقتضي منك نية وعزيمة والتزاماً أن تسير في طريق الربانية وأن تعمل لإقامة حلقات طلاب الربانية وأن تسعى لتعميم ثقافة الربانيين وأخلاقيتهم وتوجهاتهم نحو إقامة الإسلام. والمطلوب منك: على مستوى الذكر: أن تلتزم يوميّاً بورد من الأذكار وبورد من تلاوة القرآن وبورد من حفظ القرآن وبحضور مجلس من مجالس الذكر المأثور أسبوعيّاً ومحاولة إقامة سنة الاعتكاف. وعلى مستوى العلم: أن تلتزم بالسير نحو استيعاب الثقافة الإسلامية المتكاملة التي حدّدناها بأربع عشرة وحدة دراسية، وأن تحاول الاختصاص بفرض من فروض الكفاية وأن تلتزم بالتلمذة على العلماء. وعلى مستوى النصيحة: أن تنصح أهلك وجيرانك ومن لك بهم صلة وأئمة المسلمين وعامتهم. وعلى مستوى الخدمة: أن تخدم أهلك وجيرانك والمسلمين. وعلى مستوى إقامة فروض العين والكفايات: أن تبذل جهداً في ذاتك لإقامة ما تستطيع من ذلك وأن تبذل جهدا خارج ذاتك في ذلك كله. والله ولي التوفيق ونسأله الحفظ والسلامة ربيع ثاني 1404 هـ كانون ثاني 1984 م